فلسطينيو سورية وصعوبة خيار النأي بالنفس

فلسطينيو سورية وصعوبة خيار النأي بالنفس

فلسطينيو سورية وصعوبة خيار النأي بالنفس




كثر الحديث في الأيام الأخيرة عن أوضاع الفلسطينيين في سورية على خلفية اشتداد الأزمة التي تعيشها البلاد منذ منتصف مارس/آذار من العام الماضي. وتسبب انتقال المعارك إلى قلب العاصمة السورية دمشق، وأنباء عن نزوح أعداد كبيرة من السوريين إلى مخيم اليرموك من المناطق القريبة طلبا للأمن في فتح ملف فلسطيني سورية وموقفهم من الحراك في بلاد لاقوا فيها حفاوة شعبية ورسمية منذ النكبة، وكانوا متساوين في الحقوق والواجبات وشكلوا جزءا من النسيج الاجتماعي والاقصادي للبلاد.

لاجئون أم فلسطينيون سوريون
يعيش في سورية أكثر من 520 ألف لاجئ فلسطيني يتوزعون على تسعة مخيمات رسمية، إضافة إلى عدد من التجمعات السكانية، وتسكن نسبة لا بأس فيها في داخل المدن والقرى السورية. وتضم دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية ودرعا مخيمات بنيت منذ بداية الخمسينات. ويتفاوت حجم المخيمات كثيرا، كما تختلف عمرانيا، فمنها مخيمات مازالت عشوائية وغير منظمة ومنها ما بات أشبه بالمدن، مثل مخيم اليرموك جنوب دمشق. ومعظم المخيمات يقتصر سكانه على الفلسطينيين، لكن تركيبة مخيم اليرموك تضم نحو 120 ألف فلسطيني من أصل نصف مليون ساكن. ويتميز المخيم بأنه يحاذي مناطق سكنية فقيرة لوافدين إلى العاصمة دمشق من الأرياف والمدن الصغيرة.

ويجمع مؤيدو ومعارضو النظام على أن الفلسطيني في سورية لا يعاني أي نوع من التمييز. وتبوأ الفلسطينيون مراكز حساسة في الدولة، ومنهم أساتذة جامعيون، ورجال فكر مهمين، ونواب للوزراء ومدراء عامون وغيرهم. ويتمتع الفلسطيني منذ نهاية الخمسينيات من القرن الماضي بكافة حقوق السوريين، عدا حقوق الانتخاب والترشح للمجالس المحلية، ومجلس الشعب، وتبوء مناصب وزارية، والحصول على الجنسية، ودون ذلك يتمتع الفلسطينيون بالطبابة المجانية، والتعليم المدرسي والجامعي المجاني، وحقوق العمل.

ويقول الناطق الإعلامي باسم الجبهة الشعبية- القيادة العامة أنور رجا لموقع "روسيا اليوم" إن "الفلسطينيين يقدرون للسوريين حكومة وشعبا استضافتهم الكريمة لآبائنا وأجدادنا" ويشدد على أن " الحكومة والشعب في سورية بذلوا تضحيات كبيرة من أجل ضمان حياة كريمة للفلسطينيين، ومساعدتنا على تحرير أرضنا من الصهاينة". كلام يتفق مع جزء كبير منه أحد أعضاء تنسيقية اليرموك لدعم الثورة السورية في اتصال مع موقع "روسيا اليوم" ويتجاوزه بالقول " إننا فلسطينيون سوريون ولسنا لاجئين".

في قلب الأزمة وتقاطع النيران...
وجد فلسطينيو سورية أنفسهم في قلب الأزمة منذ بداياتها في 18 مارس/آذار 2011. واتخذ معظم الفلسطينيين قرارا بالحياد الإيجابي وعدم دعم طرف على حساب الآخر، لكن هذا لم يمنع الهجوم عليهم، وتحميلهم مسؤولية الأحداث من قبل هيئات نافذة في الدولة، في محاول لاظهار أن "غرباء، ومندسين" هم من أطلقوا "شرارة الفتنة". كما تعرضوا في وقت لاحق إلى هجوم بسبب عدم المشاركة في الحراك من الأطراف المعارضة.

وواقع الأمر أن اندماج الفلسطينيين في المجتمع السوري، ووقوعهم في الأماكن المضطربة منذ البدايات في درعا، واللاذقية سرع في فرزهم بين مؤيد ومعارض للنظام، لكن مع التزام الصمت. وسقط فلسطينيون أثناء عمليات الإسعاف، وامداد الأحياء المحاصرة في درعا بالماء والغذاء على أيدي الأجهزة الأمنية، وكما اعتقل آخرون على خلفية المشاركة في المظاهرات، وتصويرها، ونقل الجرحى. وفي فترة حصار درعا في أبريل نيسان ومايو/أيار من العام الماضي عانى أبناء المخيمات ذات معاناة أبناء البلد باستثناء عدم استهداف المخيمات في شكل مباشر، وعدم اقتحامها.

وتختلف التقديرات لعدد القتلى والجرحى في صفوف الفلسطينيين، وتتراوح بين 250 و500  قتيل، وباجراء مقارنة لنسبة القتلى السوريين والفلسطينيين يتضح أن النسبة متقاربة أو تزيد قليلا، فالفلسطينيون يشكلون (2.5) في المئة من السكان في سوريا التي قتل فيها منذ بداية الأحداث عشرون ألف شخص. ويحذر مقيمون فلسطينيون في سورية من "ازدياد هذه النسبة مع وصول الأحداث إلى قلب المخيمات الفلسطينية خصوصاً في درعا الذي يقصف يومياً منذ حوالي الشهر، ودمشق وبالتحديد في مخيم اليرموك الذي يعتبر أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينين على الإطلاق".

طارق حمود الخبير في شؤوون اللاجئين الفلسطينيين أشار في اتصال مع موقع روسيا اليوم إلى أن "اللاجئين الفلسطينيين في سورية ومنذ بداية الأحداث توحدوا على موقف الحياد المبدئي الذي لاينكر فضل أحد ولا ينسى عشرة أحد، وبالعموم فإن الموقف الفلسطيني رسمياً وشعبياً سار على حبل مشدود تجاه الأحداث في سورية، وكانت التجارب الفلسطينية المريرة التي مرّ بها شعبنا عبر الأزمات العربية سابقاً في العراق والخليج ولبنان والأردن ثقيلة الظل بذكراها وتبعاتها وهو ما جعل منها إلى حد ما معياراً للموقف العام".

ولفت حمود إلى أن "الفلسطينيين اللاجئين كانوا حاضرين في مشهد الأحداث منذ البداية التي انطلقت منها في درعا حين اتهمت إحدى الصحف اليومية شبه الرسمية أهالي مخيم درعا للاجئين بالأحداث هناك، ثم تبعها اتهام المستشارة الرئاسية بثينة شعبان للفلسطينيين في مخيم الرمل في اللاذقية بما حصل هناك، ولكن هذه الرواية تهاوت بسرعة مع اجتياح المظاهرات لمختلف المناطق السورية والتي لا يوجد في بعضها أي فلسطيني".

وأوضح  الباحث الفلسطيني في شؤون اللاجئين الذي انتقل إلى اسطنبول للاقامة فيها حديثاً أنه "بحكم وجود المخيمات الفلسطينية في قلب المدن الرئيسية وبحكم التشريعات التي منحت الفلسطيني في سورية حقوقا وواجبات كالمواطن السوري فإن اندماج وتداخل الفلسطيني في النسيج الاجتماعي السوري كان أكثر بكثير مما هو عليه الوضع في لبنان أو الأردن مثلاً من الدول المضيفة، وهذا ما فرض على اللاجئين وجودا طبيعيا في كثير من الأحيان في خضم الأحداث فجزء منه جغرافي وآخر اجتماعي، أما المدلول السياسي لواقع اللاجئ الفلسطيني في ظل الثورة السورية فهو أقرب للموقف المحايد الذي تبنته غالبية الفصائل مع بداية الأحداث والتف حوله غالبية القاعدة الشعبية".

الحياد المبدئي على أرض الواقع...
شدد بيان للفصائل الفلسطينية عقب الأحداث في مخيم اليرموك على ضرورة تحييد المخيمات عن الصراع الدائر، وتجنيبها مآسي الاقتتال الداخلي والحفاظ على المخيمات الفلسطينية كمركز للإغاثة الطبية والإنسانية. وناشد أبناء الشعب الفلسطيني "التمسك بعهدنا لشهداء شعبنا أن نظل على الطريق الذي قضوا في سبيله، أن كل الجهد الفلسطيني سوف يبقى موجهاً نحو معركتنا القاسية التي نخوضها في مواجهة المشروع الصهيوني نحو فلسطين حرة مستقلة، ونحو عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها عام 1948 وإننا لن نسمح في المجال لأحد أن يحرفنا عن هذا الطريق، وأن يبدد جهودنا وطاقاتنا ودماء شبابنا على أية دروب أخرى تحت أي ذرائع أو عناوين".

واعتبر البيان أن الاعتراف بالامتنان والتقدير للشعب السوري يعبر عنه بـ" الوفاء بألمنا الشديد لما تمر به سورية الشقيقة، وأملنا الكبير أن تخرج من هذه الأزمة بأسرع وقت ممكن، وتأكيدنا أن مستقبل سورية ومسارها إنما يتقرر على يد أبنائها وانه لا يحق لأحد أن يتدخل في شؤونها.... إن فصائل المقاومة الفلسطينية في سورية التي تحتفظ بكل الشكر والتقدير لكل من قدم عوناً وتضامناً ودماً مع نضال شعبنا الفلسطيني لانتزاع حقوقه الوطنية، تدعو كل من تعز عليه قضية فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني إلى احترام امن وسلامة الشعب الفلسطيني ومخيماته، وأن يتجنب تعريضها لأي مخاطر، وعدم زج مخيم اليرموك والمخيمات الأخرى بالحالة الداخلية لسورية".

مصادر مطلعة شاركت في صوغ البيان قالت لموقع "روسيا اليوم" إن الجهود الفلسطينية في الآونة الأخيرة انصبت "لمنع انجذاب أبناء المخيمات إلى واحد من تيارين، الأول يسعى إلى دعم النظام بوضوح، والثاني يتجه إلى دعم المعارضة والجيش الحر"، وأكد المصدر أن الجميع توافق في النهاية على "ضرورة منع المخيمات من الانزلاق في الوضع القائم، وأن بوصلة المخيمات يجب أن تبقى فلسطين، حتى العودة إليها، وأن مشاركة الفلسطينيين في الفترة المقبلة يجب أن تقتصر على تقديم العون والإغاثة للسوريين الذين قصدوا المخيم طلبا للأمن".

ناشط في مجال حقوق اللاجئين الفلسطينيين رفض الكشف عن اسمه أشار في اتصال مع موقع "روسيا اليوم" إلى أن "لجانا كثيرة شُكلت في المخيمات وتهتم أساسا بتقديم الخدمات الانسانية والطبية اللازمة لايواء النازحين السوريين من مناطق أخرى إلى المخيمات" وذكر أن ألوف السوريين " نزحوا إلى مخيم اليرموك من المناطق المحاذية في التضامن والحجر الأسود وغيرها، أغلبهم من السوريين". وأكد الناشط في مجال حقوق اللاجئين أن "اللجان الشعبية تنسق مع الهلال والصليب الأحمر لاغاثة النازحين"، وأشار إلى أن "مخيم خان الشيح غربي دمشق استضاف نحو 5 آلاف نازح، أكثر من ثلثيهم من السوريين، وأن سكان المخيم تقاسموا معهم المنازل والطعام... والحال ينطبق على مخيم جرمانا الصغير الذي استقبل نحو 5 آلاف نازح من الحجيرة والحسينية، لكن الفرق أن الأغلبية من الفلسطينيين". وأكد ناشط آخر في الدفاع عن حق اللاجئين لموقع "روسيا اليوم" أن "سكان مخيم خان دنون الفقير جدا جنوبي العاصمة دمشق استضافوا نحو 5 آلاف سوري، وأن بعض السكان أفرغ بيوته لاخوانهم السوريين، وبادر كثيرون إلى تزويد المدارس بما تحتاجه لتأمين نوم وطعام النازحين".

حمود أشار في الحديث مع موقع "روسيا اليوم" إلى أن "الحذر كان سيد الموقف لدى الفصائل المؤثرة فتح وحماس، وهو ما انعكس على وسائل الإعلام الفلسطينية التي تجاهلت الحدث السوري من أجل عدم الدخول في متاهات التداخل الفلسطيني السوري هناك". وأوضح أن التغيرات الحالية جعلت الفلسطينيين في قلب الحدث تماماً وأن "المخيمات تحاول إدارة نفسها من المشهد بطريقة تجنبها تبعات ثقيلة كالتي في ذاكرتها، ولهذا كان الدور الإنساني للمخيمات الفلسطينية مرضياً للشارع الفلسطيني والسوري معاً، فهي من جهة مبدئية تحاكي عاطفته تجاه الشعب السوري وتحقق حاجة ملحة لدى الأخير، ومن جهة أخرى فإنها ضالة كل من يتعاطف مع الثورة في سورية" واختتم حمود حديثه بالإشارة إلى أن "هناك قناعة تمثل رأياً عاماً في المخيمات تؤكد على أن الدور الإنساني للمخيمات ضرورة وحاجة للشعب السوري في ظل فقدان الأمن والاستقرار في أغلب المناطق، مع ضرورة تجنيب المخيمات الفلسطينية تبعات العسكرة التي يمكن أن تقود المخيمات إلى صراع داخلي بسبب تراكمات تاريخية داخله".

ويتقاطع رأي حمود الأخير مع ما قاله أبو هاني وهو ناشط في شؤون اللاجئين قال لموقع "روسيا اليوم" من دمشق إن "المطلوب هو تخفيف التصريحات الرنانة وأن يتم التركيز على إغاثة النازحين السوريين في المخيمات، وعدم جواز استخدام السلاح بأي شكل من الأشكال في المخيمات" وأضاف " إننا نشهد حالة من التكافل والتضامن واللحمة الشعبية الفلسطينية السورية لم نشهدها منذ عقود".

هل انخرط الفلسطينيون في الثورة ضد النظام...
لا تصلح الإجابة بنعم أو لا عن هذا السؤال في ظل انتشار الفلسطينيين الواسع في سورية، كما لا يمكن التعامل مع الفلسطينيين الذين تماهوا مع المجتمع السوري ككتلة واحدة.

أحد أعضاء تنسيقية اليرموك قال لموقعنا إن "70 في المئة من الفلسطينيين ضد الحياد ويؤيدون ثورة الشعب السوري، لأنهم جزء من سورية، وهم فلسطينيون سوريون وليسوا لاجئين"، فيما يؤكد أنور رجا أن  المسلحين الداعمين للثورة السورية "لا يمثلون نسبة تذكر وهم أفراد محدودون وغير ظاهرين عملياً... ولايوجد عمليا مسلحون في داخل المخيم، والقصف استهدف مناطق محيطة بالمخيم للتصدي للعصابات المسلحة في الحجر والتضامن وغيرها"، وأشار إلى أن القوات السورية "لم تستهدف المخيم مطلقاً".

فلسطين في قلب سورية ماضيا وحاضرا ومستقبلا...
ربما شاءت الأقدار أن يكون الفلسطينيون في قلب معركة كانوا يفضلون أن تتجه إلى العدو الإسرائيلي، وألا تكون بين أطراف سورية متنازعة. وبين فريق يدعم النظام بقوة وآخر يقول إن الطريق إلى القدس يمر عبر إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، يقضي فلسطينيو سورية أوقاتا صعبة، ويخشى معظمهم من مخاطر تدمير قدرة سورية التي لم يبخل شعبها في يوم من الأيام بتقديم التضحيات والشهداء من أجل فلسطين من الشيخ المقاوم عزالدين القسام، ومحمد سعيد العاص، وفوزي القاوقجي قائد جيش الإنقاذ السوري، إلى المشاركين في العمليات الفدائية ضد إسرائيل، وشهداء حرب تشرين 1973.

وعلى كثرة الانتقادات والتهديدات التي يطلقها المغالون من الطرفين فإن من الصعب تصور سيناريوهات اقصائية للفلسطينيين بما تمثله قضيتهم من جرح نازف لكل أبناء المجتمع السوري، والمؤكد أنه لا توجد مشكلة فلسطينيين في المجتمع السوري حاضرا ومستقبلا، فالشعب السوري احتضن الفلسطينيين قبل 65 عاما، واختلطت الأنساب والعادات والتقاليد. ومن الطبيعي أن يكون للفلسطيني موقفه من الأحداث، ومن المؤكد أنه سوف يعبر مع السوريين إلى ذات المستقبل حتى العودة إلى بلده، وربما أبعد من ذلك. لكن القرار الأول والأخير يجب أن يكون للسوريين في تقرير مصير سورية التي لا يمكن إلا أن ينبض قلبها وينشغل عقلها بفلسطين، وسوف يواصل تلاميذ سورية ترديد كلمات الشاعر السوري الكبير سليمان العيسى: فلسطين داري ودرب انتصاري تظل بلادي... لأنها كلمات تعبر عما في داخل كل الشعب السوري.

سامر الياس- موقع روسيا اليوم

  

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018