من جبل الزاوية إلى ألمانيا.. الموت في كل خطوة

من جبل الزاوية إلى ألمانيا.. الموت في كل خطوة
مخيم للاجئين في أحد مباني برلين

"هل كل شيء على ما يرام؟ هل تحتاجون لشيء؟" قال علي مبتسما بالألمانية والإنكليزية، حتى يستطيع عشرات المتطوعين في مخيم اللاجئين فهم ما يقول، ظنناه في البداية أحد المتطوعين في مخيم اللاجئين في منطقة فيربرلينر بلاتس في العاصمة الألمانية برلين، لكن بعد الحديث معه علمت أنه أحد اللاجئين السوريين الذي ترك سوريا مع عائلته قبل نحو 3 سنوات بسبب آلة الحرب والدمار التي فتكت بمسقط رأسه في جبل الزاوية، وأنه لا يسكن المخيم وإنما جاء ليساعد أبناء شعبه بكل ما يحتاجونه.

روى علي أنه "طوال أسبوعين حققت معنا السلطات اليونانية، وتوالت أسئلتها وتكررت عن المهربين والبحارة والسفينة وأسمائهم وأشكالهم. وكلما أجاب أحد أنه لا يعلم، كان ينهال عليه المحققون بلغتهم العربية الركيكة بأقذر الألفاظ والشتائم، حتى أن أحد المحققين قال لأحد الرجال الذين كانوا معنا على متن القارب اذهب ومت في بلدك كالكلب، لا تنقصنا حيوانات نعيلها هنا وتعبث بأمننا".

"كان الوضع في اليونان مأساويا، بقينا أكثر أسبوعين بذات الثياب ووجبة طعام واحدة كل يوم، ولكن الأكثر صعوبة كان حال الأطفال الذين لم يتجاوزوا الصدمة والرعب بعد، حتى تقرر ترحيلنا إلى السويد".

ويواصل علي قصته "عند وصولنا إلى السويد حلت علينا الطمأنينة بسبب ما سمعته عن استقبال السويد للاجئين وما إلى ذلك، خاصة بعدما حصلت على أول حمام بمياه ساخنة وطعام بعد نحو شهر من ترك البيت، وبعد يومين قدمت وعائلتي كل أوراق اللجوء ونفذنا جميع الإجراءات، وبقينا في مخيم هناك نحو 3 شهور، لا نفعل شيئا سوى انتظار الإقامة والإذن بالعمل والسكن، لكن الجواب جاء سلبا، رفضت السويد منحنا الإقامة، ومن هناك انتقلنا إلى مدينة هامبورغ الألمانية.

"في هامبورغ وضعونا في أحد المخيمات، وبعد أن جهزنا أوراقنا وشرعنا بإجراءات الإقامة، قام طاقم من المتطوعين بتعليمنا اللغة الألمانية، بالإضافة إلى لاجئين آخرين، لنتمكن من الالتحاق بالمدرسة الثانوية،  وبعد نحو 6 أشهر في هامبورغ انتقلنا إلى برلين والتحقت بثانوية على نفقة الدولة، ظننتها ثانوية ألمانية عادية من تلك التي كنت احلم بها، لكنني فوجئت بعدم وجود طالب ألماني واحد فيها، وجميع زملائي كانوا مهاجرين ولاجئين من دول مختلفة، ومعظمهم كانوا عراقيين وأفغان وباكستانيين. أنهيت دراستي الثانوية هناك، وأنا على وشك البدء بالسنة التحضيرية للجامعة، وهي مفروضة علي ويجب أن أنجح بها حتى أستطيع الالتحاق بالجامعة العام القادم".

وعند سؤالي عن تواجده في المخيم حيث التقينا، قال: "آتي إلى هنا نهاية كل أسبوع حتى أساعد أبناء شعبي بكل ما يحتاجونه، ولولا وجوب الدراسة لأتيت كل يوم".

وعن الحياة في ألمانيا، قال: "صحيح أن ألمانيا آمنة وجميلة، لكن صدقني لا تضاهي سوريا ولا شيء يضاهي جبل الزاوية، أريد أن أتعلم هنا في الجامعة ومن المجتمع والناس، حتى أعود إلى وطني عندما تنتهي الحرب لأشارك في إعماره واستعادته لمجده وجماله ومكانته".

 ينحدر علي من جبل الزاوية، ويبلغ من العمر اليوم 19 ربيعا، ويروي بحسرة وألم قصة خروجه وعائلته من سوريا وصولا إلى ألمانيا التي استغرقت 5 شهور ذاقوا فيها طعم الموت والذل مرارا، ومروا خلالها بتركيا واليونان والسويد وصولا إلى ألمانيا.

وعن القرار بترك جبل الزاوية قال علي إن "القرار لم يكن سهلا، واستغرق اتخاذه الكثير من الوقت، لكننا حسمنا أمرنا عندما اشتد قصف طيران النظام على جبل الزاوية، وارتكابه العديد من المجازر هناك، واستخدامه الصواريخ والبراميل وأحيانا الغازات، وعلى مدار أيام رهيبة توالى سقوط قذائف غير معروفة المصدر، منهم من قال إنها من فصائل المعارضة، وآخرون قالوا إنها تتبع للنظام وفرق الشبيحة المقاتلة معه، وفي ليلة هادئة نسبيا، حملنا ما استطعنا من لباس وأغطية واتجهنا إلى الحدود السورية التركية".

وتابع علي: "خلال 4 أيام مررنا بعدد كبير من الحواجز العسكرية التي تتبع لمختلف التنظيمات المقاتلة، والحمد لله أن وحوش داعش لم يكن لهم وجود في سوريا حينها، ومعظم هذه الحواجز كانت تتبع النظام وبأسف شديد أقول أن اسم علي ساعدنا كثيرا في المرور. وعند وصولنا إلى الحدود استعنا بمهرب كردي يحفظ المنطقة لإدخالنا إلى تركيا، وجمعنا هو بسوريين آخرين، وشكلنا مجموعة من نحو 25 شخصا، ودفعنا له ما يقارب 250 يورو للشخص، وهذا المبلغ يعد زهيدا جدا للمبالغ التي تدفع اليوم، واستطعنا دخول تركيا تحت جنح الظلام".

وعن المحطة التالية قال علي "في تركيا رافقنا مهرب آخر ليوصلنا إلى اليونان، وبلغت تكلفته 1800 يورو (اليوم تكلف بين 6000 و20000 يورو)، وكنا ننوي التوجه إلى مدينة مالمو في السويد بمجرد وصولنا اليونان، وظننا أنه عند وصولنا اليونان التي تعتبر عضوا في الاتحاد الأوروبي سيكون طريقنا سهلا، لكننا أخطأنا، مع أن المرحلة بين الحدود السورية التركية والشواطئ اليونانية كانت الأصعب. مكثنا في تركيا 6 أيام ننتقل من مكان لآخل حتى وصلنا ميناء لا أعرفه، وهناك استلمنا بحارة سفينة بضائع خبأونا فيها، ورفض قائدها أن نحمل أي متاع بحجة أنها ستعرقلنا ولا مكان لها، والسفينة مجهزة بكل شيء، لكن هذا كله كان كاذبا، فلا تجهيزات ولا أي شيء، بقينا في العراء طول الوقت".

لم يستطع علي ولم يحاول إخفاء خوفه أو تأثره عندما روى تفاصيل الرحلة. وقال لي إنهم بعد أن هبط الظلام بفترة جاء إليهم أحد البحارة وأعطاهم تعليمات حول ما سيفعلونه، وطلب منهم ركوب قارب النجاة المطاطي، وأنه سيبلغ خفر السواحل بوجود القارب، وأنه عند اقتراب خفر السواحل إليهم يجب عليهم ثقب القارب.

"كان الصعود على متن القارب المطاطي بداية رحلة الرعب الحقيقية، لم يكن معنا شيء سوى بضع سترات نجاة ألبسناها للأطفال والنساء، وزاد البرد والظلام وارتطام الأمواج بالقارب من حالة الرعب والهلع، وكذلك الخوف من المجهول، وتزاحمت في الرؤوس أسئلة حول صدق البحار، وما إذا كان حقا هناك من سيأتي لإنقاذنا، وهل سيعثر على جثثنا أم سنموت كمجهولين دون أن يدري أقاربنا، ويبتلعنا البحر. وانتقلت الأسئلة من العقول إلى الألسنة، وبدأت حالة النحيب والعويل، وبدأ البعض بتلاوة القرآن والنطق بالشهادتين بانتظار موتهم. أقسم لك أن الدقائق مرت كسنوات، وكلما ظننت أن عيني قد تعبتا من البكاء تجتاحني نوبة أخرى، كان الظلام وصوت الموج يثير الرعب أكثر من بكاء الأطفال وصراخهم، وبدأ الفجر يتسلل رويدا رويدا، لكنه لم يمنحنا أي طمأنينة أول أمل، وبعد فترة لست أدري طولها لكنها مرت علينا كدهر لاحت عدة مراكب تقترب منا، وعندها بدأ النقاش عن توقيت ثقب القارب المطاطي، وعند اقتراب المراكب نفذ ذلك أحد الركاب. عندما كنت في البحر كانت أكثر لحظاتي حياتي رعبا، ولم أصدق أني نجوت وعائلتي عندما انتشلنا خفر السواحل من الماء".

وعندما سألت علي عن ضرورة ثقب القارب مع أن البقاء فيه أكثر أمنا، قال إنهم علموا فيما بعد أن ذاك الشخص عضو في شبكة التهريب، وأنه قام بثقب القارب حيث يوجد شعار السفينة التي كانوا على متنها، وذلك كي لا تكتشف السلطات من الذي يقوم بعمليات التهريب.

وينهي علي رواية الأحداث المأساوية قائلا إنهم ومع وصولهم إلى الشاطئ علموا أن أحد الشباب لم يستطع النجاة، وتم انتشال جثته من البحر.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018