صدام الجمل: من الثورة إلى الثأر

صدام الجمل: من الثورة إلى الثأر

تعكس قصة الشاب السوري، صدام الجمل، مأساة الثورة السورية التي انطلقت بمظاهرات سلمية تطالب بإصلاحات ومعاقبة رجال أمن اقترفوا جرائم ضد متظاهرين مدنيين، وصولا إلى سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) على مساحات واسعة من الأراضي السورية.

وترددت أنباء في مواقع إخبارية، مطلع الشهر الجاري، عن إصدار محكمة عراقية حكمًا بالإعدام على صدام الجمل، أو "أبو رقية الأنصاري" كما كانت كنيته في تنظيم الدولة، وذلك لتورطه في جريمة حرق الطيار الأردني، معاذ الكساسبة، كون طائرته سقطت في المنطقة التي كان الجمل مسؤولا أمنيا فيها.

لكن، ما قصة هذا الشاب السوري، واسمه الأصلي صدام الرخيته، الذي شارك في بداية عام 2011 في مظاهرات مدينة البوكمال السلمية التي طالبت بإصلاح النظام السوري، والذي واجهها بالحديد والنار وقتل ستة من أبناء المدينة في مراحل المظاهرات الأولى، قبل أن تنزلق المظاهرات السلمية إلى المواجهة المسلحة، قاد بعضها الجمل؟

عمل صدام الجمل، وهو من مواليد 1978، في تهريب السجائر والمواشي من العراق إلى سورية حتى العام 2011، حسب شهادته، وهو ابن لعائلة من 9 أشخاص. عمل والده أيضًا من قبل بالتهريب، وينتمي إلى عشيرة النعيمات التي تمتد في المنطقة الحدودية السورية – العراقية، ولكنته عراقية، ويقول في مقابلة مصورة معه إن البوكمال أقرب إلى العراق منها إلى سورية، وجده كان عراقيا.

كيف انتقل من مفاوض لمنع التصعيد إلى عسكري؟

ورغم صغر سنه إبان الثورة، تمكن الجمل من فرض حضوره في البوكمال، وبات شخصية معروفة في المدينة، كونه ينتمي إلى عشيرة تشكل أغلبية من سكان المدينة، وبسبب عمله بالتهريب الذي منحه إمكانيات اقتصادية في المدينة والمنطقة، وصار لاحقا "قائدا ثوريا" للمدينة وشكل لواء اسمه "الله أكبر" انضوى تحت ألوية "أحفاد الرسول" التابع للجيش الحر، رغم أن الجمل لا يتبنى عقيدة دينية أو ثقافة شرعية، بل يصفه الباحث السوري حمزة المصطفى في دراسة نشرت نهاية العام الماضي بأنه "كان مدعومًا بقوة من هيئة الأركان والمجالس العسكرية ضمن الجيش الحر، ويرجع ذلك إلى أنه شخص بسيط، غير مؤدلج، ولا ينتمي إلى أي تيار، ويتبعه عدد كبير من المقاتلين".

وبعد مقتل 6 متظاهرين في الاحتجاجات بنيران أمن النظام، خاض الجمل وآخرون مفاوضات مع مندوبي النظام لمنع التصعيد، بحسب شهادته، ونقل مطلب أهالي المدينة بمحاكمة القتلة، لكن النظام تعنت ورفض مطلب الأهالي كلية، وصعّد القمع ضدهم، وصولا إلى اقتحام الجيش للمدينة بعد مواجهات مسلحة محدودة منتصف آب/ أغسطس 2011. ويروي الجمل أن الأهالي واجهوا قوات النظام بالسلاح الخفيف المتوفر في كثير من بيوت المدينة، ولم يتمكنوا من الصمود بوجه قصف قوات النظام، فقرر المسلحون بقيادة الجمل الانسحاب من المدينة إلى قرى مجاورة، وبعد عدة شهور، مطلع العام 2012 تقريبا، شن الجمل مع بضع عشرات من المسلحين هجوما مضادا، وتمكنوا من السيطرة على حواجز للجيش، الذي انسحب أفراده من دون قتال، حتى تمكن الجمل من بسط سيطرته المسلحة على أجزاء واسعة من المدينة، وصولا إلى انضوائه تحت راية الجيش السوري الحر، ومشاركته بلقاء أنطاليا الشهير الذي جمع المئات من أعضاء الجيش الحر، وصار عضوا في قيادة أركانه، على الرغم من انعدام خبرته العسكرية المهنية او انتمائه إلى لواء منشق عن جيش النظام.

ويؤكد الجمل أكثر من مرة في مقابلات مصورة معه بعد اعتقاله العام الماضي، أن الدافع للتحرك ضد النظام كان إصلاحيا، وأبعد ما يكون عن الطائفية أو الدين، وأن العديد من المنشقين عن جيش النظام كانوا من العلويين، الذين رفضوا استخدام النظام للعنف المفرط ضد المتظاهرين السلميين.

ويروي الجمل أنه طيلة هذه الفترة لم يشعر السكان في مدينة البوكمال أو محافظة دير الزور، بأي حضور لعناصر "القاعدة" أو "داعش" الذي لم يكن يحمل هذا الاسم رسميا، واعتبر أن هذه التنظيمات بعيدة عن ثقافة أهل المنطقة، ولا أرضية خصبة أو حاضنة لها بين شبان البوكمال أو دير الزور أو ما يعرف شرق الفرات. وقد شارك الجمل بوفد الجيش الحر الذي زار عدة دول عربية بعد مؤتمر أنطاليا، ويلفت إلى أن أيا من الدول التي زارها الوفد لم يحذر الجيش الحر من التنظيمات الإرهابية مثل "جبهة النصرة" أو "داعش".

المواجهة مع "النصرة"

لكن بعد فترة قصيرة من سيطرته على البوكمال، بدأت ملامح المواجهة مع "النصرة" تظهر في الميدان، حسب الجمل، فقد قتل عناصر التنظيم، بدايةً، اثنين من أشقائه دون أن يتبنى ذلك علنا، واستطاع الجمل من خلال علاقاته الوصول إلى عناوين أشخاص من أهل المنطقة المرتبطين بـ"القاعدة" أو "النصرة"، والتقى بهم للتحقيق في هوية قتلة شقيقيه. ويؤكد في المقابلات أن الأشخاص الذين التقاهم أقسموا على القرآن بأن لا علاقة لهم بالقتل، وأن تنظيما آخر يتحمل المسؤولية.

يصف المصطفى الجمل بهذه الكلمات: "عُرف صدام الجمل بسلوكه السيئ تجاه الأهالي. وفي الوقت ذاته، اشتهر بشجاعته وبأسه في قتال قوات النظام بعد تحوّل الثورة إلى العمل المسلح... كانت جبهة ’النصرة’ وغيرها من الفصائل السلفية، تنظر بعين الريبة إلى لواء ’أحفاد الرسول’ بسبب الدعم العسكري والمادي الذي كان يتلقّاه من هيئة الأركان المشتركة، وراحت تنتظر فرصة سانحة للقضاء عليه".

بيعة "داعش"

وفي هذه الفترة خاضت "النصرة" مع "أحرار الشام" وبعض قوات الجيش الحر والعشائر مواجهة عنيفة ضد تنظيم الدولة أو "داعش"، تمكنت خلالها من إخلاء معظم محافظة دير الزور من عناصر التنظيم، وشعرت "النصرة" بنشوة الانتصار. وكتب المصطفى أنه "وبعد خروجها منتصرة في الجولة الأولى من الصراع المسلح ضد تنظيم الدولة في دير الزور، اتهمت النصرة صدام الجمل بالتواطؤ مع تنظيم الدولة ضدها، فاقتحم مقاتلوها مقرّه في البوكمال من دون أن ينجحوا في اعتقاله، فقتلوا أخاه الأصغر، وفجروا منزله أمام أعين الناس جميعا. ولم تمض أسابيع حتى ظهر الجمل في تسجيل مصور يعلن مع عدد من عناصره في ’لواء الله أكبر’ بيعته لتنظيم الدولة الإسلامية".

وهذه المعلومات يؤكدها الجمل نفسه في مقابلة مصورة بعد اعتقاله. استمرت "جبهة النصرة" باستهداف رجال الجمل والتنظيمات الأخرى، وحاولت استهدافه شخصيا من خلال إرسال انتحاريين اثنين إلى مقره، لكن المحاولة فشلت. وتؤكد رواية الجمل ما ذكرته دراسات عديدة بأن التنظيمات الإرهابية استهدفت قيادات في الثورة في مناطق مختلفة، واعتبرتها منافسة لها أو مرتبطة بالخارج هدفها محاربة "الجهاديين"، وأن هدفها إقامة دولة مدنية ديمقراطية وليس دولة إسلامية أو دولة شريعة.

ويذكر الجمل أن زعيم "داعش"، أبو بكر البغدادي، دفع بخلاياه إلى المنطقة تحت مسمى "جبهة النصرة" التي يقودها السوري، أبو محمد الجولاني، وهو من مواليد العام 1981 في دير الزور، وتنحدر عائلته من محافظة إدلب.

ويلفت الجمل، إلى أن البغدادي دفع بهذه القوات تحت مسمى "جبهة النصرة" لتمييزها عن "القاعدة" أو تنظيمه في العراق، حتى لا تثير انتباه أطراف دولية. وكما هو معلوم، بايع الجولاني البغدادي لينشق عنه لاحقا، وطالب الظواهري أن يحكم بينهما دون جدوى. ويشير هنا الجمل إلى أن قيادة "داعش" اقتصرت في معظمها على عراقيين بعد الانشقاق لعدم الثقة بقيادة من سورية، أي حصل شقاق سوري – عراقي داخل التنظيم نفسه، والخلافات أسبابها عديدة يطول ذكرها هنا.

مغادرة البوكمال

دفعت رغبة الجمل الكشف عن قتلة شقيقيه، كما يروي هو، الالتقاء بقائد محلي من "داعش" في قرية قريبة دون حراسة أو مرافقين سوى وسيط واحد من أخواله، ما مكن من اعتقاله لدى عناصر التنظيم لمدة طالت عن الشهر بحجة تعاونه مع الغرب على محاربة "الجهاديين"، حسب شهاداته، وطالبوا أهله بتسليم نصف أسلحتهم مقابل تحرير ابنهم، ونشروا فيديو مصورا له يبايع فيه التنظيم. وحررت العائلة ابنها مقابل تسليم نصف أسلحتها، ليتمكن الجمل من العودة إلى البوكمال، لكن سرعان ما قتل شقيق ثالث له، تبيّن له لاحقا أن "النصرة" هم القتلة على الرغم من مشاركتهم في بيت العزاء، وأنهم كانوا ينوون تفجير بيت العزاء بسيارة مفخخة بزعم أن الجمل صار متعاونا مع "داعش"، ما دفعه وعائلته إلى مغادرة المدينة متوجها إلى إحدى القرى القريبة، لكن محاولة استهدافه استمرت حتى وصل به الأمر إلى الهرب إلى بلدة "جديدة" التي يحكمها تنظيم الدولة وطلب الحماية منهم. وكانت "النصرة" و"داعش" قد افترقت طريقهما واندلعت بينهما معارك شديدة كانت الغلبة فيها لـ"النصرة" في المنطقة، التي تمكنت من إقامة تحالفت مع العشائر التي كانت تخشى "داعش"، وأبرزها عشيرة "الشعيطات" التي قتل وذبح مئات الشبان منها، وقد سمى مصطفى هذه الفصل الذي تناول المعركة في كتابه بـ"دير الزور: معركة النفط والعشائر والمعابر"، إذ خسر "داعش" مصادر تمويله في المنطقة هذه المعروفة بتعدد مصادر النفط فيها.

ويقول المصطفى إنه "باختصار، كانت رغبة الجمل في الانتقام من جبهة النصرة هي الدافع الرئيس لانضمامه إلى تنظيم الدولة. في المقابل، توافرت لعناصر تنظيم الدولة نزعة انتقامية عارمة ضد النصرة والفصائل الأخرى، بعد خسارتهم دير الزور... وأفقدتهم حقول النفط وهي أهم مواردهم المالية". لذا يشير المصطفى إلى أن "هذا ما يفسر قبول التنظيم ’بيعة’ الجمل مع أنهم وصفوه سابقًا بـ’المرتد’ و’العميل’ و’قائد الصحوات’".

لاحقا، كلف تنظيم الدولة الجمل بإعداد خطة مباغتة لاستعادة سيطرته في البوكمال ودير الزور عموما، ويوم 11 نيسان/ أبريل 2014، تمكن الجمل وتنظيم الدولة من استعادة السيطرة على البوكمال، ويلفت المصطفى إلى أن الجمل اقتحم مقر الهيئة الشرعية التابعة لـ"النصرة" في البوكمال وقتل من فيه من شرعيين وعناصر. لكن سرعان ما خسر التنظيم البلدة بعد شن عدة أطراف مسلحة منها الجيش الحر و"النصرة" والعشائر هجوما مضادا، وبدأت تظهر ملامح انحساره في سورية عمومًا.

ثأر لـ"داعش" يعزّزه ثأر شخصي

لكن تمكن "داعش" من احتلال مدينة الموصل بسهولة لم يتوقعها التنظيم يوم 10 حزيران/ يونيو 2014، كما روى الجمل، أعاد النشوة في صفوف التنظيم في سورية أيضًا، وقرر إعادة محاولة احتلال دير الزور مجددا بدءًا من الريف وصولا إلى مدينة البوكمال، حتى بات مسيطرا بشكل كامل على المنطقة، واستبدل اسم المحافظة من دير الزور إلى "ولاية الخير" في العام 2014 و2015.

التقت الرغبة بالثأر لدى الجمل من "النصرة" التي قتلت 3 من 4 أشقاء له قتلوا خلال هذه الفترة، برغبة تنظيم الدولة بالثأر من "النصرة" التي طردتها من المنطقة الغنية بالنفط في دير الزور. ويروي الجمل أن النظام كان خارج المعادلة لأنه كان منهارا عسكريا حتى التدخل الروسي في العام 2016.

كيف استقطب "داعش" قيادات لا علاقة لها بالسلفية أصلا؟

المهم في قصة صدام الجمل، بأنها حالة تعكس حالات كثيرة ومتعددة استطاع فيها "داعش" وغيره استقطاب عناصر وقيادات لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بعقيدته السلفية والجهادية، وأن سعي هذه التنظيمات الإرهابية للسيطرة على تمرد السوريين ضد قمع النظام، جعلها تستهدف قيادات ميدانية في العام الأول من الثورة السورية، ما دفع المستهدفين إلى الثأر. فإذا بدأ تسليح الثورة في البداية عفويا وبأسلحة خفيفة لصد عنف النظام أو الثأر من جرائمه بحق مدنيين، فإنه سرعان ما تحول إلى حرب داخلية غذتها التنظيمات الإرهابية التي سعت إلى ضرب الثورة، التي رأت أنها تسعى لإقامة دولة مدنية على غرار الدول الغربية.

اعتقل الجمل أواسط العام الماضي بعملية نوعية للمخابرات التركية والأميركية، التي تمكنت من استدراجه مع 4 آخرين من قيادة "داعش" في المنطقة، إلى منطقة حدودية في العراق، ثم اعتقلته وسلمته للمخابرات العراقية، التي تنسب للجمل عدة جرائم جماعية.

لكن متابعة مقابلات الجمل المصورة، تؤكد أن الرجل أبعد ما يكون عن الدين، ويعلن صراحة بأنه رفض تعلم الشريعة في ظل حكم التنظيم في دير الزور، ويحفظ فقط بعض الآيات القصيرة من القرآن، ويكشف عن خلافات داخل التنظيم في سورية والعراق، وأن سلوك التنظيم الفاسد أثار الأهالي في المنطقة التي سيطر عليها، خلافا للصورة التي يحاول أن يرسمها عن نفسه، بأنه يقيم الشريعة ويحارب المفاسد.

يذكر مصطفى في دراسته، اسم عامر الرفدان، وهو منشق عن "النصرة" أصبح لاحقا قائدا عسكريا في "داعش". يصفه مصطفى استنادا إلى شهادات مقربين من الرفدان: "ينحدر... من قرية جديد عكيدات. كان يسكن مدينة دير الزور قبل الثورة السورية... يُعرف عن الرفدان أنه غير متعلم، وغير ملتزم دينيًّا، وكان يعمل في التهريب، ويُعرف أيضًا بأنه قليل الكلام، يتمتع بكاريزما المقاتل، وبشراسته الشديدة في القتال... تدرج في المناصب داخل التنظيم... ثم رقّي ليصبح أميرًا لتنظيم الدولة في مدينة دير الزور، ليصبح في ما بعد واليًا على محافظة دير الزور بأكملها (ولاية الخير)...".

قصتا عامر الرفدان وصدام الجمل، من شأنهما أن تنفيا "النظريات"، الغربية تحديدا والعربية أيضًا، حول حقيقة "داعش" وأخواته من التنظيمات السلفية الجهادية. وهذه "النظريات" تعتبر ظاهرة "داعش" نتيجةً طبيعية للنصوص الإسلامية الدينية من جهة، ومن جهة ثانية تؤكد ضرورة استمرار الاستبداد في الدول العربية لأن البديل عنها هو تنظيمات سلفية جهادية مرعبة.

وقد استطاع عزمي بشارة في مؤلفه "تنظيم الدولة المكنى داعش"  (الجزء الأول) تفنيد مثل هذه الادعاءات الغربية التي تربط بين الإسلام والعنف أو الإرهاب، بسهولة نسبية. وسأتناول هذا العمل البحثي في مراجعة لاحقة الشهر المقبل.

لكن ما يهمنا هنا، أن حالات مثل صدام الجمل، وهي عديدة، لم تلتحق بـ"داعش" أو "النصرة" بسبب منشوراتها الدينية أو السعي إلى دولة الخلافة أو تأثرًا بدعايتها، وإنما "أمور أبسط" لكنها أعمق، لا يمكن حصرها فقط بفشل الدولة الوطنية العربية والشعور بالغبن والظلم وإلخ، وكلها صحيحة. فمثلا، لو سيطر على دير الزور تنظيم يساري أو يميني علماني مسلح لديه علاقات محلية وقدرات دعائية مثل "داعش"، هل كان سيتردد صدام الجمل في الالتحاق به؟ الأرجح أنه كان سيلتحق، لأنه، وللمفارقة، حوّلت هذه التنظيمات والنظام معًا، الحالة الثورية إلى حالة ثأرية، وعند الرغبة الشديدة بالثأر يستعد البعض التحالف مع الشيطان.

خلفيات الانضمام لـ"داعش" وتباينها عراقيًا وسوريًا

تظهر شهادة الجمل أن خلفيات الالتحاق بـ"داعش" في العراق مغايرة عن تلك في سورية. فالنظام العراقي بعد الاحتلال الأميركي طائفي جدًا، وهو ما وفر بيئة حاضنة لمثل هذه التنظيمات الإرهابية الطائفية خصوصا بين السنّة، في الموصل مثلا. إذ يكشف الجمل أن "داعش" بنى شركات وعلاقات في الموصل قبل اجتياحها بفترة، ما يعني أنه بنى شرعية لوجوده في المدينة قبل احتلالها.

لكن الوضع في سورية يختلف، إذ لفظ المجتمع السوري مثل هذه التنظيمات الطائفية، ولم تستطع طيلة السنوات الماضية من تأسيس شرعية لحكمها، وتبيّن أنها ضعيفة عسكريا، إذ تمكن التحالف الدولي بقيادة واشنطن من تدميرها بعمليات جوية وطردها من الأراضي التي احتلتها.

تلخص تجربة صدام الجمل المآل التي سارت فيها الثورة السورية: فشل الدولة (التهريب مجازًا)، احتجاج سلمي، قمع النظام ورفضه لحلول وسط، تسليح الثورة، محاربة التنظيمات الإرهابية للثوار وخلق صراعات داخلية تكون هي الطرف الأقوى فيها، تجنب محاربة النظام وترويع الأهالي وإخضاع التنظيمات المعارضة المسلحة مثل الجيش الحر، وصولا إلى الثأر بدل الثورة.

ينفي صدام الجمل أنه تولى منصبا رسميا في "داعش"، رغم أنه اشتهر بوصفه مسؤولا استخباريا في منطقة شرق الفرات في التنظيم، ويقول إنه كان على اختلاف مع التنظيم وإنهم رغبوا في قتله لكنهم تجنبوا ذلك بسبب مكانته في المنطقة، لكنه اعتقل عدة مرات. وعندما سأله المحاور عن صورة له تظهر فيها رؤوس مقطعة في الشارع، يقول الجمل إنه طلب التقاط هذه الصورة مع رؤوس عناصر من "النصرة" ثأرًا لأشقائه، وإن الرؤوس كانت في الشوارع قبل الصورة بأيام وأنها كانت متفحمة من الشمس.

يظهر الجمل في المقابلات المصورة على النقيض مما نحمله من تصور لعناصر "داعش". فهو ليس متزمتا دينيا أو "مهلوسا"، بل يظهر هادئا ويتحدث بتسلسل منطقي. لكن، تلخص قصة صدام الجمل قصة اختطاف الثورة السورية. 

 


* يمكن مراجعة دراستي حمزة المصطفى في الجزء الثاني من "تنظيم الدولة المكنّى ’داعش’"، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية