غضبًا من صمت أنقرة: آلاف السوريين حاولوا اقتحام الحدود التركية

غضبًا من صمت أنقرة: آلاف السوريين حاولوا اقتحام الحدود التركية
من مظاهرات الجمعة (الأناضول)

ينفعل منصور حامد وهو يتحدث معنا بالقرب من الحدود السورية التركية "تركيا تتحكم بالفصائل وهي سبب خساراتنا الأخيرة، لهذا عليها أن تفتح لنا الحدود"، تتشابه أقواله مع رأي الكثيرين في الشمال السوري، الذي شهد أول عملية اقتحام لمعبر حدودي بين البلدين، من قبل مدنيين سوريين غاضبين، يتابع حامد بانفعال شديد "لا نريد سوتشي ولا أستانا، لقد باعنا إردوغان هناك".


اقتحم مئات المدنيين السوريين، أمس، الجمعة، الجانب السوري من معبر باب الهوى الذي يصل إدلب السورية بولاية "هاتاي" التركية، متجاوزين نقطة التفتيش، قبل أن يطلق حرس الحدود التركي الغاز المسيل للدموع لتفريق الجموع التي فاجأت الجانب التركي، وفق ما قال الناشط الإعلامي معاذ صليبي، لـ"عرب ٤٨".

آلاف من السوريين كانوا يشاركون في مظاهرة لنصرة إدلب، دعا إليها عدد من الناشطين السوريين من بينهم هادي العبد الله، نصرة للمدينة التي تتعرض لعمليات قصف غير مسبوقة، أدت إلى تشريد مئات الآلاف من منازلهم باتجاه الحدود السورية التركية، حيث قال فريق منسقي الاستجابة في شمالي سورية، إن عددَ من نزحوا في الداخل السوري منذ نيسان/ أبريل الماضي من أرياف إدلب وحماة قد تجاوز المليون مدني.

يقول صليبي لـ"عرب ٤٨" إنّ المشاركين في المظاهرة، التي تحولت على محاولة لاقتحام للحدود، أتوا من عدة مناطق بريف إدلب، وجلهم من النازحين الجدد، الذين غادروا منازلهم ولجأوا إلى الشريط الحدودي منذ أشهر، وما يزال بعضهم يعيش تحت أشجار الزيتون في مناطق أطمة وكفرولسين وعقربات وغيرها.

بعض المتظاهرين الذين وصلوا إلى ساحة باب الهوى في مدينة سرمدا القريبة من المعبر الحدودي، كانوا يحملون أمتعتهم معهم، يقول صليبي "هذه العائلات كانت تنوي بالفعل أن تدخل تركيا اليوم، بعد أن فقدت كل شيء في القرى التي سيطر عليها النظام السوري مؤخرًا".

النصرة راقبت

تسطير هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا) على إدارة معبر باب الهوى. وقبل منتصف النهار، وهو الموعد الرسمي للمظاهرة، كانت الهيئة قد أغلقت كافة الطرق المؤدّية إلى المعبر بوساطة حافلات صغيرة، فيما نشرت نقاط تفتيش عديدة على الطرق الواصلة إلى المعبر، إلا أن الحافلات لم تصمد أمام الضغط الهائل من المتظاهرين.

يقول أحد المشاركين في المظاهرة لعرب ٤٨ "عند الساعة 12 و55 دقيقة، كان المتظاهرون قد حطموا الحافلات تقريبًا، ودخلوا سيرًا على الأقدام باتجاه النقطة التركية، المسافة بين الجانب السوري والجانب التركي من المعبر تصل إلى كيلو متر واحد، كان الصراخ سيد الموقف، وركض الناس باتجاه الأراضي التركية".

الغضب على تركيا

كانت قوات النظام السوري مدعومة بالطيران الحربي الروسي والميليشيات الإيرانية قد سيطرت خلال الشهرين الماضيين على مناطق خان شيخون والتمانعة بريف إدلب وقلعة المضيق وكفرنبودة بريف حماة، مع أكثر من 49 قرية ومدينة صغيرة في ريفي حماة وإدلب، فيما انهارت الهدنة التي ضمنتها تركيا مع روسيا في الجولة الأخيرة من مؤتمر أستانا، في الأول والثاني من آب/ أغسطس الجاري، بعد خمسة أيام فقط من إعلانها واستمرت الغارات الجوية والمدفعية.

وعاد الرئيسان التركي والروسي للقاء في موسكو، في السابع والعشرين من آب، بشكل عاجل، لكنهما لم يتفقا على شيء، وفق ما يقول الباحث في مركز الجسر للدارسات، عبد الوهاب عاصي، "تشعر موسكو أن بإمكانها السيطرة عسكريًا على أكبر قدر من الأرض في إدلب وحماة، ولا أعتقد أن أي اتفاق جديد قد حملته القمة الأخيرة في موسكو بين إردوغان وبوتين".

يتابع عاصي لـ"عرب ٤٨" قائلًا إنّ "تركيا في أزمة سياسية حقيقة الآن في ما يتعلق بسورية، فهي غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها أمام أجسام المعارضة السياسية والعسكرية، ولم تستطع أن تدفع مسار أستانا نحو الأمام، كما أنّ مصالحها السياسية الخاصة تبدو معرضة للخطر لصالح حليفها الروسي الذي يتوسع على الأرض في منطقة نفوذ من المفترض أنها تركية".

تركيا عاجزة؟

كانت نقاط المراقبة التركية وعددها اثنتي عشر نقطة، نص عليها اتفاق استانا، والتي تنتشر في ريف إدلب، قد تعرضت لقصف مباشر من قبل النظام السوري، كان آخرها يوم القمة الروسية التركية في موسكو، حيث قصف النظام السوري النقطة التركية في بلدة شير مغار مجددًا، وهي النقطة التي تعرضت للقصف أكثر من 4 مرات على الأقل، فيما حوصرت النقطة التاسعة في مدينة مورك بريف حماة من قبل عناصر قوات النظام، الذين سيطروا على البلدة، أنقرة ردت بافتتاح نقطة مراقبة جديدة بالقرب من معرة النعمان بريف إدلب، فيما استخدمت موسكو طائرة سوخوي 35، للمرّة الأولى في عمليات القصف على الشمال السوري.

"يتواصل الغضب الشعبي على تركيا هنا"، بحسب ما يقول الناشط الإعلامي عمر الحسين الذي غطى مظاهرة المعبر وعملية الاقتحام، يتابع قائلا لـ"عرب ٤٨" إنّ "المظاهرة اليوم كانت ردًا على صمت تركيا والعالم على ما يحدث في سورية، وتحديدًا في ريف إدلب وريف حماة، ثم أن تركيا لم تستطع حتى أن تدافع عن نفسها حين قصف النظام رتلًا عسكريًا لها كان يتجه إلى ريف إدلب، الأسبوع الماضي".

ويرى عاصي أن أقصى ما يمكن أن تفعله تركيا هو أن تدفع ببعض التعزيزات العسكرية لصالح المعارضة السورية المسلحة، لكنها تحتاج لموافقة واشنطن أولا بتلك الخطوة، وهو أمر لم تقبل به واشنطن سابقًا ولن تقبل به الآن.

لن يكون الأخير

وتخشى أنقرة من تدفق جديد للاجئين السوريين إلى أراضيها في حال استمر تقدم قوات النظام السوري في إدلب، المدينة مع ريفها يسكنها أكثر من 3 ونصف مليون سوري، من مختلف المحافظات السورية، والذين يعتبرهم النظام أهدافًا عسكرية مشروعة، ما جعل وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، إلى تحذير أوروبا، أكثر من مرة، من أن أنقرة لن تتحمل أعباء اللاجئين وحدها.

ويقول الناشط صليبي أن ما حدث الجمعة في معبر باب الهوى، قد يتكرر في الأيام المقبلة، ويذكر بأن دعوة سابقة كانت أطلقت في شهر تموز الماضي، لتنظيم "مليونية اقتحام الحدود السورية التركية" في محاولة للضغط على أنقرة سياسيًا، قبل أن يتراجع المنظمون عنها في الساعات الأخيرة، وينهي صليبي قائلا "المدنيون متعبون أكثر الآن، ونحن على أبواب فصل الشتاء، أشجار الزيتون قد تحميهم من الشمس صيفًا لكنها لن تؤمن لهم الدفء في الشتاء".

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"