العملية العسكرية التركية في شمال سورية: معارك عنيفة وإردوغان يصر على المواصلة

العملية العسكرية التركية في شمال سورية: معارك عنيفة وإردوغان يصر على المواصلة
(أ ب)

دارت معارك عنيفة، اليوم الثلاثاء، بين "قوات سورية الديمقراطية" من جهة، والجيش التركي والفصائل السورية الموالية له من جهة ثانية، على أكثر من جبهة في الشمال السوري، في اليوم السابع من انطلاق العملية العسكرية التركية التي أكد الرئيس رجب طيب إردوغان، أنها ستتواصل رغم الرفض الدولي.

وأشار المرصد السوري لحقوق الإنسان، مساء اليوم، إلى "معارك عنيفة" غرب رأس العين وفي محيط مدينة تل أبيض التي سيطر عليها الأتراك.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أنّ نائبه مايك بنس، ووزير الخارجية مايك بومبيو سيتوجّهان، يوم غد، الأربعاء، إلى تركيا، للتفاوض على وقف لإطلاق النار في شمال سورية.

وقال ترامب "نطالب بوقف لإطلاق النار"، وذلك غداة اتصاله بنظيره التركي ودعوته إياه إلى إنهاء العملية العسكرية، وذلك بعد أن أعلنت واشنطن، فرض عقوبات على تركيا، بهدف واضح هو تخفيف الانتقادات التي تتعرض لها لتخليها عن الأكراد.

فيما أعلنت موسكو أن قواتها تسيّر دوريات في محيط منبج لمنع أي احتكاك تركي مع قوات النظام، في أعقاب تحرك قوات النظام شمالا بموجب اتفاق مع الأكراد، بدا أن موسكو هي التي أرسته.

وأعاد جيش النظام تمركزه، الثلاثاء، في منبج، وسيطر على المدينة بالكامل، وفق المرصد، ورفعوا علم النظام السوري داخل المدينة، غداة دخولهم إليها ليلاً.

وكان التحالف الدولي بقيادة واشنطن، قد أكد في وقت سابق، اليوم، مغادرة قواته منطقة منبج.

وباتت قوات النظام موجودة بشكل رئيسي في منبج وبلدتي عين عيسى في محافظة الرقة، وتل تمر في محافظة الحسكة، وتنتشر في مناطق حدودية أخرى، وفق المرصد.

ويعد هذا الانتشار الأكبر من نوعه لقوات النظام في مناطق سيطرة الأكراد منذ انسحابها تدريجيًا منها بدءًا من العام 2012، محتفظة بمقار حكومية وإدارية وبعض القوات، لا سيما في مدينتي الحسكة والقامشلي. 

وأعلن الموفد الروسي الخاص إلى سورية، ألكسندر لافرنتييف، اليوم أن روسيا لن تسمح بمواجهات بين الجيشين التركي والسوري عند خط التماس بينهما في المناطق الحدودية.

وسيعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعًا مغلقًا، يوم غد، الأربعاء، حول الهجوم التركي، هو الثاني خلال أسبوع، بناء على طلب تقدمت به دول أوروبية بينها فرنسا وألمانيا، لبحث الموضوع.

إلا أن مدير التواصل في الرئاسة التركية، فخر الدين ألتون، قال "سنواصل قتال المجموعات الإرهابية، وداعش من بينها، إن قبل العالم بذلك أم لم يقبل". 

ضحايا مدنيين في كلا الجانبين

وتسبّب الهجوم التركي، وفق المرصد، بمقتل نحو 71 مدنيًا و158 مقاتلاً من "قسد". كما دفع بـ160 ألفًا إلى النزوح من منازلهم، بحسب الأمم المتحدة.

وأحصت أنقرة من جهتها مقتل ستة جنود أتراك، و20 مدنيًا، من جراء قذائف اتهمت المقاتلين الأكراد بإطلاقها على مناطق حدودية. في حين سجل سقوط 128 قتيلا في صفوف الفصائل السورية الموالية لتركيا.

منظمات دولية تعلق عملها

وأثار الهجوم حملة انتقادات دولية وتسبب بموجة نزوح ضخمة وأجبر منظمات إغاثة دولية على تعليق عملها.

وأعلنت الإدارة الذاتية الكردية، في وقت سابق، اليوم، توقف منظمات الإغاثة الدولية عن العمل وسحب موظفيها من مناطقها، محذرة من "تفاقم الأزمة الإنسانية" في منطقة تضم مخيمات نازحين تؤوي عشرات الآلاف.

وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، مغادرة المزيد من طواقم المنظمات الدولية غير الحكومية إلى العراق وتعليق عملياتها. ولا يشمل ذلك وكالات الأمم المتحدة، وفق ما أكد متحدثون باسمها.

وأعلنت منظمة "أطباء بلا حدود"، تعليق غالبية عملياتها في شمال شرق سورية، لمخاوف على سلامة موظفيها.

وبعد فرنسا وألمانيا، أعلنت لندن ومدريد والسويد، تعليق صادرات الأسلحة "التي يمكن أن تُستخدم" في العملية العسكرية في الشمال السوري، إلى تركيا.

وأبدت دول أوروبية عدة قلقها البالغ من تداعيات الهجوم التركي على المعركة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، الذي لا يزال ينشط عبر خلايا نائمة برغم هزيمته الميدانية. ويحتفظ الأكراد بالآلاف من مقاتليهم وأفراد عائلاتهم في سجون ومخيمات مكتظة.

وقال مسؤول أميركي، في وقت سابق اليوم، إن الولايات المتحدة لم تلحظ حتى الآن حدوث عملية فرار "واسعة" لعناصر "داعش"، لكنه قال إن ما بين 50 و150 من زوجات وأطفال أسرى التنظيم، فروا أثناء الفوضى التي أعقبت الهجوم التركي.

وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان، اليوم، أنه سيزور العراق لمحادثات مع السلطات العراقية "والأكراد" بشأن "الأمن في المخيمات التي يعتقل فيها الجهاديون الأجانب.

وسبق للإدارة الذاتية الكردية أن سلمت عددا من الجهاديين الأجانب إلى السلطات العراقية لمحاكمتهم في العراق.

انسحاب أميركي مهد الطريق لاتفاق بين النظام والأكراد

وبدأ الهجوم بعد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سحب قوات بلاده من شمال سورية، ما أفسح المجال أمام فتح جبهة جديدة في النزاع المعقد المستمر منذ ثماني سنوات تقريبا، والذي أوقع أكثر من 370 ألف قتيل.

وكان الجنود الأميركيون متواجدين في شمال البلاد دعما لـ"قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، التي خاضت معارك عنيفة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، بدعم غربي، ما أدى إلى اقتلاعه من كل المناطق التي كان سيطر عليها منذ 2014 في سورية. 

ووجد الأكراد أنفسهم وحدهم في مواجهة تركيا، فما كان منهم إلا أن طلبوا العون من النظام السوري المدعوم من روسيا وإيران.

وبموجب هذا الاتفاق، أرسلت حكومة النظام السوري، قوات إلى مناطق الأكراد، دخلت وحدات منها مدينة منبج في محافظة حلب، للحؤول دون أن يدخلها الأتراك.

ويشكّل الاتفاق بين الأكراد والنظام تحولاً جديدًا في مسار النزاع، بعدما اصطدمت مفاوضات سابقة بينهما بحائط مسدود.

ولطالما أصر نظام الأسد على إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل اندلاع الثورة عام 2011، بينما تمسّك الأكراد بإدارتهم الذاتية والمؤسسات التي بنوها بعد عقود من التهميش على أيدي الحكومات السورية المتعاقبة.

وتعتبر أنقرة قوات وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبر العمود الفقري لقوات "قسد"، إرهابية.

وأعلنت أنقرة منذ البداية، أنها تهدف من خلال العملية العسكرية، إلى إنشاء "منطقة آمنة" بعمق 32 كيلومترا على حدودها، تعيد إليها قسما من اللاجئين السوريين الموجودين على أرضها والبالغ عددهم 3.6 مليون لاجئ.

كما تهدف العملية العسكرية التركية إلى إبعاد الأكراد الذين تعتبر أنهم مصدر زعزعة لاستقرارها، عن حدودها. وتخشى تركيا أن يستقوي الأكراد في تركيا بجيرانهم الأكراد السوريين لتعزيز تمرد قائم ضد السلطات التركية منذ عقود.

وسيطرت القوات التركية خلال الأيام الماضية على شريط حدودي بطول 120 كيلومترًا، وتتركز المعارك حاليا في اتجاه مدينة رأس العين، التي تعتبر المنطقة الأخيرة المستهدفة في المرحلة الأولى المعلنة للهجوم التركي.