النازحون السوريون.. بين مطرقة تركيا وسندان النظام

النازحون السوريون.. بين مطرقة تركيا وسندان النظام
نازحات من بلدة الحسكة في شمال شرق سورية، الأسبوع الماضي (أ.ب.)

يخشى سكان في شمال شرقي سورية الوضع الجديد الناشئ في منطقتهم، في أعقاب العملية العسكرية التي تشنها تركيا، ودعوة الأكراد لقوات النظام وحليفتها روسيا إلى دخول منطقتهم.

ونزح أجيد مشمش (29 عاما) عن بلدة عين العرب (كوباني) الحدودية، التي يغلب الأكراد على سكانها، يوم الإثنين الماضي، بعد أن فشل في الحصول على غذاء أو حفاضات لابنه، المصاب بعدوى شديدة، هربا من الواقع الجديد على الأرض، قائلا إن هذا الواقع سيمثل تهديدا لمن تحاشوا الخدمة العسكرية الإلزامية أو النشطاء الأكراد المطلوبين لدى النظام.

وبالنسبة لمشمش، وهو كردي، لا يقارن ذلك بالتوغل التركي إذ قال "هذه مشكلة وجودية"، وأضاف "أنا فخور بكوني سوريًا. أفضل الحكومة السورية ... رغم أن ذلك قد يضعف الحقوق والأحلام التي بنيت في السنوات الثماني الماضية".

مساعدات الأمم المتحدة في مدينة الحسكة (أ.ب.)

وانتابت الهموم مشمش خوفًا على صغيره المريض، الذي بدأ يتعلم المشي بعد أن اضطر للخروج من مدينته في شمال شرقي سورية، إثر انهمار القنابل خلال توغل عسكري تركي، واتهم أميركا بخيانة الأكراد في المنطقة.

وقال مشمش، في اتصال هاتفي مع وكالة رويترز من مدينة منبج القريبة حيث يقيم هو وزوجته وابنه، إن "الحياة توقفت. وهرب كل الأطباء ... نحن هاربون لكن لا نعلم أين نذهب".

ووصف التحرك العسكري التركي في المنطقة بأنه "كارثة"، وانتقد واشنطن لتخليها عن المقاتلين الأكراد في شمال شرقي سورية، لتصبح المنطقة تحت رحمة القوات التركية وتطلب المساعدة من سورية وروسيا.

وكانت بلدته عين العرب المكان الذي وُلد فيه تحالف عسكري أميركي – كردي، قبل نحو خمس سنوات، عندما تدخلت واشنطن بضربات جوية لمساعدة المقاتلين الأكراد في قتالهم ضد تنظيم "داعش".

وقال مشمش إن "الأميركان لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا لنا. كانت تلك خيانة أميركية لشمال شرقي سورية وللشعب الكردي ... تركونا بين شقي الرحى".

ووسط الاشتباكات، ينتظر مشمش وأسرته، بلا حول ولا قوة، لمعرفة ما ستتمخض عنه شبكة المنافسات والتحالفات سريعة التغير في ساحة المعركة المتداخلة في شمال شرق سورية الذي يسيطر عليه فصيل وحدات حماية الشعب.

جنود أتراك قرب منبج، أول من أمس (أ.ب.)

وقد أعاد الأسبوع الأخير رسم خريطة سورية، مرة أخرى، بعد مرور أكثر من ثماني سنوات على نشوب الحرب. وفتح قرار واشنطن، سحب قواتها من المنطقة الطريق أمام الهجوم التركي، ليدفع القوات الكردية للبحث عن سبل حماية نفسها.

وقال مشمش إنه يفضل أن تسيطر القوات السورية النظامية على بلدته بدلا من سقوطها في أيدي القوات التركية، وهو ما قال إنه يخشى أن يجعله هدفا بسبب انتمائه عرقيا للأكراد.

وكانت أنقرة قد بدأت العملية العسكرية في المنطقة لاستهداف "وحدات حماية الشعب" الكردية التي تعتبرها تهديدا لتركيا. ويعيش في المنطقة الشمالية الشرقية ذات التباينات العرقية ما يصل إلى مليونين، من بينهم أكراد وعرب وآشوريين وغيرهم، نزح عدد كبير منهم من مناطق أخرى في سورية.

ويثير نشر قوات النظام السوري تساؤلات حول مصير المنطقة، التي اقتطعتها وحدات حماية الشعب وحلفاؤها المحليون، وفرضوا فيها حكما ذاتيا منذ سنوات.

ومما يزيد القلق أن منظمة أطباء بلا حدود أعلنت أمس، الثلاثاء، أنها علقت معظم أنشطتها في المنطقة وأجلت كل العاملين الدوليين.

ناشطو المعارضة

إلا أنه مع تغير خريطة السيطرة بسرعة البرق وبدء موجة نزوح جديدة يتعين على السوريين الموازنة بين خيارات صعبة في ما يتعلق بمن يتجهون إليه طلبا للملاذ.

ففي مدينة الرقة إلى الجنوب، اختبأ شاب من عرب سورية في بيته، أمس، وظل يتابع الأخبار خوفا من احتمال عودة قوات الحكومة السورية.

وقال الشاب وهو من ناشطي المعارضة في العشرينيات من العمر، مشترطا عدم ذكر اسمه خوفا من أن يتعرض للانتقام منه، إنه "أعيش في حالة من الرعب. لا أستطيع النوم ليلا ... ولا أعرف ماذا أفعل".

وظل هذا الشاب في مدينته منذ أوائل فترة الحرب، رغم تغير حكامها من المعارضة السورية المناوئة للنظام إلى تنظيم "داعش" ثم إلى المقاتلين الأكراد. لكنه يخشى الآن عودة الحكم السوري بسبب نشاطه السابق مع منافذ محلية ونشطاء معارضين للأسد.

قوات النظام السوري قرب الرقة، أول من أمس (أ.ب.)

وقال زعماء أكراد إن الاتفاق مع دمشق يقضي بانتشار قوات الجيش على الحدود ولم يصدر تعليق رسمي من الحكومة السورية. غير أن الناشط السوري وشخصا آخر من سكان الرقة، قالا إنهما ما زالا يشعران بالقلق من أن تبرم القوات الكردية اتفاقا مع دمشق وتسلم مدينة الرقة.

وقالا إن بعض سكان المدينة، من أنصار النظام، تظاهروا أول من أمس، مطالبين بعودة الحكم السوري النظامي ورفعوا صور الأسد للمرة الأولى منذ سنوات. وأضاف أن أشقاءه لا يرون مشكلة في البقاء في الرقة، شأنهم في ذلك شأن كثيرين ولذا سيضطر للبحث عن وسيلة للخروج بمفرده.

وهو يتمنى أن يتم تهريبه إلى أراض في الشمال تحت سيطرة معارضين من العرب في الأساس، تمولهم تركيا وتدربهم في منطقة من سورية ترابط فيها قوات تركية. غير أنه يترقب الآن لمعرفة ما سيحدث.

وقال الناشط إنه سمع من أقارب له في الشمال أن بعض رجال المعارضة قاموا بعمليات نهب وأتوا تصرفات غير مناسبة، لكنه سيشعر بقدر أكبر من الأمان هناك عنه في ظل حكم الدولة. وقال "اسمع. ما من أحد طيب. كلهم مجرمون. لكن بعضهم أسهل من غيرهم".