خاص | كورونا في سورية.. بين الإنكار والانفجار

خاص | كورونا في سورية.. بين الإنكار والانفجار
القامشلي (أ ب)

لا تزال وسائل الإعلام التابعة للنظام السوري، تعمل ليل نهار، لنفي أي إشاعة أو خبر، عن إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجد في سورية. تكاد الأخبار العاجلة تكون ذاتها، مع تغير اسم المشفى، أو المسؤول الذي يكرر تصريح مفاده أن "الحالة التي كثٌر الحديث عنها في وسائل التواصل الاجتماعي، ليست مصابة بالفيروس"، قبل أن يتابع القول إن الإجراءات الاحترازية "غير المسبوقة" ساهمت في عدم ظهور الإصابات.


أعلنت دمشق ليل الأحد، 22 آذار/ مارس، عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد ("كوفيد 19")، في خبر رسمي نُقل عن وزير الصحة، تلاحقت بعده التوضيحات التي زادت تعقيد الخبر وضبابيته.

أعلن وزير الصحة حينها أن الحالة لفتاة تبلغ من العمر 20 عامًا، وصلت حديثًا من خارج سورية، دون أن يحدد البلد الذي وصلت منه المصابة، لتطلق بعدها منصات إعلامية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، تعرف بقربها من النظام السوري، سيلا من الأخبار تقول إن الفتاة "تتماثل للشفاء".

صباح اليوم التالي للإعلان الرسمي، الإثنين، كانت إذاعة "شام إف إم"، قد بثت ثلاثة أخبار مرتبطة بالإصابة، ينفى الأول وجود الإصابة في مركز الحجر الصحي الخاص بالوزارة، والثاني ينفي وجودها في مشفى دمشق، والثالث ينفي وجودها أيضًا في مشفى المواساة.

سبق إعلان دمشق بأيام وتحديدا يوم الخميس 19 آذار/ مارس، تحذير منظمة الصحة العالمية، وعلى لسان رئيس فريق الوقاية من الأخطار المعدية، عبد النصير أبو بكر، من انفجار في عدد المصابين والمتوفين في سورية وليبيا واليمن، مع إشارة أو بكر، إلى أن عدم تسجيل الإصابات قد يشير إلى "انهيار النظام الصحي في البلدان الثلاثة وعدم القدرة على تشخيص الإصابة".

من بعد ذلك التاريخ، أعلنت الصحة السورية تباعًا عن حالات جديدة، ليصل العدد الكلي إلى 25 إصابة، توفيت من بينها حالتان، وشفيت أربع حالات.

الإنكار أو الانهيار

وفي حديث لـ"عرب 48"، شدد الدكتور وليد شرف، وهو اختصاصي في طب الأطفال على أن "تعقيدات الجغرافيا السورية، سياسيا واقتصاديًا واجتماعيًا، تجعل السوريين أمام مواجهة خطرة مع الجائحة، خصوصا أن النظام الصحي السوري، انهار في كافة مناطق البلاد"، وتابع أنه "سواء في مناطق سيطرة النظام، أو تلك الخارجة عن سيطرته، لا يمكن الحديث اليوم عن نظام صحي متماسك أو حتى فعال".

وأوضح د. شرف أنه "العقوبات الاقتصادية من جهة، وتصرفات السلطات السورية من جهة أخرى، ساهمت في اقتراب النظام الصحي في دمشق مثلًا من حافة الانهيار، منذ سنوات باتت المشافي الحكومية عاجزة عن تقديم الخدمات التي كانت تقدم قبل سنوات لأصحاب الأمراض المزمنة، كذلك حول النظام بعض المشافي، إلى مشافي ميدانية لمعالجة جرحى قواته".

إدلب خارج العالم "توعويًا"

لا يبدو المشهد في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد أفضل حالًا، وفق ما أكد نقيب أطباء شمال سورية، الدكتور محمد وليد تامر، في حديث لـ"عرب 48"، ما يترك المناطق في إدلب وريف حلب عاجزة عن مواجهة الفيروس.

"لا يمكن لنا أن نخبر الناس الذين يعيشون في الخيام، أن يغسلوا أيديهم بالماء والصابون، كيف لنا أن نطبق المعايير التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية، في مكان يضم أكثر من 3 مليون ونصف المليون إنسان، لا يجد الكثير منهم قوت يومه؟ من أين نأتي بالمعقمات والكمامات؟".

إجراءات متواضعة للحد من انتشار كورونا في إدلب (أ ب)

وتابع تامر "الوضع سيكون كارثيًا لو وصل الفيروس إلى شمال سورية، نحن نحاول أن ننشر الوعي بين الناس، من خلال التوصيات العامة، لكن كيف نطلب منهم أن يبتعدوا عن التجمعات، ونحن نوجه الخطاب إلى عشرات الآلاف من سكان المخيمات المهترئة والمتلاصقة، أي منازل سنطلب من الناس أن يبقوا بداخلها؟".

سبق وأعلنت منظمة الصحة العالمية، عن فتحها لمركز لتشخيص الإصابات بالفيروس في إدلب وأنقرة، وفق ما ذكرت في بيان رسمي صدر عنها، جاء فيه: "وضع المختبر الطبي المرجعي، الذي أنشأته الحكومة السورية المؤقتة، لا يزال في مرحلة الإعداد، وبالتالي لسنا متأكدين من وجود أي إصابة".

مخيم للنازحين في الشمال السوري (أ ب)

لكن ذلك المركز الخاص بإدلب، وحتى يوم الثلاثاء 24 آذار/ مارس، لم يصبح يفعل بعد ولم يبدأ العمل به، وفق مصدر خاص بـ"عرب 48"، حيث لا تزال بقية التجهيزات التي وعدت بها الحكومة التركية، في طريقها إلى داخل سورية.

أهل دمشق

شدد النظام السوري من إجراءاته "مبكرًا" في مواجهة أي انتشار للفيروس، رغم نفيه المستمر لوجود إي إصابات في البلاد، إذ أغلقت المدارس والجامعات وأغلقت الدوائر الحكومية، وأوقف النقل العام بكافة أنواعه، في كافة المناطق التي يسيطر عليها في سورية.

دعوات عدة أطلقتها وسائل الإعلام وفنانون ومشاهير، تدعو السوريين للبقاء في المنازل لفترة 14 يومًا على الأقل، لكن المشهد القادم من دمشق، يظهر عدم قدرة السكان على تنفيذ القرار أو التعليمات الرسمية.

تعقيمات في دمشق (أ ب)

"الحاجة إلى كل شيء، تدفع السكان إلى التوجه نحو مراكز حكومية، توزع السكر والشاي والزيت والرز وغيرها من المستلزمات الغذائية على المواطنين بموجب ‘البطاقة الذكية‘، التي سبق وأطلقها النظام، لمواجهة الانهيار الاقتصادي الذي يواجهه، ويواجهه معه ملايين السوريين" يقول الصحافي معاذ بلان لـ"عرب 48".

وتابع بلان "يوميًا يخرج الناس في حركة شبه اعتيادية من منازلهم لقضاء حاجياتهم، نحن تتحدث عن مدنيين مرهقين من سنوات الحرب وأعباءها الاقتصادية التي جعلتهم مرهونون لما يقدمه النظام، من مواد غذائية، بأسعار أقل من السوق، مع ملاحظة أن السوق العادي لا يحتوي دائمًا على هذه المواد".

كانت سورية قد تصدرت قائمة الدول الأكثر فقرًا على مستوى العالم، بنسبة بلغت 82.5%، بحسب بيانات موقع “World By Map” العالمي في تقرير صدر يوم 21 من شباط/ فبراير الماضي.

مشاهد صادمة أتت من دمشق خلال الأسابيع القادمة، ظهر فيها مدنيون يلاحقون سيارات توزيع الخبز، بعد أن قررت السلطات إيقاف البيع في الأفران، وتحويل ذلك إلى "نقاط بيع مباشرة". مشاهد دفعت بالسلطات لا للاعتذار عن تزايد الازدحام من جراء إجراءاتها، والإهانة التي تلحق بالمواطنين من هذا السلوك، خلال علمية كان من المفترض بها أن تكون وقائية، بل إلى الإعلان عن توزيع الخبز بذات الطريقة، ولكن بناء على رسالة هاتفية مسبقة.

المعتقلون... نداء لا يُسمع

يحذر القاضي السابق، خالد شهاب الدين، ورئيس تجمع المحامين السوري الأحرار، غزوان قرنفل، من أن يضرب فيروس كورونا في المعتقلات السورية، ومن فيها من عشرات آلاف المعتقلين، الذين يعيشون بالأصل في ظروف صحية قد تسبب الموت للكثير منهم.

وأوضح قرنفل في حديث لـ"عرب 48"، أن أكثر من مئة ألف معتقل لا يزالون في سجون النظام السوري حتى الآن، هذه الصورة القاتمة، لا بد أن تكون أمام أي إجراءات حقيقية للحدّ من تفشي الفيروس في سورية.

وفي ظل مطالبة منظمات دولية وسورية، بالإضافة لخارجيات غربية، منها الخارجية الأميركية، بالإفراج عن معتقلين سياسيين في سورية، في ظل المخاوف من انتشار كوفيد 19، رد النظام السوري بإصدار مرسوم عفو عام في الثاني والعشرين من آذار/ مارس الماضي.

غير أن "نص المرسوم الذي صدر عن النظام، لا يشمل المعتقلين السياسيين، أو من تم اعتقالهم بناء على موقفهم من النظام"، وفق ما أكد القاضي شهاب الدين لــ"عرب 48".

وتابع "شمل المرسوم تجار مخدرات ومهربين وأصحاب جنح صغيرة، ليس هناك أي تشميل لمن تم اعتقالهم بناء على مواقف سياسية، أو مشاركتهم في الثورة السورية".

وعبّر قرنفل عن مخاوفه من أن يصل الفيروس إلى زنازين المخابرات السورية السريّة، وقال "أكاد أجزم للأسف بأن الفيروس سيصل إلى المعتقلات التي نعرف عنها على الأقل. الوصول مثلًا إلى الحمام يتم مرة واحدة في اليوم، بالنسبة للنظام هو لا يرى المعتقلين إلا كأموات، بالتالي لن يكون مهتمًا بسلامتهم أو إصابتهم، أو أي خطر عليهم".

مطار دمشق.. بوابة مُشرّعة على الوباء

"لا يزال مطار دمشق، يستقبل طائرات عسكرية ومدنية تحمل عسكريين ومعدات عسكرية إيرانية"، وفق ما أكد صحافي من دمشق، فضل عدم الكشف عن اسمه، في حديث لـ"عرب 48"، وتابع "لا إجراءات حقيقة للكشف عن المصابين من القادمين إلى مطار دمشق، مجرد عمليات تعقيم سريعة، وفحص حراري، ثم التحرك بحرية في العاصمة".

في 6 من نيسان/ أبريل الجاري، أعلن وزير الداخلية في النظام السوري، عن عزل منطقة السيدة زينب بريف دمشق، وهي منطقة تقع تحت سيطرة ميليشيات إيرانية، أو موالية لإيران، بعد أن تبين وجود إصابات بالفيروس.

وأوضح المصدر من دمشق أن "دمشق القديمة، وبعض المناطق في ريفها، تنتشر فيها ميليشيات إيرانية، كما أنها تتخذ من العاصمة، نقطة انطلاق باتجاه حلب وريف إدلب، ودير الزور، وهذه الأخيرة باتت تحت سيطرة إيران بشكل كامل".

مصادر في المعارضة، تتحدث بشكل شبه يومي، عن حالات إصابة بالفيروس في صفوف المدنيين في دير الزور، نتيجة العدوى التي انتقلت إليهم من عناصر إيران أو الجيش النظامي في المدينة، لتعلن قوات سورية الديمقراطية (قسد)، أنها منعت أي احتكاك بين عناصرها وعناصر النظام، في الأول من الشهر الجاري.

لا تزال الأخبار، التي مصدرها وسائل إعلام سورية، تتهم المعارضة تارة والنظام تارة أخرى بالتستر على أعداد الإصابات الحقيقة، فيما أكد مدير الرعاية الثانوية في مديرية صحة إدلب، الدكتور يحيى نعمة لـ"عرب 48"، عدم تسجيل إي إصابة في عموم الشمال السوري، وأشار في الوقت ذاته إلى ضعف في المساعدات المقدمة من قبل المنظمات الدولية إلى مديرته وغيرها من الجهات الصحية.