الجيش السوري الإلكتروني: النشأة والذروة... والاغتيال الروسي

الجيش السوري الإلكتروني: النشأة والذروة... والاغتيال الروسي
أحد المواقع بعد اختراقها (vox)

لا تنفصل الهجمات الإلكترونية عن المعارك الواقعية في مضمونها واستكمالها لجهود العسكر في سورية، على اعتبار أن مجموع القوى العاملة على الأرض متنوعة ومتباينة في إمكانيّاتها وقدراتها البشرية والمالية.

خلق هذا التباين دمجًا بين العالمين الافتراضي والواقعي في ظل وجود قوات حكومية وغير حكومية، وميليشيات ممولة من جهات متنوعة. ولو أن فكرة الاعتماد على الإنترنت كسلاح لم تكن حديثة عهدها، إلا أن قيام النظام السوري بتطوير جيش من "المقاتلين الإلكترونيين"، أو ما يطلق عليهم في مصطلح هندسة المعلومات "هاكرز"، شكّل نقلة نوعية في تاريخ العمل الإلكتروني في الأعوام العشر الماضية، وفي تغيير مسار المعركة وخلق مستوى موازٍ على الصفحات الإلكترونية لا يقل أهمية عن ذلك في الميدان. جذب الجيش السوري الإلكتروني الشباب في دمشق للانضمام إليه وصرف أنظارهم عن العمل العسكري المضاد للحكومة، وتشكيلهم ضمن فرق ولجان إلكترونية مقبل التنسيقيات التي كان الثوار قد أنشأوها.

الجيش السوري الإلكتروني: البدايات

شكل عام 2011 انطلاقة العمل الإلكتروني الفعال في سورية بعد أن كان في حالة ركود حقيقية منذ عام 2000. جاء بشار الأسد بـ"برنامج تحديثي" بعد سنوات من الانغلاق، وضع في أولوياته العمل على تحقيق نقلة في مجال الإنترنت والاتصالات في سورية، ليعيد إحياء دور الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية، التي كان قد أسسها باسل حافظ الأسد عام 1989، وإدخال شركات مزودة لخدمة الإنترنت أهمها "SCS-NET"، بالإضافة إلى تطوير القطاع الشبكي في البلاد بما يخدم المصلحة العليا للدولة. إلا أن ذلك انتهى إلى سيطرة أجهزة المخابرات على منظومة الاتصالات في سورية، وسخّرت الجهود والإمكانات في سبيل هدف واحد، وهو التنصت والتجسس على مستخدمي الشبكة العنكبوتية في البلاد. لم يكن الدخول إلى مواقع الإنترنت بهذه السهولة، فمعوقات مثل حجب مواقع وضعف سرعة التحميل، واختزال العمل الشبكي في تصفح بعض مواقع الشعر والأدب والثقافة، دونًا عن المواقع النشطة سياسيًا والمدونات السياسية التي يؤسس لها معارضون سياسيون من الخارج. عزز فرع المعلومات - وهو فرع أمن إلكتروني - من سطوة الدولة وجهاز المخابرات بعد دخول شركتي الاتصالات "سيرياتل" و"MTN" كمشغلّين خلوييّن رئيسيّين ووحيدين في البلاد، مستفيدًا بذلك من استحواذ رامي مخلوف، ابن خال الأسد، على قطاع الاتصالات والإنترنت في البلاد ووضع جميع المكالمات في حالة رصد ومتابعة، بحجة رصد التخابر مع إسرائيل. ولم يكن الدخول إلى "فيسبوك"، قبل عام 2008، مسألة سهلة، إذ أنه حجب تحت حجة روّج لها مهندسو الإنترنت حينها أن الموقع هدفه التجسس لصالح إسرائيل، وأن عقوبات تطال كل مستخدميه في البلاد. عام 2008 و2009 شهد انفراجًا ضئيلًا بخصوص التعامل مع "فيسبوك"، الذي تحوّل لاحقًا إلى نقطة ارتكاز للجيش السوري الإلكتروني، عبر استخدام تطبيقات اختراق (بروكسي) من أجل إنشاء حسابات والنفاذ إلى منصة التواصل هذه.

بعد اندلاع الثورة السورية، تبنت الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية والمؤسسة العامة للاتصالات مشروع الجيش السوري الإلكتروني الذي ادعى منتسبوه أنهم لا ينتمون إلى أي جهة حكومية، وأن عملهم "دفاعي طوعي" ينحصر في الدفاع عن الهجمات الإلكترونية الخارجية التي تطاول حسابات مسؤولي النظام السوري وأبرزهم المستشارة بثينة شعبان، ومندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري ومواقع خاصة برئيس النظام وزوجته أسماء الأسد. ونظرًا لحساسية الوضع المجتمعي وانقسام المجتمع بين مؤيد للنظام ومعارض له، ولكسب عدد أكبر في صفوف الجيش الإلكتروني، روّج منتسبوه لأنفسهم عبر حساباتهم على "تويتر" و"إنستغرام" و"فيسبوك" على أنهم مجموعات شبابية سورية لا تنتمي لأي حزب أو أي طائفة بقدر ما ينتمون إلى الوطن، ومهمتهم الوقوف في وجه أي هجمات إلكترونية وعمليات قرصنة من إسرائيل وأميركا.[1] بدت حاجة النظام ملحّة لمجموعات إلكترونية ترد على الهجمات على مواقع رئاسة الجمهورية والوزارات والهيئات الرسمية، وأبرزها على الإطلاق كان عام 2012، اختراق البريد الإلكتروني الخاص ببشار الأسد وتسريب معلومات وصور لعائلته ومحادثات سرية مع المستشارة الإعلامية سابقًا لونا الشبل[2] ونشر صور تعلن انسحاب الجيش من محيط دمشق؛ بالإضافة إلى الرغبة في تفنيد سردية مواقع المعارضة السورية والهجوم عليها في نفس الوقت.

رامي مخلوف.. شركاته سيطرت على الإنترنت قبل الثورة وموّل هجمات إلكترونية بعدها
رامي مخلوف.. شركاته سيطرت على الإنترنت قبل الثورة وموّل هجمات إلكترونية بعدها

وفي ظل عمليات المراقبة والتجسس التي يقوم بها فرع المعلومات، والتابع مباشرة لإدارة أمن الدولة[3]، والمسند من فرع التحقيق 248، لا يمكن القيام بأي عمل إلكتروني أو اتصالاتي مهما كان حجمه دون الحصول على موافقات أمنية، بدءًا من مكتب الأمن القومي وصولًا إلى فروع الأمن السياسي؛ ولهذا، فإنه لم يكن للجيش الإلكتروني السوري أن يعمل بهذه الكفاءة وفي مناطق يسيطر عليها نظام شمولي كالنظام السوري بدون توجيه مباشر من الأفرع الأمنية المختصة.

التشكيل والإستراتيجيات

يرتهن اعتماد الأنظمة الشمولية على الجيوش الإلكتروني، إلى حد كبير، برغبتها في تشتيت الشعب، خصوصًا في حال الثورات أو المشكلات السياسية التي من الممكن أن تهدد وجودها، وإدخال الشارع في متاهة حرب لا تقل أهمية عن تلك على الأرض. على غرار مجموعات الهاكرز الروسية "سايبر بيركوت/ Cyber Berkut" التي كانت مهمتها تنفيذ عمليات اختراق مراسلات وحسابات مسؤولين ألمانيين وأوكرانيين، وتعطيل البريد الإلكتروني التابع للحرس الوطني الأوكراني، تشكل الجيش السوري الإلكتروني من قبل أفراد مهندسي معلوماتية من مَلاك المؤسسة العلمية السورية للمعلوماتية وملاك فرع الاتصالات، ليتطور بعدها التشكيل إلى جماعات تضم كافة المتطوعين الذين يثبتون ولاءهم للنظام السوري كشرط رئيس، ويمتلكون مهارات إلكترونية عالية تمكنهم من القيام بمهام التجسس ونشر المعلومات والهجوم على صفحات وحسابات المعارضة. يمتلك هذا الجيش عددًا من الصفحات على مواقع فيسبوك و"تويتر" و"إنستغرام"، وباللغتين العربية (الجيش السوري الإلكتروني) والإنكليزيّة (Syrian Electronic Army)، لكي يحافظ على حساباته في حال تعرض إحداها للاختراق والتبليغات. وبالرجوع إلى بروتوكولات وسائل التواصل الاجتماعي ومطابقتها مع نموذج التواصل الذي كان يعتمده هذا الجيش، يتبيّن أن النموذج المستخدم هو الاتصال الأحادي الجانب، بسبب تعطيل ميزة التعليقات في جميع الحسابات. اتّباع هذا النموذج كفيل بأن يجعل هذا الجيش أداة من أدوات البروباغندا التي تروّج لسردية النظام وانتصاراته. في مرحلة لاحقة، وبعد اشتداد عود هذه الجماعات، اتيحت التعليقات بعد خلقِ جوٍّ من الضغط على المتابعين الذين لا يكنّون ولاءً مطلقًا للنظام وللمؤسسة العسكرية؛ من خلال إيهام أي مواطن سوري يمتلك حسابًا على أي من مواقع التواصل الاجتماعي أنه مراقب وعرضة للاختراق في حال نشر أي منشور ضد النظام. وبالنتيجة، لم يكن هدف الجيش السوري الإلكتروني الحسابات والمواقع خارجية فحسب، بل كان يهدف للحفاظ على إيديولوجيا النظام السوري وترويجها داخليًا وخارجيًا، باعتباره أداة علاقات عامة إلكترونية بيد الأجهزة الأمنية السورية.

خاصية وسائل التواصل الاجتماعي أنها تحلل اهتمامات المستخدمين، وتقرّبهم من نفس الدائرة التي ينتمون إليها. نظريًا، يطلق على هذا النمط الإلكتروني التفاعلي اسم "الاستخدامات والإشباعات"[4]، والذي تسعى جميع المواقع إلى تصنيف المستخدمين وتجميعهم ضمن دوائر يبحث من فيها عن نفس الاهتمامات ويميلون إليها. سهّل هذا النمط التفاعلي عملية الاستقطاب نحو الجيش السوري الإلكتروني، وكوّن قاعدة مستخدمين واسعة ضمت في "فيسبوك" حوالي 26 ألف متابع، وحوالي 4436 مشتركا في "يوتيوب" حتى عام 2014. عدد المتابعين هذا قليل إلى حد ما، لكن في واقع الأمر كثرة التبليغات من جهة وتصنيفه على قائمة الإرهاب الإلكتروني كمنظمة إرهابية عرّض حسابه على فيسبوك للإغلاق 200 مرة حتى عام 2013[5]، الأمر الذي كلّفه خسارة عدد كبير من المتابعين. احتوت قناة الجيش السوري الإلكتروني على يوتيوب عام 2014 على 225 مادة، بعدد 1535068 مشاهدات[6]؛ بينما يبلغ عدد المشتركين في القناة اليوم 2150 مشتركا بمحتوى 129 فيديو، و10,349 مشاهدة.[7] كانت التعليقات موضع جدل لكونها مستقطبة إلى حد بعيد وتحمل صوت المؤيد المطلق والمعارض المطلق، ولا مكان لصوت الحياد في التعليقات على أي من الحسابات وأي من المنشورات. لاحقًا تحوّل التعليقات في معظمها إلى تعليقات طائفيّة، خاصة وأن المسألة الطائفية محورية في النزاع الأصلي على الأرض، ثم ما لبثت أن انتقلت إلى صفحات التواصل الاجتماعي.

اعتمدت فرق الجيش السوري الإلكتروني مجموعة من التكتيكات في سبيل تحقيق نشاط إعلامي واسع يكون قادرًا على الترويج لقوة وسيطرة جيش النظام على المعركة على الأرض من جهة، ومن جهة أخرى كشف وتعقب الناشطين واختراق حساباتهم ومواقع الهيئات والمنظمات العسكرية والمدنية التي يتبعون لها. منذ عام 2011، عملت فرق الاستطلاع، منها من هو داخل سورية ومنها في دبي وروسيا وقبرص[8]، على إنشاء حسابات مزيّفة بأسماء أشخاص معروفين على مستوى المعارضة السورية، أمثال الناشطة سهير الأتاسي والأكاديمي برهان غليون وقادة فصائل عسكرية مثل قائد ألوية الفرقان، محمد ماجد الخطيب وأمين سر فصائل "جيش الإسلام"، تامر الجاهوش في غوطة دمشق الشرقية، وحسابات للناشطين الإعلاميين مثل هادي عبد الله في إدلب ومحمد الزعبي في درعا، من أجل استخدامها للإيقاع بالناشطين والمعارضين في الداخل السوري وتسهيل اعتقالهم، ضمن تكتيك التصيّد الإلكتروني. لا يقل خطر هذا التكتيك عن التكتيك المتبع من قبل المخابرات السورية في إرباك المجتمع السوري من جهة، وفي تصيّد واعتقال معارضي النظام والناشطين على الأرض، على اعتبار أن البنية التحتية لمثل عملية التعقب هذه لا تختلف إلا بكونها رقمية، دون أن يشعر الناشط أنه على قائمة المطلوبين. كانت الجامعات والمدن الجامعية (السكن الجامعي) في سورية بؤر انتشار فرق التعقب التابعة للجيش السوري الإلكتروني، كون أن الشريحة الأكبر من مستخدمي الإنترنت وحسابات التواصل الاجتماعي هي من الطلاب. شعَر اتحاد طلبة سورية وفروع حزب البعث في الجامعات السورية بخطورة ترك طلاب الجامعات دون رقيب إلكتروني عليهم، خاصة وأن الهواتف الذكية بدأت بالانتشار على نطاق واسع في الجامعات، مع تسهيلات في باقات الإنترنت وتوفرها، وكانت عمليات الاعتقال تحدث عبر مداهمة غرف السكن الجامعي واعتقال الطلاب الذين يتم التأكد من نشاطهم المعارض، بالإضافة إلى رصدهم أي حركات احتجاج أو مظاهرات داخل الجامعات وإخبار قوات كتائب البعث ليتم التعامل معها. أحد أبرز التكتيكات التي اعتمدها الجيش السوري الإلكتروني للإيقاع بالنشطاء كانت اختراق حسابات طلاب السكن الجامعي والدعوة إلى مظاهرات ليلية، كما حصل في كلية العلوم في حمص عام 2012، وكلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية في دمشق عام 2013، وكلية الصيدلة في دمشق عام 2013، ليتم بعد ذلك اعتقال المشاركين سواء مباشرة أو عبر مداهمة غرفهم واعتقالهم وإخفائهم.

بحسب مؤشر " بيت الحرية/Freedom House" لعام 2020، فإن سورية حققت 0 من 4 في مجال حرية التعبير وحرية الإعلام في ظل عدم وجود أي مساحة لحرية الصحافة والقدرة على إنشاء دخول آمن على أي من مواقع الإنترنت. يعود هذا إلى الصرامة والقيود المفروضة من الأجهزة الأمنية خاصة وأن جميع المؤسسات الإعلامية الخاصة يملكها مقربون من النظام ويشرف عليها جهاز مخابرات أمن الدولة مباشرة، بالإضافة إلى كون القنوات الرسمية السورية بيد النظام، ومكتب الأمن القومي التابع لرئاسة الجمهورية.

وبحسب شهادة أحد المنتسبين سابقًا إلى الجيش السوري الإلكتروني[9]، عملت الفرق على التخفّي بأسماء مؤنثة، مع ترتيب كافة الإعداد المتعلقة بالحساب ليظهر بتاريخ قديم مع كل الدلالات التي تجعل الناشط يقع في شرك التصيد الإلكتروني. عبر هذه الحسابات، ينشر العناصر مقالات وفيديوهات ومحادثات مسربة لكي يكسبوا ثقة الناشطين، المحتملين أو المؤكدين، ومن ثم الإيقاع بهم واعتقالهم.

ولم يكن قراصنة الجيش السوري الإلكتروني في وارد الاندماج بحرب حقيقية على اعتبار أن هدفهم أيديولوجي وسياسي بحت، وكانت مسألة القرصنة بالنسبة إلى العديد من منتسبيه مجرد هواية يقومون بها بسبب خبرتهم الطويلة في هذا المجال. على عكس القراصنة الذين شاركوا في ثورة تونس وثورة مصر، والذين كان هدفهم قلب النظام في البلاد، كانت إستراتيجيات القراصنة السوريين متمحورة حول ضرب مخدمات الاتصالات العامة خارج حدود الأراضي السورية، مع حساب خسائر وأرباح العملية، وتقدير قيمتها على المدى البعيد. وللوصول إلى هذه المخدمات والحسابات الشخصية، طوّر فريق الاستخبارات الإلكترونية[10] مواقع مؤذية (Malicious Software Websites) من أجل نسخها على حسابات النشطاء، أو حتى الصفحات العامة، وبمجرد دخول أي من المستخدمين إليها، يقومون بسحب بيانات الحساب الخاص به ومعلومات الدخول وتجميعها ضمن قواعد بيانات ضخمة. استهدفت هذه التكتيكات الصحافيين والحقوقيين السوريين وموظفي المنظمات غير الحكومية مثل الهلال الأحمر السوري والصليب الأحمر الدولي ومتطوعي برنامج الأغذية العالمية[11]. بدءًا من عام 2012، طور هؤلاء القراصنة آلية عمل جديدة في سورية وهي نشر تعليقات خادعة تحوي روابط دخول إلى معلومات حول عمليات وانتصارات المعارضة والجيش السوري الحر بطريقة تثير اهتمام الناشطين على تنسيقيات المعارضة حينها، ما يدفعهم إلى الدخول إلى الرابط والوقوع في فخ القرصنة.

بين التنسيقيات وشبكات الأخبار

وفرض قراصنة الجيش السوري الإلكتروني رقابة شديدة على الصفحات والحسابات والمجموعات الرئيسة على مواقع التواصل الاجتماعي في سورية، والتي يمكن تصنيفها بشكل رئيس بحسب الولاء (موالية للنظام ومعارضة)، والطائفة والدين (شيعة، علوية، درزية، مسيحية)، النشاط الاجتماعي (حسابات وصفحات منظمات وهيئات المجتمع المدني). بالنسبة للصفحات المعارضة، فقد تم اختيار تسمية "تنسيقية" لصفحات إخبارية محلية في المدن والقرى الثائرة. كانت "صفحة الشهيد حمزة الخطيب"[12] أول صفحة فيسبوك معارضة للنظام، وانطلقت من درعا، وحازت في بدايتها على 1500 إعجاب. بعد أن أغلق فيسبوك هذه الصفحة، تأسست صفحة أخرى باسم "كلنا الشهيد حمزة علي الخطيب"، إلا أن هذه الصفحة كانت أشبه بطعم للإيقاع بالناشطين من محافظة درعا، وتوقف المشرفون عليها عن النشر في عام 2012. محتوى الصفحة وصياغة مرفقات الفيديوهات والصور، وجرّ المتابعين إلى روابط مزيفة جعل نسبة التفاعل فيها قليلة جدًا، الأمر الذي جعل الشكوك تدور حولها والاعتقاد أنها من صنع الجيش السوري الإلكتروني.[13] اتخذ الجيش السوري الإلكتروني تنسيقيات الغوطة الشرقية وتنسيقية داريا وتنسيقية المعضمية وتنسيقيات حمص أهدافًا يومية، وعمل على رصد تحركات مؤسسيها، وكان من بينهم محمد السعيد ومحمد الطيب، وأوقع النظام بهما في نوفمبر عام 2013، عبر فريق عمل مزروع داخل مدينة دوما.

كان الوصول إلى المكاتب الإعلامية الخاصة بالقرى والمدن السورية الثائرة سهلًا جدًا بحكم ضعف الإمكانيات في عامي 2011 و2012، واستغل الجيش السوري الإلكتروني هذه الثغرات وزرع عناصره المدربة إلكترونيا بين المكاتب الإعلامية مستغلين بذلك حاجة الثوار إلى خبراء اتصال وإعلاميين وكتّاب محتوى. تأسس موقع "ثورة دوما/ Douma Revolution " بتاريخ 17/3/2011 وتعرض للعديد من الاختراقات، إلا أن اعتماد مؤسسيه على خبراء خارج سورية ساهم في إبقاءه إلى الآن مع حوالي 24000 إعجاب.

اعتمد الجيش السوري الإلكتروني نفس التكتيك بإنشاء صفحات تنشر يوميات الشارع السوري سواء في المناطق الآمنة (تصنّف على أنها آمنة كونها تقع في مربع استحواذ النظام) أو من داخل مناطق الثورة السورية. هدف التركيز على مناطق الثورة السورية هو إظهار ما حصل من انتهاكات من قبل فصائل المعارضة بحق المدنيين في داخل المدن والقرى المحاصرة من أجل حشد الشارع ضدهم. أما في المدن الخاضعة لسيطرة النظام، وأهمها العاصمة دمشق واللاذقية وطرطوس (وإلى حد بعيد مراكز مدن كل من حلب وحماه وحمص والقنيطرة) فقد أنشأ الجيش السوري الإلكتروني صفحات ومجموعات فيسبوك أهمها "يوميات قذيفة هاون" و"يوميات سوري على الحاجز" و"شبكة أخبار اللاذقية" و"شبكة أخبار حلب" و"حماه أبو الفداء". يمكن هنا الإشارة إلى النموذج الإعلامي؛ "الصحافي المواطن" الذي يجعل من أي مواطن في أي مكان صحافيًا قادرًا على أن يكون مصدر خبر. ومن هنا اعتمد الجيش السوري الإلكتروني على استقطاب شباب سوريين من الأحياء السورية كافة، وأتاح المحال أمامهم لتشكيل صفحات بأسماء الشوارع التي يقطنونها ونشر ما يحص فبي هذه الأحياء بالساعة والخبر. أطلق الجيش السوري الإلكتروني عام 2013 حملة "شو ناطر"[14]، والتي تهدف إلى تجنيد شباب مهتمين بالعمل الإلكتروني، ليكونوا رديفين للعمل العسكري على الأرض.

الطير قبل اعتقاله (فيسبوك)
الطير قبل اعتقاله (فيسبوك)

وتبقى "دمشق الآن" الصفحة الأكثر جدلًا في سورية ككل وفي دمشق وريفها على وجه التحديد. في يوليو 2012، أسس الإعلامي السوري الموالي للنظام وسام الطير صفحة "دمشق الآن" الإخبارية كجهد منفرد، لكنه ضمن نفس الخط السياسي والإيديولوجي الذي يعتمده الجيش السوري الإلكتروني. يتابع الصفحة حاليًا حوالي 320 ألف متابع من داخل سورية وخارجها، ويعتمدون عليها كمصدر أساس للأخبار في البلاد. نشاط وسام الطير أدى إلى اعتقاله من قبل قوات النظام أواخر عام 2018، ليتم الإفراج عنه بعفو من بشار الأسد بعد نحو 9 أشهر من اعتقاله بتهمة "زعزعة الشعور الوطني" بسبب أزمة غلاء الوقود في البلاد. ما يميز "دمشق الآن" أنها صفحة قوية وموثوقة في أخبارها التي تؤيد سردية النظام السوري، وتعد مصدر أخبار لباقي حسابات وصفحات الناشطين الموالين والمعارضين على حد سواء.

عمليات الجيش السوري الإلكتروني و"الغربال"

وجذبت أعمال الجيش السوري الإلكتروني اهتمام قنوات النظام السوري التي شكلت قاعدة انطلاق مهمة له من خلال تسليط الضوء على إنجازاته من جهة، واستغلالها في تعبئة الخط الإخباري اليومي من جهة أخرى. تنقسم عمليات القراصنة إلى عمليات ذات إستراتيجية على المدى البعيد، وعمليات أمنية استخباراتية مرتبطة بسير العمليات العسكرية على الأرض في سورية. اخترق القراصنة السوريون موقع جامعة هارفرد الأميركية بتاريخ 26 سبتمبر 2011، في خطوة تعزز موقعهم خارج حدود سورية. لا علاقة لجامعة هارفرد بالثورة في سورية قبل تاريخ القرصنة، لكن ما يهم الجيش السوري الإلكتروني هو ترك رسالة "الجيش السوري الإلكتروني مرّ من هنا" على موقع جامعة من أعرق الجامعات في العالم. والأمر كذلك بالنسبة لاختراق موقع برنامج الاتصالات "تروكولر/ True Caller " في 16 يوليو 2013، وقيامهم بسحب بيانات المستخدمين والتهديد بنشرها، وكذلك موقع وكالة "ديل/ DELL" المتخصصة بتقنيات الحوسبة والاتصالات.

أما عدد الأهداف السياسية والعسكرية والإعلامية، فكان يعتمد على مدى التصعيد ضد النظام، سواء إعلاميًا أو سياسيًا أو عسكريًا. شكلت مواقع شبكة "الجزيرة" في قطر و"العربية" في الإمارات والسعودية و"سي إن إن" و"نيويورك تايمز" في أميركا الأهداف الإعلامية الأهم بالنسبة للقراصنة السوريين، في دلالة واضحة على تطور مسار الحرب الافتراضية والميدانية. في 29 يناير 2012، قرصن الجيش السوري الإلكتروني موقع "الجزيرة" الإخبارية ونشروا صورة لبشار الأسد مع العَلَم السوري، ردًا منهم على " الأخبار المغرضة والكاذبة التي تلفقها ’الجزيرة’". نشر الجيش السوري على حسابه على تويتر عملية اختراق صحيفة "لو موند/Le Monde " الفرنسية بتاريخ 20 يناير 2015، ونشر خبرًا مفاده أن الصحيفة والرئاسة الفرنسية تدعمان الإرهاب والتطرف في سورية ويجب على المجتمع الدولي التدخل.

هذه العمليات وجدت رواجًا على شاشة قناة "الدنيا" السورية الموالية للنظام والممولة من قبل رامي مخلوف، والتي أعاد إطلاقها باسم قناة "سما". اتخذ برنامج "الغربال" فيديوهات وصورا ومقالات نشرتها مواقع إخبارية عربية وغربية، كان الجيش السوري الإلكتروني قد تحقق منها، موادَّ رئيسة في حلقاته اليومية في إستراتيجية تهدف إلى دحض رواية هذه القنوات وإظهار فبركاتها، والادعاء عليها أنها تثير الفتن وتدعم الإرهاب عبر تمويلها المنصات الإعلامية التابعة للمعارضة السورية[15].

مستقبل الجيش السوري الإلكتروني

لا يمكن إنكار أثر التدخل الروسي والإيراني على الخط التحريري للمنظومة الإعلامية للنظام السوري. بدءّا من 2015، رافقت قنوات "روسيا اليوم" و"العالم" و"الميادين" الشرطة العسكرية الروسية وجيش النظام في العمليات العسكرية ضمن تغطية منها مباشرة ومنها توثيقية. إعلاميًا وإستراتيجيًا، تعد فيديوهات وتقارير ومعلومات "روسيا اليوم" الأقوى، خاصة وأن صلاحياتها مُطلقة على الأرض ولا تخضع لتوجيهات أي من الجهات الأمنية السورية؛ على عكس الإعلام السوري بحد ذاته. حدّت هذه الصلاحيات والمهنية العالية التي تمتعت بها "روسيا اليوم" على وجه التحديد،من أثر الجيش السوري الإلكتروني سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو عبر برامج كانت تروّج للعمليات التي يقوم بها. الدقة والمباشرة والتنسيق الأمني العالي والتقنيات المستخدمة من قبل "روسيا اليوم" لصالح إنتاج محتوى يضمن استمرارية وحصرية التعامل مع الأحداث في سورية وتغطيتها، ساهموا في ضياع الجيش السوري الإلكتروني وتشتيت حساباته دون عودة على "تويتر" و"إنستغرام" و"فيسبوك". لا ينبئ التفاعل الضئيل جدًا على حسابات التواصل الاجتماعي التابعة للجيش السوري الإلكتروني إلا بوجوده كأداة لبروباغندا بيد النظام السوري، على اعتبار أن هذه المنصات كانت قد استخدمت لحماية مصالح النظام السوري، شأنها شأن أي نظام شمولي في العالم. استفاد النظام السوري من الجيش السوري الإلكتروني في خلق هالة توحي بقدرته على إدارة المعارك الإلكترونية كما الحقيقية، وفي الترويج لصورته على أنه قادر على إحداث بلبلة على المستوى الافتراضي أو "الأمن السيبراني" إن صح التعبير. ومن جانب آخر، فإن تعبئة الجيش السوري الإلكتروني لقراصنة إلكترونيين ساهم في تثبيت وزن النظام السوري وقدرته على اختراق صفوف المعارضة وتخريبها في عمليات متقنة حصل من خلالها على معلومات سرية أدت إلى قلب موازين المعركة إلى حد بعيد.

قوة قراصنة الجيش السوري الإلكتروني، ووصول اسمه وحساباته العالمية، وتصنيفه على لائحة المنظمات الإلكترونية الإرهابية، خلق حالة من القلق لدى موسكو، ولا سيما وأن هذا الجيش يمكنه إعادة تجميع نفسه وتشكيل فرق يمكنها أن تضر بمصالح موسكو على المدى البعيد. لا يمكن نفي رغبة روسية في إقصاء الجيش السوري الإلكتروني، لا سيما وأن عام 2015 كان آخر عام فيه نشاط حقيقي لقراصنة الجيش السوري الإلكتروني. في هذا يكون شأنه شأن أي قوة إلكترونية تدربها روسيا لصالحها، مثل "سايبر بيركوت"، ومن ثم تتخلص منها في محاولة لتفادي خطر مستقبلي محتمل على مواقعها.


المصادر والمراجع:

  • Cosentino, G. (2020). Post-truth Politics in Syria:‘Rumor Bombs’ on the White Helmets. In Social Media and the Post-Truth World Order (pp. 87-111). Palgrave Pivot, Cham.
  • Fitton, O., Prince, D., Germond, B., & Lacy, M. (2015). The future of maritime cyber security.
  • Lohlker, R. Syria and propaganda warfare: the Syrian Electronic Army.
  • Ozgul, B. A. (2020). How the Peaceful Protests Turned into Armed Struggles in Syria. In Leading Protests in the Digital Age (pp. 153-192). Palgrave Macmillan, Cham.
  • Smith, P. (2020). Russian Electronic Warfare.
  • Warren, M., & Leitch, S. (2016). The Syrian Electronic Army–a hacktivist group. Journal of Information, Communication and Ethics in Society.
  • WASUWONG, C. P. (2016). The study of ideological bias through collocations in Syrian conflict news from CNN and Russia Today news outlets (Doctoral dissertation, THAMMASAT UNIVERSITY).
  • الجيش السوري الإلكتروني سلاح التحليل، موقع سايبر أرابس
  • https://www.cyber-arabs.com/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A-%E2%80%93-%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A/
  • إطلاق سراح وسام الطير: موقع المدن. https://www.almodon.com/media/2019/8/9/%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%AD-%D9%88%D8%B3%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%8A%D8%B1-%D8%A8%D8%B9%D9%81%D9%88-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AF
  • مؤشر بيت الحرية: سورية 2020
  • https://freedomhouse.org/country/syria/freedom-world/2020

[1] كانت قضية الصراع مع إسرائيل وأميركا ذريعة لاستقطاب شباب من كليات الهندسة المعلوماتية، والمعهد الصناعي تخصص حواسيب وأتمتة من أجل الانخراط في أعمال القرصنة والاختراق.

[2] إعلامية سورية عملت مذيعة في قناة الجزيرة، لتتركها عام 2011 وتعود للعمل في القناة الإخبارية الأولى في دمشق. عملت مستشارة إعلامية لرئاسة الجمهورية حتى عام 2017. متزوجة من عمار ساعاتي، رئيس اتحاد الطلبة في سورية، والمسؤول الفرعي عن كتائب البعث.

[3] إدارة أمن الدولة: جهاز مخابرات مستقل، يتبع مباشرة لمكتب أمن رئاسة الجمهورية. عمل اللواء إبراهيم صافي رئيسًا للإدارة بين عامي 2010 و2011. ويتبع للإدارة أفرع مثل: فرع الاتصالات (بلا رقم) والفرع الفني (211)، ويرتبط بها فرع أمن الضباط (293) المسؤول عن ملفات الضباط ومراقبة تحركاتهم.

[4] باللغة الإنكليزية: Uses and Gratifications

[5] في مقابلة حصرية، وتعدّ استثنائية في مسيرة الجيش السوري الإلكتروني، أجرتها قناة الميادين ونشرت بتاريخ 26/9/2013، قال أحد مؤسسي الجيش السوري الإلكتروني أنهم احتفلوا بمناسبة إغلاق حساباتهم من قبل فيسبوك للمرة ال 200 على التوالي. بعدها جاءت عملية اختراق موقع غينيس للأرقام القياسية ونشروا خبرًا أن "الجيش السوري الإلكتروني يدخل موسوعة غينيس بأكبر عدد مرات إغلاق وصل ل 200 مرة متتالية".

https://www.youtube.com/watch?v=Yy3EeB87su0

[6] بعد تصنيف الجيش السوري الإلكتروني كمنظمة إرهابية، أغلق يوتيوب حسابهم الرسمي الأول، ليعادوا فتح حسابات جديدة لكن بمحتوى أقل جرأة من ذي قبل.

[7] رابط القناة الرسمية للجيش السوري الإلكتروني على يوتيوب https://www.youtube.com/channel/UCX5EfSxWRlcbPJHZQfk-WBA

[8] اعتمد الجيش السوري الإلكتروني على شبّان سوريين موجودين خارج الحدود السورية كأذرع إلكترونية خارج الحدود ضمن برنامج "نوبات" متتالية على مدار 24 ساعة.

[9]مكالمة هاتفية مع ر. ن. أحد المنتسبين السابقين إلى الجيش السوري الإلكتروني، اعتقل بتهمة إفشاء أسرار أمنية في داريا عام 2014 وخرج من المعتقل ضمن صفقة تبادل أسرى. وغادر سورية إلى تركيا ومن ثم طلب اللجوء في ألمانيا. حتى اعتقاله، عمل في فريق الاستطلاع الإلكتروني المسؤول عن إنشاء حسابات بأسماء مستعارة، وأحيانًا حقيقية، للاطلاع على أعمال الناشطين والتغرير بهم.

[10] فريق استخبارات إلكتروني تابع للجيش السوري الحر، غالبا يعتمد نفس تكتيك الاستخبارات العسكرية السورية في تعقب النشطاء والتجسس عليهم.

[11] يضم برنامج الأغذية العالمية العديد من البرامج والفعاليات التي امتدت إلى الغوطة الشرقية وداريا والمعضمية في ريق دمشق، وكانت حسابات المتطوعين العاملين مع شركة "نزهة لوجستيكس" عرضة لقرصنة من جهة الجيش السوري الإلكتروني بحجة الاشتباه بتعاملهم مع قوات المعارضة.

[12] حمزة الخطيب طفل سوري من محافظة درعا وجد مقتولًا على أطراف المدينة بعد تعذيبه من قبل شبيحة النظام السوري.

[13] رابط منشور من صفحة حمزة الخطيب https://www.facebook.com/155016371230775/posts/293494504049627/

[14] نسق حملة "شو ناطر" قائم على تأمين ناقلي أخبار حقيقيين من وشارع سورية. الانضمام إلى الجيش السوري الإلكتروني كان يتم عبر مراسلة الأعضاء على البريد الخاص بالصفحة أو عبر إنشاء صفحات خاصة تتبع نفس الخط التحريري والإيديولوجي الخاص بهؤلاء القراصنة.

[15] يقدم الإعلامي السوري سالم حاج بكري برنامج الغربال بمعدل عشرين دقيقة يوميًا، وبدأ عام 2012. https://www.youtube.com/watch?v=hd9raCPWRno

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ