"قانون قيصر": ضرر على المدنيين لا يمكن تجاوزه

"قانون قيصر": ضرر على المدنيين لا يمكن تجاوزه
من دمشق (أ ب)

التهمت الحرب الدائرة في سورية منذ عام 2011 ما لا يقل عن 60% من أراضيها. وأضحى الخراب سمة البلاد خلال تسع سنوات مضت، ولا يزال النظام السوري قائمًا بفعل دعم الحلفاء الذين يربطون مصالحهم ببقائه. وإن كانت الجهود الدولية الحثيثة ومساعي دول العشرين وحلف الناتو ودول مجموعة أصدقاء سورية لم تفلح في اتخاذ أي قرار من شأنه أن ينهي سلطة النظام السوري القائمة، فإن هذا بسبب اعتمادها على توجيه عقوبات على النظام بحد ذاته دون الالتفات إلى الأطراف المساهمة في بقائه.

كان قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2042 الصادر عام 2012، والقاضي بسحب النظام آلياته العسكرية من المدن وإيقاف شلال الدم، من أوائل القرارات التي صدرت في سياق حماية المدنيين على الأراضي السورية، والسماح بتقديم مساعدات إغاثية للمتضررين جراء ضربات آلة القتل الهمجية. كان للفيتو الروسي والصيني، بصفتهما أكبر داعمي النظام السوري، دوره في التصدي لقرار أممي يدعم خطة الجامعة العربية القاضية حينها بتنحي الأسد، وتسليم زمام الأمور لنائبه. وفي عام 2015، عقد مجلس الأمن اجتماعًا تقدمت خلاله الولايات المتحدة بمشروع قانون رقم 2254 القاضي انتقال سلمي للسلطة في سورية والإفراج عن المعتقلين السياسيين والمدنيين والعسكريين، وإيقاف الهجمات ضد الأهالي وضمان عودة النازحين إلى ديارهم، وتسهيل دخول فرق الإغاثة إلى جميع المحاصرين في المدن والبلدات السورية. وصولًا إلى شباط/فبراير عام 2018، صوّت أعضاء مجلس الأمن على قرار أممي يطالب بهدنة إنسانية عاجلة مدتها لا تقل عن 30 يومًا بعد القصف الشديد الذي تعرضت له الغوطة الشرقية. هذه القرارات والقوانين، وغيرها التي صدرت لإدانة الأسد أو لوقف الاعتداءات على المدنيين، لم تؤتِ ثمارها، كونها وجّهت نحو النظام ووزاراته. إلى أن جاء "قانون قيصر" وفي جعبته عقوبات استثنائية، صفةً وتنفيذًا، كونها لا تطال النظام ورؤوسه فحسب، بل تطال داعميه على نطاق واسع.

التسمية

قبل يومين من مفاوضات جنيف عام 2014 حول القضية السورية، جاء انشقاق عنصر المخابرات الذي استخدم اسم "قيصر" لإخفاء هويته الحقيقية ضمن سلسلة الانشقاقات العسكرية التي حصلت في صفوف الجيش وأجهزة المخابرات التابعة للنظام السوري. عمل قيصر مصوّرا في الطبابة الشرعية التابعة للشرطة العسكرية، وشهدت عدسته أبشع عمليات التعذيب داخل سجون الأفرع الأمنية ومعتقلات القوات الرديفة للجيش النظامي، ووثّقت لحظات تعذيب ومقتل ما لا يقل عن 11 ألف معتقل. انشق "قيصر"، وحمل في ذاكرة آلة التصوير الخاصة به حوالي 55 ألف صورة حتى عام 2014، وسربها إلى منظمات إنسانية وصفحات إلكترونية ساعدت على وصول "قيصر" إلى الكونغرس الأميركي لتقديم إفادات تثبت عمليات القتل والتعذيب الحاصلة في سجون النظام. أشرف على عملية التحقق من الصور نخبة من الخبراء الجنائيين الدوليين، بالإضافة إلى محامين وخبراء في القانون الجنائي الرقمي التابعين لمؤسسة "كارتر-راك/Carter-Ruck " البريطانية، التي حصلت على عقد وتمويل من قطر من أجل إتمام المهمة.

الخط الزمني للقانون

أثناء حقبة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، كان العمل السياسي الرامي لإيجاد مخرج للأزمة السورية في أوجِه، ومن منطلق عدم الرغبة في تشتيت هذه المساعي، لم يتم اتخاذ أي إجراء يتماشى مع شهادات "قيصر" أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس. وفي 22 كانون ثان/ يناير عام 2014، تسببت الصور بفشل مفاوضات جنيف، وادّعى النظام السوري فبركة هذه الصور التي شهدت أكبر تفاعل دولي في تشرين أوّل/أكتوبر 2014 بعد أن عرضت في متحف ذكرى الهولوكوست في واشنطن. وفي عام 2015، نشرت الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي حوالي 7000 صورة على موقع الجمعية وحساباتها الإلكترونيّة، الأمر الذي أحدث ضجة على المستوى الأهلي في سورية، خاصّة في ظل التعتيم الأمني على المعتقلات، ومجهولية مصير المعتقلين في أقبية المخابرات السورية. عام 2015، نشرت منظمة حقوق الإنسان تقريرًا خاصًا حمل عنوان "لو تكلم الموتى: الوفيات الجماعية والتعذيب في المعتقلات السورية"، في محاولة لنفي سردية النظام القائمة على فكرة مفادها أن أي أحدٍ بإمكانه الحصول على صورة لأي شخص والادعاء بوجود تعذيب.

من دمشق يرفعون أعلام روسيا وإيران (أ ب)
من دمشق يرفعون أعلام روسيا وإيران (أ ب)

أُعيد النظر في شهادات "قيصر" في عهد الرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب، وتم تمرير مشروع للقانون في عام 2017 من قبل مجلس النواب، ليُصار إلى طرحه على مجلس الشيوخ الذي رفضه في بداية الأمر. وبعد ضغط المجتمع الدولي، وخاصة من قبل "المجلس السوري الأميركي"، طوّرت صيغة قانون ربطت بخطة وزارة الدفاع الأميركي. وبالفعل ربط مع قانون إقرار الدفاع الوطني الأميركي، بُغية أن يحظى بدعم أكبر من مجلس الشيوخ والنواب في آن معًا. وتحت اسم "قانون قيصر لحماية المدنيين في سورية لعام 2019"، صادق الكونغرس على بعض التعديلات التي لحقت بالقانون، الذي يعتبر استثنائيًا كونه يطاول العديد من رموز النظام السياسية والاقتصادية والفعاليات الخاصة المحلية والأجنبية التي لها مساهمة في دعمة النظام في عمليات القمع.

فئات الصور

بحكم الصرامة الأمنية المشبعة داخل النظام السوري، فإن أجهزة الاستخبارات تعمل على توثيق يوميات الأفرع التابعة لها، ضمن سرية تامة، وعلى أيدي عناصر يحظون بثقة عالية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الجهاز الطبي العسكري، المتمثل بشكل رئيس في مشفى حرستا العسكري ومشفى تشرين العسكري ومشفى المزة 601 العسكري في دمشق، من شأنه توثيق الإصابات والوفيات في صفوف قوات النظام جراء المعارك الدائرة، وتسجيل وفيات الجنود العسكريين الذين اعتقلوا على خلفية محاولات انشقاق. وبطبيعة حال انقسام البلاد إلى معارضة وموالاة، فإن ما يمكن أن نجده في صور "قيصر" يتعلق بهاتين الفئتين سواء من ناحية التوثيق أو من ناحية إحداثيات الصورة الزمانية والمكانية.

تنقسم الصور التي سربها "قيصر" إلى ثلاث فئات: الأولى تضم صورًا لمعارضين ومتظاهرين سوريين قضوا تحت التعذيب في الأفرع الأمنية أو في نقاط تجميع معتقلين ميدانية بحسب مراكز العمليات التي يشنّها النظام. أحد أبرز أساليب الإذلال في أقبية المخابرات السورية أن المعتقل لا يحمل اسمًا ولا يُعرض أمام المحققين إلا بصفته رقمًا يتم تعيينه بحسب رمز الجهة الأمنية التي تحقّق معه (حرف الجيم للمخابرات الجوية، حرف العين للمخابرات العسكرية، حرف الفاء لفرع فلسطين)، وبحسب الملف الأمني الخاص به، وهذا ما يفسر عدم إمكانية التعرف على جثث المعتقلين في صور "قيصر" عن طريق الاسم الحقيقي، إلا عن طريق ذكر رقم الفرع الأمني ورقم جثته من أيّ من المشافي العسكرية تم استلامه للدفن. أما الفئة الثانية فتحتوي صور جنود سوريين وعناصر قوى أمنية وعناصر قوات رديفة قضوا في المعارك الدائرة أو في الأسْر لدى المعارضة. ما يميز صور هذه الفئة وجود اسم صاحب الجثة، مسبوقة بكلمة "شهيد"، مع الرتبة العسكرية الخاصة به. تضم الفئة الثالثة الإحداثيات الخاصة بكل جثة. هنالك من الصور ما التقطه "قيصر" في أعقاب تفجيرات أو في أعقاب محاولات اغتيال أي من الشخصيات، وهناك ما التقطه في الأفرع الأمنية وفي مشارح المشافي العسكرية التابعة لوزارة الدفاع السورية.

خصائص ورسائل "قانون قيصر"

يأتي "قانون قيصر" ضمن جملة القوانين التي أصدرتها الولايات المتحدة الأميركية في سبيل الضغط على النظام السوري وإخضاعه من جهة، وترويض حلفائه من جهة أخرى. منذ عام 1979، لا تزال سورية تخضع لعقوبات دولية، اقتصادية وسياسية وعسكرية، نتيجة لقيامها بالتدخل العسكري في لبنان وإرساء نقاط عسكرية لصالح الجيش والمخابرات السورية حتى عام 2005، ونتيجة لادعاء أميركي قائم على فكرة سعي دمشق الدائم وراء امتلاك أسلحة دمار شامل تهدد الأمن الإقليمي، وإسرائيل على وجه الخصوص. تمددت هذه العقوبات في عهد باراك أوباما، وازدادت حدتها بعد 2011، من أجل الضغط على نظام الأسد وجرّه إلى حل سياسي بالتوافق مع حلفاء النظام وحلفاء المعارضة.

ما يميز "قانون قيصر" هذه المرة هو أن العقوبات لا تطال نظام الأسد مباشرة - وإن كانت عائلة الأسد ومخلوف وشاليش من العائلات المشمولة في العقوبات - بل تنال من داعميه وشركاتهم المحلية التي تعمل على تمويل ودعم النظام بأي شكل من الأشكال. بالإضافة إلى ذلك، فإن العقوبات تطاول المؤسسات والهيئات الحكومية والمؤسسات الخاصة ورجال الأعمال وأصحاب الفعاليات العاملين في دمشق، والذين يسهمون بشكل أو بآخر برفد خزينة التسليح التي يعتمد عليها الأسد في صفقات السلاح مع روسيا.

النظام السوري أصبح ضعيفًا لدرجة أنه لا يقدر على القيام بأعباء المرحلة القادمة، وبعد أن أصابت العقوبات الأميركية مموليه، لم يعد بمقدوره أن يعوّل على جهد أي من روسيا أو الصين أو إيران، أو الإمارات العربية المتحدة، أو من دول الاتحاد الأوروبي. سياسيون ورجال أعمال وأصحاب فعاليات دولية وشركات ومؤسسات دولية هم أهداف العقوبات هذه المرة، ما يقطع الطريق أمام النظام في مرحلة إعادة الإعمار. قبل تمرير "قانون قيصر"، سعى النظام لاستجرار عقود من شركات إماراتية وروسية وصينية من أجل القيام باستثمارات تضمن إعادة إعمار أجزاء حيوية من البلاد، وأهمها في دمشق وحمص. تشكل مجمعات "ماروتا سيتي" في دمشق نقطة التقاء العديد من المستثمرين الإماراتيين والروس والإيرانيين، الأمر الذي يجعل إعادة الإعمار مسألة بالغة الأهمية بالنسبة لهؤلاء المستثمرين. وفي ذات الوقت، ألغت وزارة النفط السورية القيود على تصدير النفط إلى روسيا، بعد المصادقة على تمرير صفقات لصالح الشركتين الروسيتين "ميركوري" و"فيلادا"، الأمر الذي يضمن لروسيا مقعدًا لا ترغب به أميركا في سورية وعموم الشرق الوسط.

ربّما أرادت إدارة ترامب أن تجهز في هذه العقوبات على أي قطاع حيوي في المرحلة المقبلة مثل قطاعات الاقتصاد والمصارف، والنفط والغاز، القطاع العسكري والتسليح، والبناء والهندسة. وعلى الرغم من أن معظم هذه القطاعات هي مسبقًا تحت عقوبات منذ عهد أوباما، إلا أن الجهات المشمولة حينها هي جهات داخلية أبرزها شركات رامي مخلوف ومحمد حمشو. أمّا الآن فقد توسع نطاق العقوبات، وطالت حتى شركات خليجية، إماراتية وكويتية، وأوروبية كانت يومًا ضد أعمال الأسد. التفتت أميركا إلى الدور الإماراتي والكويتي بعد مشاركة الشركات الكويتية والإماراتية في معرض دمشق الدولي في جميع دوراته بعد عام 2017، الأمر الذي أعطى فرصة لهذه الشركات لتوقيع عقود استثمار سياحية في سورية بعد انتهاء الحرب. وإلى الآن، ما تزال هذه الشركات تشتري مساحات واسعة من أجل المشاريع السياحية في البلاد. أطلق ترامب تحذيرات للشركات الأوروبية التي من المحتمل أنها تعمل على تمويل النظام السوري وبيعه سلاحًا نوعيًا، وأهمها مجموعة شركات ألمانية شملت أسماء مثل "شوت" و"كولب" وميرك" زودت النظام السوري بأسلحة كيماوية منذ عام 1990 حتى عام 2014، الأمر الذي جعلها عرضة للعقوبات.

معرض صور قيصر (أ ب)
معرض صور قيصر (أ ب)

وما يميز "قانون قيصر" هو أن واشنطن سعت إلى فرض عقوبات على أي من الشركات العالمية التي من شأنها أن تدعم الأسد، حتى وإن كانت من شراكات الولايات المتحدة. ونظرًا لاتساع رقعة التأثير هذه المرة، لا تفرض العقوبات الأميركيّة مرة واحدة، بل عمدت واشنطن إلى تركيز العقوبات في يدها ولمدة عشر سنوات، قابلة للتمديد أم لا، بحسب ما تجده من تعاون من قبل الحلفاء المتورطين في مأساة الشعب السوري. بدأت المرحلة الأولى في حزيران 2020، لتشمل مجموعة عقوبات على مصرف سورية المركزي، والتي كانت نتائجها غير حميدة على الشارع السوري الذي بدأ يعاني بدوره من العقوبات أكثر مما يعانيه هيكل النظام بحد ذاته. من المؤكد أن المرحلة الأولى لن تشكل ضربة قاصمة للنظام السوري، الذي أثبت أنه ماضٍ في أداته القمعية، إلا أن فاعلية "قانون قيصر" تكمن في ما إذا كانت إدارة ترامب قادرة على القيام بأعباء تنفيذ بنوده، بينما تعمل في ذات الوقت على متابعة العملية السياسية والدبلوماسية. وسيتطلب الأمر من إدارة ترامب ضمان حصول المسؤولين عن العقوبات على الدعم اللازم من أجل البقاء على نفس الوتيرة على المدى البعيد. تختلف العقوبات هذه المرة من حيث الجدوى لتكون اقتصادية، لا عسكرية؛ كون أن العسكرية لم تؤتِ أكلها بدءً من عام 2012 إلى الآن بسبب الدعم غير المتناهي من قبل روسيا وإيران. الهدف الأساسي لـ"قانون قيصر" هو حماية المدنيين السوريين، وجر النظام إلى محادثات الأمم المتحدة وقرارها 2254 الداعي إلى الانتقال السياسي للسلطة في البلاد، وبالتالي فإن قانونًا مثل هذا يرسخ في الأذهان أن القضية السورية لا تزال تشغل بال كلٍ من الديمقراطيين والجمهوريين، لأنهم لا يرغبون ببقاء الثلّة الحاكمة على ما هي عليه في سورية. إلا أن ما يؤكد عليه كلا الحزبين أن المساعدات الإنسانية لا تزال قائمة للشعب السوري وأن الأمم المتحدة ماضية في جهودها لحث الاتحاد الأوروبي على إرسال مساعدات للشعب السوري بقيمة 6 مليار دولار، هي الأضخم منذ عام 2011، خاصة في ظل انتشار فايروس كورونا في البلاد. تعطي الولايات المتحدة الأميركية بهذا القانون الدول الساعية لإعادة إعمار سورية إنذارًا أن عقود إعادة الإعمار التي أبرمت مع التزام السوري بعد عام 2017 لن تتم، طالما أن الحل السياسي لم يتبلور بعد، وبالتالي ما على هذه الدول إلى الانصياع للعقوبات التي يشتمل عليها القانون وتأجيل إعادة الإعمار حتى ينتهي الأمر بحل سياسي.

تداعيات القانون وعيوبه

ربط ترامب "قانون قيصر" بميزانية وزارة الدفاع الجديدة، والمقدرة حوالي 740 مليار دولار من أجل ضمان تنفيذ حقيقي وواسع النطاق للعقوبات الواردة في بنود القانون. وإذ تضرب العقوبات حلفاء الأسد، إلا أن سورية التي خسرت ما لا يقل عن نصف مخزونها البشري بين مهاجر ونازح وقتيل ومفقود منذ 2011، هي المتضرر الأكبر من هذه العقوبات في ضوء الضغط الاقتصادي والعزل السياسي المطبق عليها. تزداد المخاوف يومًا بعد يوم أن تداعيات العقوبات تطاول المدنيين لا رؤوس النظام بحد أنفسهم، طالما أن هؤلاء لم يعانوا من الجوع والفقد المالي بفعل الأزمة. ما يحصل في سورية في واقع الأمر هو اندثار الطبقة الوسطى وضمها إلى الطبقة الفقيرة بفعل العقوبات القديمة والانهيار الحاد بقيمة الليرة السورية أمام الدولار الأميركي (3000 ليرة سورية مقابل دولار أميركي واحد) الأمر الذي ينذر بمأساة حقيقية إذا ما بقية الحكومة السورية عاجزة بمكوناتها عن تدارك أزمة مجاعة حقيقية. أما بالنسبة لمشاريع إعادة الإعمار، فهي لكبار المستثمرين، وبالتالي فإن عائداتها لن تؤثر على الطبقة الفقيرة وليس من شأنها كما يدعي بعض المستثمرين أنها ستحسن من واقع الطبقة الفقيرة في البلاد. ومن ثمّ فإن عقوبات بهذا الزخم والكثافة من شأنها أن تزيل قطاعات حيوية كقطاع الصناعات الدوائية والصناعات الغذائية والصناعات البترولية (وهي الآن بحكم المندثرة ي ضوء التحكم الروسي والأميركي بالقطاع النفطي) وستعرقل عملية الانتعاش الاقتصادي، إذا ما كان هناك أي منها على المدى البعيد. يمكن القول إن النظام يستغل قيود وعقود إعادة الإعمار في خطوة منه نحو تعزيز سطوته في مرحلة ما بعد الحرب، عبر مصادرة الأملاك والأر اضي لصالح مشاريع خاصة بمستثمرين سوريين وأجانب عبر نزع أملاك هذه العقارات من أيدي الفقراء، خاصة في أطراف العاصمة دمشق، وضمها إلى ملكية الدولة ضمن قانون الاستملاك رقم 20 الصادر عام 1983 وتعديلاته بعد عام 2010، والقاضي بأنه يجوز للوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والجهات الإدارية، ولجهات القطاع العام أن تستملك العقارات المبنية وغير المبنية سواء كانت ملكًا صرفًا أو ملكًا للوقف، أو مثقلة بحقّ وقفيّ وذلك بغرض تنفيذ مشاريعها ذات النفع العام المنصوص عليها في هذا المرسوم، والتي تشمل بناء الطرق والمنشآت السياحية ومشاريع التموين والإنماء وغيرها. ولهذا فإنه من الأجدر أن يرفق الاستثمار في البلاد في مرحلة ما بعد الحرب بإصلاحات قانونية من شأنها حماية الملكيات وإصلاح نسق الاستثمار في البلاد.

أمّا على قطاع النفط والغاز والقطاعات المتصلة كالتعدين والبتروكيماويات، فإن العقوبات القاسية المفروضة على شركات النفط والغاز الأجنبية العاملة في سورية ستخلف نقصًا حادًا في الناتج النفطي، وبالتالي ستخلف عجزًا في نسبة الصادرات النفطية وحتى في نسبة الاستهلاك الداخلي. تصدر سورية حوالي 60% من الناتج النفطي من آبار المنطقة الشرقية (والخاضعة حاليًا لرقابة روسية-أميركية) بينما تؤمن فقط ما نسبته 25 بالمئة من مجمل حاجاتها في السوق الداخلية السورية، ما يضع البلد تحت ضغط طاقوي هائل في حال استمرت العقوبات كما هو من المخطط لها على مدار عشر سنوت. وبغض النظر عما يحصل منذ عام 2013 من استخدام الآبار النفطية بطرق غير شرعية من قبل السكان المحليين في المنطقة الشرقية ومن قبل قوات داعش والقوات الأميركية، إلا أن هذا لا يعني أن واقع تلك المنطقة التي تزخر بالنفط بأمان؛ إذ أن البنية التحتية للقطاع النفطي منهارة تمامًا، ولا يمكن لأي شركة مستثمرة أن تقدم على إبرام أية عقود جديدة مع النظام لإنعاش القطاع النفطي تحت وطأة عقوبات قيصر.

على الرغم من أن المساعدات التي ستقدمها والبرامج الإنمائية الضعيفة التي تتبناها لا يمكنها أن تسد رمق ما يقارب 16 مليون سوري يعانون وطأة الحرب في البلاد، يترك "قانون قيصر" مساحة أمام المنظمات غير الحكومية للعمل ضمن الأراضي السورية تماشيًا مع المادة رقم 302 من القانون، والتي تقضي بحق الرئيس الأميركي بالسماح لمنظمات العمل الإغاثي بتقديم المساعدات في سورية. إلا أن هذه المادّة لا يمكن تطبيقها نظرًا إلى أن موادَ أخرى من القانون تفرض حظرًا بريًا وبحريًا وجويًا على شركات الشحن والمصارف التي تموّل هذه المنظمات والتجار الذين يقومون بتسهيل حركة البضائع داخل وخارج البلاد، وبالتالي فإن منظمات مثل الهلال الأحمر السوري والصليب الحمر وجمعيات مثل "جمعية نور للإغاثة والتنمية" و"جمعية العرين" لن تغامر بالعمل في ظل هذه العقوبات خوفًا من اختراق القانون وتعرضها لاحقات لعقوبات أكبر.

ردود النظام السوري وحلفائه

تتضمن المادة رقم 401 من القانون ست تفصيلات رئيسة يمكن بموجبها رفع وتخفيف العقوبات عن سورية. وتشمل إيقاف الضربات الجوية السورية والروسية ضد المدنيين، وفك الطوق عن المناطق المحاصرة من قبل القوات السورية والروسية والإيرانية النظامية والرديفة، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي القابعين في سجون النظام السوري، لإيقاف قصف المنشآت الصحية والمدنية في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، بالإضافة إلى تأمين عودة آمنة للمدنيين السوريين النازحين واللاجئين، وأخيرًا محاسبة مجرمي الحرب في سورية. تضمن هذه التفصيلات رفع العقوبات عن سورية في حال رضخ النظام السوري لها، وأبدى تجاوبًا مع المتطلبات التي بني عليها "قانون قيصر". في واقع الأمر، فإن ما تقوم به قوات النظام السوري والقوات الروسية لا يبشر بانفراج على مستوى التخفيف من العقوبات، بل من شانها أن يزيد زخمها في حال استمر قصف المدنيين. على مستوى الوزارات السورية، لم تتخذ حكومة النظام أي إجراء من شانه أن يخفف العقوبات عن الشارع السوري، بل جعلت من الشعب السوري أداة ضغط على المجتمع الدولي في سبيل رفع العقوبات عن البلاد. وعلى وقع تهاوي الليرة السورية، يواجه النظام السوري موجة جديدة من الاحتجاجات كان أهمها في السويداء ودرعا وحلب وريف اللاذقية، ومبعض مناطق ريف دمشق، الأمر الذي ينذر بعدم مقبولية النظام حتى في مناطق سيطرته. عبء كبير يقع على عاتق وزارة الصحة، خاصة بعد دخول سورية على خط انتشار جائحة كورونا، ووزارتي النفط والكهرباء، ووزارتي الاقتصاد والتجارة الداخلية في مواجهة العقوبات، لكن ما يثير الجدل هو عدم قدرة هذه الهياكل على القيام بأبسط إجراء من شأنه الحد من تدهور الوضع داخليًا، طالما أن وزارات أخرى، كالدفاع والداخلية، لا تزالان تعملان في نفس وتيرة الاعتقالات والمداهمات والقصف العشوائي على المدنيين، على عكس ما هو متوقع من قبل إدارة ترامب.

أما الحلفاء بمختلف تفصيلات علاقاتهم مع النظام، فإنهم يسعون إلى الاستمرار في الحملات الداعمة له، استمرارًا لجهودهم في السيطرة على ما تبقى من سورية، كلٌّ حسب الخط العسكري والسياسي والاقتصادي الذي يسير عليه منذ بداية الحرب. روسيا وإيران والصين ودول أوروبية ودول خليجية، كلها تسعى إلى إحداث تغيير لصالحها ووضع قدم في سورية لما تتمتع به من مساحة إستراتيجية من شأنه أن تغير في قواعد اللعبة الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

على الطرف المقابل، تبدو إدارة ترامب معنية في تمرير القانون وإنجاح العمل عليه كون القانون يشكل خطرًا على إدارة الولايات المتحدة على المدى البعيد في حال عدم تمكنها من ردع الحلفاء عن التعامل مع دمشق. في حال فشل إدارة ترامب في إيقاف تمويل النظام السوري من قبل شركات عالمية، فإنه سيواجه خطر الاتهامات بعدم فاعلية "قانون قيصر" أمام ضغط دولي بردّ العقوبات ضده من قبل الحلفاء، بالإضافة إلى تعرضه لاتهامات بازدواجية المعايير في ظل ما تعانيه إدارته الحالية من مشكلات ناجمة عن سوء إدارة المجتمع الأميركي والقيام بأعباء التصدي لجائحة كورونا، وعدم القدرة على حل مشكلة العنصرية التي تسببت باحتجاجات عمت البلاد.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ