سورية: هل تتحوّل محافظة إدلب إلى "قطاع غزة جديد"؟

سورية: هل تتحوّل محافظة إدلب إلى "قطاع غزة جديد"؟
حيّ تضرر بشدة من الغارات الجوية في إدلب (أ ب)

بعد هجمات عسكرية عدة انتهت باتفاقات تهدئة، تبقى أجزاء واسعة من محافظة إدلب ومحيطها في شمال غرب سورية، المعقل الأبرز الأخير لفصائل مسلّحة من بينها معارِضة للنظام. وقد شهدت المنطقة الخاضعة اليوم لهيئة تحرير الشام وفي أجزاء كبيرة منها لنفوذ تركيّ، تدفق أكبر موجات النزوح في العالم إليها.

وتحظى محافظة إدلب بأهمية إستراتيجية، فهي تحاذي تركيا التي باتت تتمتع بنفوذ كبير داخل سورية، بعد دخولها على خط النزاع من منطلق دعم المعارضة، من جهة، ومحافظة اللاذقية، معقل الطائفة العلوية التي ينتمي إليها رئيس النظام السوري، بشار الأسد، من جهة ثانية.

وتقع إدلب، مركز المحافظة، على مقربة من طريق حلب - دمشق الدولي الذي شكل لسنوات هدفا لقوات النظام إلى أن تمكّنت إثر هجمات عدة، من استعادته كاملا.

وانضمت إدلب، سريعا إلى ركب الاحتجاجات عند انطلاقها ضد النظام بدءا من آذار/مارس 2011. وفي عام 2015، سيطر عليها ائتلاف فصائل معارضة ومقاتلة بينها جبهة النصرة آنذاك قبل فكّ ارتباطها عن تنظيم القاعدة. لكن ومنذ عام 2019، باتت المحافظة ومناطق محاذية محدودة من محافظات حماة وحلب واللاذقية تحت السيطرة الفعلية لهيئة تحرير الشام، قبل أن تتقدم قوات النظام في جنوبها تدريجيا، بعد عمليات عسكرية كان آخرها في نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2019.

وتقلّصت بالتالي مناطق سيطرة الهيئة إلى أقل من نصف مساحة إدلب.

ونقلت وكالة "فرانس برس" عن الخبير في الجغرافيا السورية، فابريس بالانش، قوله، إن الهيئة والفصائل تسيطر اليوم على ثلاثة آلاف كيلومتر مربع، مقارنة مع تسعة آلاف كيلومتر مربع عام 2017.

ومنذ الهجوم الأخير، يسري في محافظة إدلب اتفاق تهدئة برعاية روسية - تركية.

وتتحكّم هيئة تحرير الشام بتلك المناطق، وتتولى من خلال مؤسسات مدنية واجهتها "حكومة الإنقاذ"، وأجهزة أمنية وقضائية خاصة بها، تنظيم شؤون نحو ثلاثة ملايين نسمة، غالبيتهم من النازحين.

وتجني الهيئة عائدات من حركة البضائع عبر المعابر مع كل من مناطق سيطرة النظام وتركيا.

ويبلغ عديد مقاتليها نحو عشرة آلاف، وفق تقرير حديث للأمم المتحدة يشير إلى أن الهيئة تحتكر توزيع الوقود، وتبلغ قيمة أرباحها نحو "مليون دولار شهريا".

مخيّم للنازحين بمحافظة إدلب (أ ب)

وتتحكّم الهيئة كذلك بـ"توزيع المساعدات الإنسانية" و"تصادر جزءا منها لدعم شبكاتها الزبائنية". وتنتشر في المنطقة أيضا فصائل متحالفة مع الهيئة أو على خلاف معها، وأخرى إسلامية أو لا أقل نفوذا، تدعمها أنقرة وتشهد علاقتها مع الهيئة توترا نسبيا.

واستقطبت إدلب خلال النزاع مقاتلين يحملون جنسيات عدة، من فرنسا وبريطانيا ودول القوقاز. ومن بين الفصائل الجهادية؛ تنظيم "حراس الدين" المرتبط بالقاعدة ويحوي في صفوفه بين ألفي و2500 مقاتل، وفق الأمم المتحدة، ويضم مقاتلين سوريين وأجانب سبق أن قاتل بعضهم في العراق وأفغانستان كذلك.

وينتمي ما بين ثلاثة آلاف و4500 مسلح إلى الحزب الإسلامي التركستاني، وغالبيته من أقلية الأويغور في الصين. أما الفصائل الأخرى فينضوي معظمها ضمن "الجيش الوطني" الذي شكلته أنقرة من فصائل موالية لها في شمال سورية.

وبعد كل هجوم كانت تشنّه قوات النظام، كان يتبعه اتفاق تهدئة برعاية روسيا وأحيانا إيران الداعمتين لدمشق، وتركيا، يستمر لفترة معينة إلى أن يعاد تحريك "لعبة الشطرنج" في سورية.

وتنشر تركيا الآلاف من قواتها في إدلب. وخلال الهجوم الأخير الذي سبق اتفاق التهدئة الساري حاليا، وجدت قوات النظام نفسها، بعد طرد الفصائل المقاتلة من بعض المناطق، في مواجهة مع القوات التركية، أدت لسقوط قتلى من الطرفين.

ونقلت "فرانس برس" عن "دبلوماسي غربي" لم تسمّه القول، إنه خلال وقف إطلاق النار "الذي ظنّ كثر" أنه سيسقط كما الاتفاقات التي سبقته، "تورطت تركيا بشكل كبير في إدلب عبر نشر نحو 15 ألف" جندي.

وذكر أن تركيا التي تستضيف نحو أربعة ملايين لاجئ سوري وتخشى موجة جديدة من النزوح إليها، ستقف بالمرصاد لأي هجوم جديد، "وهذا يعني أن الرهانات السياسية باتت أكثر أهمية، مقابل تراجع احتمال العمل العسكري".

(أ ب)

ولا يعتقد الدبلوماسي أن مستقبل إدلب سيبقى كما حاضرها، أي منطقة محاصرة مجهولة المصير تسيطر عليها مجموعات مسلحة.

وأضاف: "هذا ليس السيناريو الأكثر ترجيحا"، معددا عوامل عدة تهدّد "الوضع القائم" بينها "وجود ملايين النازحين، والقضايا الإنسانية، والتهديد الذي تشكله بعض المجموعات الإرهابية على تركيا والغرب".

بدورها، قالت الباحثة في مجموعة الأزمات الدولية، دارين خليفة للوكالة: "من شأن موجة جديدة من اللاجئين أن تنتج تحديات سياسية واقتصادية وإنسانية" جديدة لتركيا التي تحاول أن "توازن" بين مصلحتها في إبعاد النظام عما تبقى من إدلب و"الحفاظ على علاقاتها مع روسيا وتفادي أي مواجهة خطرة".

وبعدما سيطرت قوات النظام على طريق دمشق - حلب الدولي، يقول محللون إنها قد تسعى في أي هجوم مقبل إلى استعادة ما تبقى خارج سيطرتها من طريق "إم 4" الذي يربط مدينة حلب باللاذقية.

وفي حال شن هجوم جديد، ستطلب أنقرة مقابلا قد يكون، وفق ما يشرح بالانش، السماح لها "بالسيطرة على مناطق كردية جديدة"، بعدما كانت قد استولت على مناطق حدودية واسعة في ثلاث عمليات عسكرية شنّتها ضد المقاتلين الأكراد.

ويرى بالانش أنه قد ينتهي الأمر بإدلب كمنطقة "تخضع للحماية التركية، تسيطر عليها مجموعات إسلامية مثل هيئة تحرير الشام وتدير شؤون اللاجئين فيها"، وستصبح في هذه الحالة أشبه بـ"قطاع غزة جديد"، على حدّ قوله.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص