حوار أنصار الإخوان.. طحن في بحر اللامصالحة بمصر

حوار أنصار الإخوان.. طحن في بحر اللامصالحة بمصر
(أرشيف)

قوبل طرح لإعلامي مصري مؤيد للنظام الحاكم فكرة الحوار مع المتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين بردود أفعال واسعة ومتواصلة، في الصحف المملوكة للدولة وبعض الصحف الخاصة.

دعوة الحوار، التي أطلقها الإعلامي عماد الدين أديب، في الرابع من أبريل/ نيسان الجاري، عبر برنامج "على مسؤوليتي"، الذي يقدمه أحمد موسى، اعتبر كاتب وبرلماني بارزان أنها جاءت بناء على إشارة من داخل النظام، في مقابل اتفاق ثلاثة محللين على أنها ستذهب سدى كالدعوات السابقة.

ورأى أحدهم أن الطرح الراهن هو محاولة لزيادة شرعية نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في فترته الرئاسية الثانية (تبدأ في يونيو/ حزيران المقبل)، وأنها "فقاعة هواء"، بينما نفى المحللان الآخران أن تكون الدعوة من داخل السلطة، مشددين في الوقت نفسه على ضرورة أن تشمل المصالحة الجميع، بما فيهم الإخوان.

وقبل دعوة أديب بيومين، قال السيسي، في أول كلمة متلفزة له عقب إعلان فوزه بفترة رئاسية ثانية، إن "مصر تسع كل المصريين، طالما الاختلاف في الرأي لم يفسد للوطن قضية".

وأضاف أن "زيادة المساحات المشتركة بين المصريين ستكون على أجندة الأولويات خلال المرحلة المقبلة (..) المساحات المشتركة بيننا أوسع وأرحب من أيدلوجيات محددة أو مصالح ضيقة".

هذا الطرح بشأن أولويات أجندة السيسي، وما تبعه من دعوة أديب، فسره البعض بمحاولة تحريك الماء الراكد في مصر، لاسيما وأن هناك قانونا مكملا للدستور لابد أن يصدره مجلس النواب يُعني بلم الشمل المجتمعي، وكان يفترض أن يصدر في أول دور تشريعي، لكن لم يصدر لأسباب اعتبر نواب آنذاك أنها تصطدم مع الشعب المصري الرافض للإخوان، على حد قولهم.

الرفض المثار عادة من جانب مؤيدين للنظام في مواجهة أي طرح للمصالحة مع الإخوان، تكرر في طرح أديب الأخير، والذي لم يعلق عليه النظام ولا جماعة الإخوان ولا الأحزاب بشكل رسمي.

ومنذ عزل محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا بمصر (ينتمي للإخوان)، في الثالث من يوليو/ تموز 2013، عبر خطاب ألقاه السيسي، حين كان وزيرا للدفاع ، تتوالى دون جدوى مبادرات المصالحة من شخصيات غربية وإصلاحية بمصر.

وعادة يتمسك السيسي، في حوارات متلفزة، بأن الشعب صاحب القرار في المصالحة مع جماعة الإخوان، وبالمقابل ترد الأخيرة بأنها متمسكة بشرعية مرسي، وترفض الاعتراف بالسيسي، الذي تم انتخابه رئيسا مرتين، عامي 2014، و2018.

** شرارة لم تنطفئ

دون مقدمات، طرح أديب لفظ "المتعاطفين مع الإخوان"، قائلا إن الذين يرفضون الاعتراف بوجودهم "يدفعون البلاد إلى كارثة"، واصفًا إياهم بأنهم "متعاطفون مع قضية الإخوان، وليسوا ممن حملوا السلاح".

وأضاف أنه يتحدث عن "مئات الآلاف من المصريين المتعاطفين مع الجماعة، وضرورة إنقاذهم مما هم فيه، وإذا لم نفعل فإننا نتخلى عن مسؤوليتنا، ونؤدي استعراضا سياسيا".

وتابع: "أقسم بالله لا أمهد لمصالحة، أنا لا أتحدث عن أعضاء التنظيم، ولا من تلطخت يده بالدماء ولا المنتسب للتنظيم".

ونفى أديب أن يكون حديثه من داخل النظام، بقوله "لست جسرا ولم يرسلنى أحد لأقول هذا الكلام، أنا أتحدث من عقلي وضميري".

وهو طرح رفضه السيناريست وحيد حامد، أحد أبرز خصوم الجماعة، معتبرا، خلال البرنامج المتلفز، أن جميع أفراد الجماعة "إرهابيون"، والمتعاطفون هم "الخطر الأكبر".

وتنفي الإخوان حملها للسلاح أو تأييدها للعنف، وتقول إنها متمسكة بخيارات الرفض السلمي للنظام، الذي تعده مسؤولا عن ما تعتبره "تنكيلا بها" وبقياداتها وفض اعتصام شهير لها في أغسطس/آب 2013، ما أودى بحياة المئات.

**ملاحظتان

طرح كاتبان في مصر ملاحظتين حول دعوة أديب، أولها أنها جادة، والثانية أنها من داخل البيت الحاكم.

ففي مقال له نشرته شبكة "DW عربية" الألمانية، يوم 13 أبريل/ نيسان الجاري، قال الكاتب الصحفي المصري، رئيس تحرير صحيفة "الشروق" (خاصة)، عماد الدين حسين، إن "الذين يراهنون على أي مصالحة بين الحكومة المصرية وجماعة الإخوان فى المدى المنظور لا يرون الواقع جيدا".

واعتبر أن حلقة موسى وأديب التلفزيونية هي "واحدة من النقاشات شديدة الأهمية منذ فترة طويلة، لأنها جادة ومختلفة لأسباب متعددة، فعماد الدين أديب إعلامى كبير مؤيد للسيسي، وخصم للإخوان، وضد الدولة الدينية، ومن أنصار ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 (الإطاحة بمرسي)".

وتابع: "بالتالي فالقصة ليست الحديث عن المصالحة، ولكن أهمية النقاش الذي جرى أنه جاء بعد يومين فقط من إعلان فوز السيسي، وفى فضائية معروفة جدا بتحمسها للدفاع عن الرئيس والحكومة، والأهم أن الذي أثارها فى برنامجه هو الإعلامى أحمد موسى، الأكثر عداء ومعارضة بصفة منهجية للإخوان".

وفي 8 أبريل/ نيسان الجاري، وفي صحيفة "الأهرام" المملوكة للدولة، كتب الكاتب المصري محمد سلماوي، وزير الثقافة الأسبق، مقالا بعنوان "هل هناك متعاطفون مع الإخوان ؟".

واعتبر أن "إعادة طرح هذه القضية الآن من داخل البيت مسألة غير مفهومة وتثير من الشكوك أكثر مما تحل من المشكلات، فلا الظرف السياسى يدعو للحوار ولا الرأى العام مستعد له".

وبين هذين الرأيين عجت تقارير صحفية محلية بآراء مؤيدين للسيسي ترفض المصالحة مع الجماعة أو المتعاطفين معها، وأبرزها من البرلماني مصطفي بكري.

بينما اعتبر رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي (يساري/ معارض)، مدحت الزاهد، في تصريحات صحفية، أن الإخوان لهم الحق فى العودة إلى الحياة السياسية، ليس كتنظيم، وإنما من باب المواطنة، وبالتالى يحق لهم إبداء رغباتهم فى المواقف كمواطنين، وليسوا كتنظيم مسلح.

** فقاعة هواء

وفق "أحمد بان"، المحلل المصري في الشؤون الإسلامية، فإن "الدستور الحالي وضع بندًا واضحًا للحوار الوطني، والحديث عن مصالحة مع الإخوان اختزال لمفهوم الحوار في وقت تحتاج فيه مصر لحوار بين النظام وكافة الطيف السياسي".

وتنص المادة 241 من الدستور المصري على أن "يلتزم مجلس النواب (البرلمان) في أول دور انعقاد له (بدأ مؤخرا دور الانعقاد الثاني)، بعد نفاذ هذا الدستور، بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا، وذلك وفقاً للمعايير الدولية".

وتابع "بان"، في حديث للأناضول: "أعتقد أن النظام لن يقبل الآن على حوار مع الجماعة.. دعوة أديب هي صيحة من داخل النظام، وليس من خارجه، وتأتي لمصلحة النظام (..) بمعنى توسيع شرعيته لدى مجموعة أخرى وتحييدها خاصة المكون القريب من الإخوان".

ورأى أن الدعوة لو كانت جادة لكان قد تم تفعيل النص الدستوري بخصوص الحوار، وتساءل: "إذا كان النظام لم ينخرط في حوار مع شركائه في 30 يونيو (حزيران 2013) فكيف سينخرط في حوار مع متعاطفي الإخوان (؟)".

وختم باعتبار أن هذه الدعوة هي "حملة علاقات عامة شأنها شأن دعوات أخرى ستنتهي كفقاعة هواء".

** ليست من الداخل

على العكس، اعتبر حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، وأحد من طرحوا دعوة سابقة للحوار في مصر، أن الدعوة الأخيرة "ليست بتعليمات من السلطة أو بتنسيق مسبق".

ومضى قائلا، في حديث للأناضول، أن "النظام ليس مستعدا للمصالحة، وباتت تلك الكلمة في وسائل إعلامه كرجس من عمل الشيطان، وكذلك الإخوان ليست جاهزة أيضا للمصالحة، والمشكلة الأكبر ليست بينهما، وإنما تتمثل في ضرورة إزالة الاحتقان، وغياب القوى الديمقراطية".

ورأى نافعة أن ما يحدث منذ إطلاق الدعوة الأخيرة للحوار هي "مزايدات ولغط تضيع أي فرص للمصالحة، ويستخدمها النظام كبالونات اختبار لقياس استعداد الآخر للحوار، وستذهب هذه الدعوة سدى مثلما ذهبت مبادرات أخرى".

** شرعية الرفض

أما زياد عقل، أستاذ علم الاجتماع السياسي والمتخصص في الحركات الاجتماعية والتحول الديمقراطي، فاعتبر أن حديث أديب أخذ أكبر من حجمه، وهو ليس دعوة، بل مقترح، وقوبل برفض شديد.

وتابع عقل، وهو خبير بمركز الأهرام للدراست السياسية والإستراتيجية (حكومي)، للأناضول، أن النظام ليس لديه نية لفتح حوار في الأربع سنوات القادمة، وجزء كبير من النظام رافض للإخوان، ويرى أن نظام ما بعد 30 يونيو قائم على تخليص مصر من الإخوان وفكرة المصالحة معهم تتعارض مع التشكيل.

وحول إن كان للنظام علاقة بدعوة أديب، أجاب بأن النظام ليس بحاجة للجوء إلى تقديم رسالة غير مباشرة، واعتاد أن يبعث رسائله مباشرة.

وبشأن مستقبل النص الدستوري الخاص بالحوار المجتمعي، قال عقل إن "هذا تحدٍ كبير كبير أمام البرلمان، ويجب أن تُضع معايير بخصوصه".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018