خاص | "معتقلو الفسحة" شهادة من ظلم الدّولة المصرية

خاص | "معتقلو الفسحة" شهادة من ظلم الدّولة المصرية

رصدت منظّمات حقوقيّة دولية، منذ الانقلاب العسكري في مصر عام 2013، أرقامًا ضخمة لانتهاكات حقوق الإنسان، فحسب المرصد العالمي لحقوق الإنسان، اعتمدت الانتهاكات على تحقيقات الأمن الوطني المصري التي تتمّ عادة دون أدلة ملموسة، وشكّلت الأساس لعدد كبير من المحاكمات العسكرية للمدنيين، بلغت 7400 محاكمة منذ أن أصدر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، قرارا يوسّع من ولاية القضاء العسكري في 2014.

كما وثّقت "المفوضية المصرية للحقوق والحريات" منذ آب/أغسطس 2015 اختفاء 912 شخصا قسرا، 52 منهم لم يظهروا حتى صدور تقرير المفوّضيّة.

معتقلو الفسحة - اتحاد الجرابيع

المعتقلون هم 6 أصدقاء: شابّان و4 سيدات هم أحمد نصر، محمد محفوظ، نانسي كمال، سارة مهني، مها مجدي، وإيناس إبراهيم.

ألقي القبض عليهم على أيدي المخابرات والشرطة المصرية في تاريخ 29 حزيران/يونيو عام 2017، خلال تنزّههم في "حديقة الأزهر" بالقاهرة خلال أحد أيّام عيد الفطر، وتمّت إحالتهم إلى قسم شرطة الدرب الأحمر، الذي بدأت منه رحلة العذاب للناشطين وما زالت مستمرة حتى اليوم، لاثنين منهم هما محمد نصر وإيناس إبراهيم، اللذان تمت إحالة ملفاتهم "للمحكمة العرفية لأمن الدولة المصرية" وتم اتهامهم بتنظيم خلية سرية والتحريض على الثورة والإخلال بالنظام العام.

بعد سنة على الاعتقال الأول لشباب "معتقل الفسحة"-"اتحاد الجرابيع"، أصدرت الصحافيّة والناشطة المصرية في مجال حقوق الإنسان والاعتقالات السياسية، اللاجئة في دولة كوريا الجنوبية منذ تاريخ 28\1\2018، سارة مهني ابنة الجيزة في مصر، شهادَتَها عن الاعتقال، انتهاك الحقوق والتعذيب الذي شهدته في المعتقلات المصرية، وكان هذا اللقاء من موقع "عرب 48" معها:

من هي سارة مهني؟

"اسمي سارة مهني، خرّيجة كلية الحقوق جامعة القاهرة وصحافيّة المهنة عملت في العديد من وسائل الإعلام أهمها جريدة الشعب المصرية وموقع بوابة يناير الصحفي، وكنت مركزة لملف انتهاكات حقوق الإنسان وملف المختفين قسريًا في المؤسسة التنسيقية المصرية لحقوق الإنسان، خرجت من مصر إلى اللجوء في تاريخ 28\01\2018، قبل أيام من إحالة ملف اعتقالي أنا وأصدقائي المسمّى "معتقل الفسحة\اتحاد الجرابيع" إلى المحكمة العرفية لأمن الدولة المصرية غير القابلة للنقض أو الاستئناف".

"معتقلو الفسحة"

وحول معتقلي الفسحة، تقول سارة: في يوم 29\06\2017، ثاني أيّام عيد الفطر، تم اختطافي أنا وأصدقائي الخمسة: أحمد نصر، محمد محفوظ، نانسي كمال، مها مجدي، وإيناس إبراهيم، من حديقة الأزهر العامّة في القاهرة، على أيدي أفراد الشرطة المصرية وعناصر أمن الدولة.

وتضيف: تم الاعتقال بتقدم مجموعة من الضباط والعناصر من أفراد الشرطة المصرية إلينا دون سبب واضح، طلبوا أن نرافقهم لنرى شيئًا في كاميرات مراقبة المتنزه ثم نعود، لم يخبرونا أنّنا معتقلون وما تهمتنا، خافوا من أن تحدث فوضى وتجمهر الناس الموجودون في الحديقة حولنا، لم نفهم نحن ماذا يحدث ولم نتخيل أنه من الممكن اعتقالنا من حديقة عامة، أخذوا حقائبنا وفتشونا بشكل كامل وتم منعنا من التواصل مع أي شخص ولم نعرف لما اعتقلنا على أيدي هذا العدد من الضباط سوى في مرحلة متقدمة جدًا".

وتشرح حول أسباب الاعتقال "كان أهم ما في الاعتقال، محاولة إخفائنا قسريًا، وذلك أن الشرطة خطفتنا في سيارات مدنية، وأوصلتنا إلى محطة شرطة ليست لها صلاحية على المنطقة التي اعتقلنا بها، فبدل أن نؤخذ إلى قسم معتقل الفسحة، تم اعتقالنا في معتقل الجمالة، الموجود في منطقة مختلفة تمامًا".

" كان علينا أن نجد طريقة لكي نخرج خبر اعتقالنا إلى أهلنا وأصدقائنا قبل الوصول إلى "قسم الجمالية"، لأننا إذا وصلنا إلى هناك دون إعلام أحد بمكاننا، سوف نختفي قسريًا".

ختمت سارة مهني "استطعنا بتوفيق إلهيّ في إحدى اللحظات خلال نقلنا إلى قسم الجمالية أن نتواصل مع أهالينا ونخبرهم بمكاننا، وهذا ما أنقذ حياتنا من الاختفاء القسري أو الموت".

"غرفة تعذيب\ ستيفا"

متران مربعان، جدران متسخة، خالية من الفراش و الكثير من المعتقلين ولا قنوات لدخول الهواء في الزنزانة سوى نافذة صغيرة في سقف الغرفة لم تفعل شيئًا في جو القاهرة الخمسيني الحار، وصل الجو إلى حدّ الاختناق في الزنزانة المسماة "الستيفا\غرفة تعذيب"، بمصطلحات الشرطة، قالت سارة، التي أضافت: قضينا فيها 15 يومًا، ولم يخرجونا منها إلّا لكي نتلقى التشريفة، وهي حفلة ترحيب، يضعك الضباط فيها مع السجناء الجنائييّن، أوقفنا الضابط مقابل حائط وبدأ يكيل الشتائم القبيحة للجميع ويضرب البعض.

وأضافت: أذكر أن صديقتي أصابها ضيق في النفس، وتقيأت لشدة تأثرها بقبح الشتائم التي استخدمها الضابط في تلك الليلة".

"حفلات التعذيب"

مصطلح حفلات التعذيب هو مصطلح متعارف عليه في السجون المصرية، يعني لياليَ من الضرب والتعذيب والإهانة، السّاديّة التي ينظمها الضباط والعناصر المصريون للمعتقلين.

"كان بإمكان الصراخ أن يستمر حتى اليوم التالي في بعض الليالي، أصوات مختلفة تصرخ وتنتحب وتبكي في كل أروقة السجن ومن كل الجهات، لم نستطع النوم تقريبًا في الـ15 يومًا الأولى".

"في السجون المصرية تعتاد أذناك الصراخ والألم وتتصالح معه" تقول سارة مهني، وتضيف: بسبب الضغط الجماهيري الشعبي الذي مارسه أهلنا وأصدقاؤنا وداعمونا على الشرطة والنيابة المصرية، حيث تحولت قضية معتقل الفسحة في مصر إلى مسألة رأي عام ووصل حد تنظيم اعتصام مفتوح خارج معتقل الجمالية الذي كنا فيه رغم إنكار النيابة المصرية وجودنا في البداية، لم يكن سهلاً على الضباط أن يضربونا وخافوا أن يتركوا علينا أيّة علاماتٍ لضرب تظهر للإعلام، كان لنا ظهر في السجن".

لذلك، تقول سارة، تم تنظيم حفلات تعذيب مختلفة لنا، في الليلة الثالثة للاعتقال الذي دام شهورًا، قام الضابط بإحضار شخص إلى أمام زنزانتنا، كان الرجل أبكمَ وصاحب إعاقة جسدية ويبدو مسكينًا.

ولاحقًا، تسبر سارة: خلع الضابط معطفه، وبدأ بضرب الرجل الأبكم، استمرّ الضرب والتعذيب من قبل منتصف الليل حتى الساعة الرابعة صباحًا من تلك الليلة.

تميّزت حفلات التعذيب في بعض الليالي، وفقًا لسارة، بكميّات الدم التي كانت تسفك في أعقابها، أذكر أنه، وفي يوم كان يجب نقلنا إلى النيابة العامّة ومررنا من أحد العنابر الذي أقيمت فيه حفلة تعذيب في الليلة السابقة، كانت كمية الدم والرائحة وكأن حيوانًا قد تم ذبحُه على الأرض والجدران".

"ديتول"

وتضيف سارة في حديثها لـ"عرب 48": "منع علينا الاستحمام وتم منعنا من تغيير ملابسنا، بالإضافة إلى ذلك، كانت الملابس التي تدخل إلينا تتم مصادرتها، والطعام الوحيد الذي يقدم لك في المعتقلات المصرية، هو الطعام الذي يحضره أهلك لك ودائمًا ما يصل ناقصًا إن وصل"، لا شيء في المعتقلات المصرية، لا خدمات ولا مقومات بقاء إنسانيّة، وقد وصلت الوقاحة بالضباط في بعض المراحل أنهم كانوا يضربون زملاءَنا المساجين ويسفكون دماءهم، ثم يأتون إلينا ليطلبوا "ديتول" (معقمًا لليدين)".

أي المشاهد عالق في رأسك أكثر من غيره؟

كل المشاهد تعلق في الرأس، لكن أكثرها كان الاختلاط بشباب "اعتصام رابعة"، وضعت في زنزانة في قاعة المحاكم بانتظار محاكمتي، كنت وحيدة، تم إدخال أكثر من 30 شابًا إلى زنزانة بجانبي واستطعت أن أتحدّث معهم، كان قد تم اعتقالهم في فض اعتصام رابعة قبل سنوات، تعرّضوا للتعذيب والتنكيل وهم في "حبس احتياطي"، (معتقلون إداريّون) منذ خمس سنوات دون قرار محكمة".

ختمت الصحافيّة والناشطة السياسية سارة مهني قائلة "تكتب العديد من العبارات والجمل على الجدران في السجون المصرية تعبر معظمها عن القهر والوجع واليأس، ومنها ما يعبر عن الرغبة في الانتقام ممن يرونه محتلًا لأرضهم رغم أنه خرج من جلدتهم، أيضًا، ويفترض به حمايتهم، لا معالم واضحة لهذا العدو لكن الواضح أنه لا يرانا بشرًا، كانت الجملة الأكثر وقعًا علي من جدران المعتقلات المصرية تقول "اللهم موتًا".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018