في الذكرى الثامنة للثورة المصرية: مقاهي "التحرير" مقيّدة بالخوف

في الذكرى الثامنة للثورة المصرية: مقاهي "التحرير" مقيّدة بالخوف
إغلاق مقاهي "البورصة" في ميدان التحرير (فيسبوك)

لا تبدو المقاهي الشعبية حول ميدان التّحرير في وسط القاهرة، في الذكرى الثامنة من الثورة المصريّة، فاعلة بالقدر الذي كانت عليه في كانون الثاني/ يناير 2011، عند انطلاق الثّورة، حيث كان لها دور رئيسي في أحداثها، إلّا أنّها صارت تبدو الآن محاطةً بهالةٍ من "الخوف والسّكون الحذر".

وقبل ثماني سنواتٍ فقط، كانت تلك المقاهي معقلًا لنشطاء الثورة، حيث انطلقت منها التجمّعات الاحتجاجية في أوجها، إلّا أنّها تحوّلت بفعل التطورات السياسية التي حصلت لاحقًا، وحملات الاعتقالات المنية المتلاحقة التي قادها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ وصوله إلى الحكم في تموز/ يوليو 2013.

ففي 30 من حزيران/ يونيو 2013، اندلعت احتجاجات مناهضة لمحمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيًّا في مصر، مقابل أخرى مؤيدة له، وانتهت المواجهة بالإطاحة بمرسي، في 3 تموز/ يوليو من ذلك العام، بعد عام واحد في الحكم.

وبعد شهرين من تلك الأحداث شنت قوات الأمن حملتها الأولى لإغلاق مقاهي وسط العاصمة؛ بدعوى وقوع مخالفات وعدم وجود تراخيص، ما نفاه أصحاب تلك المقاهي آنذاك؛ ومنذ ذلك الوقت، تحولت مقاهي تلك المنطقة عن دورها السياسي والثقافي إلى خوف وسكون حذر وجلسات نميمة، بفعل رقابة وقيود وحملات إغلاق متكررة لدواعٍ أمنية، وفق ما نقلته وكالة "الأناضول" عن أصحاب بعض المقاهي.

ومن أبرز المقاهي تضررًا، خلال السنوات الأخيرة، تجمع مقاهي "البورصة" الذي يضم أكثر من 35 مقهى، و"زهرة البستان" و"الندوة الثقافية" و"غزال" و"التكعيبة" و"صالح"؛ نظرًا لموقعها على أطراف ميدان التحرير، رمز الثورة الشعبية، التي أطاحت بالرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك (1981: 2011).

وشهدت البنية السياسية للمجتمع المصري تحوّلاتٍ عديدة منذ الثورة في كانون الثاني/ يناير 2011، وقد زادت حدة وتيرتها قبل أكثر من خمسة أعوام، حتى اختفت السياسية من على طاولات المقاهي المصرية.

وتتمتع مقاهي وسط القاهرة بطابع معماري مميز، وهي مقر لميلاد معظم الحركات الاحتجاجية، وحتّى قبل ثورة 25 كانون الثاني/ يناير، مثل الحركة المصرية من أجل التغيير تحت اسم "كفاية"، أواخر 2004، والتي نادت بعدم التمديد لمبارك، وعدم توريث الرئاسة لنجله الأصغر جمال.

كما كانت تلك المقاهي شاهد عيان على التطورات السياسية لثورة 2011، إذ تحولت في تلك الفترة إلى مقر ثابت لنشطاء وأدباء وفنانين وحزبيين، على اختلاف أطيافهم وتنوعاتهم السياسية والأيديولوجية، كما سجل نشطاء أسماء بعض المقاهي الشهيرة وسط القاهرة على دعوات التظاهر، التي كانوا ينشرونها على منصات التواصل الخاصة بالثورة، كمقر لتجمع النشطاء وانطلاق الاحتجاجات ضد نظام مبارك.

ولكن، تحت وطأة حملات مكثفة أطلقتها السلطات لإغلاق أكثر من 40 مقهى وسط القاهرة، أبرزها في آذار/ مارس 2015، وشباط/ فبراير 2017، حتى خلت منطقة وسط القاهرة من تجمعاتها من رواد المقاهي الشعبية.

وقالت محافظة القاهرة، في بيان لها في شباط/ فبراير 2017، إنها توقفت عن إصدار تراخيص للمقاهي، منذ أكثر من عشر سنوات، وإن معظم مقاهي وسط القاهرة مخالفة وتمارس نشاطها دون ترخيص رسمي.

وبعد أن كانت هذه المنطقة تشهد ازدحامًا وزخمًا ثقافيًا وسياسيًا، باتت خالية من روادها المميزين وأحاديثهم السياسية والاجتماعية، التي طالما كانت شرارة لبدء تحولات سياسية، خلال العقدين الماضيين.

وقال مالكا اثنين من المقاهي المغلقة، في حديث مُسجل مع الأناضول، إن منطقة مقاهي وسط القاهرة كانت تُساهم في تشكيل الوعي السياسي للشباب قبل ثورة 2011.

وأضاف أحدهما،م طلب عدم نشر اسمه: "هذه المنطقة كانت تمثل صداعًا في رأس الحكومة، فهي تضم أكثر من 40 مقهى يرتادها يوميا أكثر من ثمانية آلاف شاب وفتاة من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية ومستويات التعليم".

ومضى قائلًا إنّ "أحد رموز نظام مبارك (علي الدين هلال، وزير الرياضة الأسبق) كان يقول إن منطقة مقاهي وسط القاهرة كانت تحرك الحياة السياسية في مصر قبل الثورة".

فيما قال مالك آخر لمقهى بالمنطقة، طلب عدم نشر اسمه، إن "السلطات التنفيذية تعهدت بمنح تراخيص لأصحاب تلك المقاهي.. لكن ذلك لم يحدث، والمنطقة باتت خاوية، بعد أن كانت الحياة تسري في جميع أماكنها".

وأردف: "أغلقوا مقاهي وسط القاهرة، ولم يستغلوها في أي نشاط فني أو ثقافي يعبر عن مرحلة مهمة، ساهمت في صياغتها وتشكيلها تلك المقاهي، التي جمعت قوس قزح (مختلف ألوان) الحياة السياسية".

ونقلت وكالة "الأناضول" عن الصحافية سوزان عبد الغني، التي تتردد على مقاهي محيط ميدان التحرير،قولها إن منطقة "وسط القاهرة باتت خالية من السياسة، بعد إغلاق معظم المقاهي، التي كانت تشهد تجمعات شبابية وأحاديث سياسية متنوعة".

وأوضحت عبد الغني أن الحملات الأمنية المكثفة على المنطقة، وتوقيف الشباب من رواد المقاهي بشكل شبه دوري، ساهم في "توطين الخوف من الحديث (عن السياسة) على المقاهي".

وشددت على أن المقاهي التي ما تزال مفتوحة "باتت تخشى الرقابة الأمنية، وتمنع تجمعات الشباب في حال وجودها أصلًا، وخاصة المعروفين بتوجهاتهم السياسية، حتى لا تتعرض تلك المقاهي لإجراءات عقابية، منها الإغلاق".

ولمقاهي القاهرة تاريخ طويل في مجالات السياسة والثقافة والفن، ومع حلول الذكرى الثامنة لثورة 25 كانون الثاني/ يناير، يسترجع روادها السابقون ذكريات غزيرة عن دورها في الحركة الاحتجاجية خلال السنوات الماضية، قبل أن يسكنها الصمت.