يناير في ذكراها: لم يتبقَ إلا لفظ "الثورة" للاستغلال

يناير في ذكراها: لم يتبقَ إلا لفظ "الثورة" للاستغلال
(أ ب)

تمر الذكرى الثامنة للثورة المصرية بحذر وصمت شديدين، ويخيم الخوف والسكون على محيط ميدان التحرير وسط القاهرة، وهي التي طالما لعبت دورا فاعلا في ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011.

وسادت حالة من الهدوء، شوارع القاهرة والميادين الرئيسية بالمحافظات، وسط إجراءات أمنية مشددة، في الذكرى الثامنة للثورة. ولم تشهد البلاد أية دعوات لافتة للتظاهر والاحتجاج أو الاحتفاء داخل البلاد لإحياء الذكرى.

وطوقت قوات الأمن مداخل محافظات القاهرة، والجيزة، والقليوبية، وذلك من خلال نشر الكمائن والتمركزات الأمنية الثابتة والمتحركة على تلك المداخل، سواء بالطرق الصحراوية أو الزراعية.

كما شهد أيقونة الثورة، ميدان التحرير، تواجدا أمنيا عبر دوريات ثابتة وأخرى متحركة حتى ميدان عبد المنعم رياض القريب منه.

وأظهر مقطع فيديو نشره المتحدث باسم الجيش المصري العقيد تامر الرفاعي، عبر صفحته بموقع "فيسبوك"، "انتشارا أمنيا لعناصر ومركبات الجيش المصري بالشوارع". 

وترتبط ذكرى الثورة في مصر باعتراف دستوري مرتين، في عامي 2012 و2014، وخطاب رسمي بوجهين، أحدهما يمجدها، والآخر يحذر منها ومن تداعيات أطوارها المتجددة، ويرى أن تحركات شعبية أخرى، تجسدت في الانقلاب العسكري في صيف العام 2013، أنقذتها من الانحراف.

ورغم الاعتراف والإقرار الخطابي الرسمي، خلال الأعوام السابقة، بالثورة الشعبية التي أطاحت بالرئيس الأسبق محمد حسني مبارك (1981-2011)، إلا أنها لم تخرج من قفص الاتهام، لا سيما من جانب فلول النظام السابق وعفن الدولة العميقة.

لم يقف الأمر عند حد الاتهام، إذ تطور إلى التحذير من العودة إلى الثورة التي تحل ذكراها الثامنة، اليوم الجمعة، ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2018، قال الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي في كلمة متلفزة، إن مصر لن تعود إلى ما قبل 7 أو 8 سنوات. ويرى مراقبون أن كل خطاب يسود في مرحلة ما عن "ثورة يناير"، هو "خطاب يتفق مع رغبة السلطة" القائمة في تلك المرحلة.

الدستور... اعتراف بالثورة

شملت ديباجة دستور مصر الصادر عام 2012، تمجيدا مباشرا لثورة 2011 في أربعة مواضع، أبرزها: "هذا هو دستورنا.. وثيقة ثورة الخامس والعشرين من يناير، التي فجرها شبابنا، والتف حولها شعبنا، وانحازت إليها قواتنا المسلحة".

وفي دستور 2014 الذي جاء تعديلا للدستور السابق عقب الإطاحة بمحمد مرسي، ذكرت الديباجة يوم 25 كانون الثاني/ يناير 2011، في موضعين مرتبطا بلفظ الثورة.

الأنظمة... بين ثورة ولكن

منذ ثورة 2011، توالت على مصر سلطات انتقالية وأخرى منتخبة، حيث قاد الرئيس السابق للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، المشير محمد حسين طنطاوي، المرحلة الانتقالية (2011 - 2012)، والتي رافقها القمع بأشكاله وملاحقة سياسية مبكرة استهدفت شباب الثورة، إلا أن الإرادة الثورية فيها كانت طاغية، الميادين لم تخل من الثوار، والإعلام المصري، الذي بات أداة تخدير للشعب بيد النظام وأجهزة الأمن، كان ينحني للثورة في محاولة لاهثة للحاق بركبها.

وبعده أصبح مرسي المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر حاليا، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا في مصر (2012 ـ- 2013).

ثم تولى عدلي منصور، الرئيس السابق للمحكمة الدستورية العليا، الرئاسة مؤقتا، إثر انقلاب 30 حزيران/ يونيو أو كما يحلو للبعض نسبه للثالث من تموز/ يوليو (2013 - 2014).

وبعده تولى السيسي، وزير الدفاع حين الإطاحة بمرسي، الرئاسة (2014 - 2018)، ويحكم حاليا في فترة ثانية وأخيرة، بحسب الدستور، تنتهي في 2022.

على عكس خطابي طنطاوي ومرسي، ردد كل من منصور والسيسي جملة "ثورة يناير"، غير أنهما دائما ما يقولان إنها انحرفت عن مسارها في عهد مرسي، ما أدى إلى الإطاحة به عقب عام واحد من حكمه.

ذلك الاتهام تنفي صحته جماعة الإخوان المنتمي إليها مرسي، وترفض الإجراءات التي أطاحت بأول رئيس منتخب ديمقراطيا. فيما يقول السيسي إنه تدخل، حين كان وزيرا للدفاع، بناء على احتجاجات شعبية مناهضة لسياسات مرسي، ولم يكن يرغب في الحكم، بل في إنقاذ مصر.

في ما يلي رصد لأجزاء عن "ثورة يناير" من خطابات رسمية خلال السنوات التالية لها، وهو ما يكشف موقف الأنظمة الحاكمة المتعاقبة من تلك الثورة:

مرحلة المشير

خلال قيادته المرحلة الانتقالية، قال المشير طنطاوي في خطاب قبيل الذكرى الأولى للثورة: "لم نحد أبدا عن أهداف الثورة التي تتفق مع أهدافنا ومواقفنا".

وتابع: "ستظل ذكرى ثورة 25 يناير عيدا للتلاحم بين الشعب وقواته المسلحة، التي وقفت إلى جانبه وانحازت إليه، تحمي ثورته وتساند ثواره... إن مصر هي أرض الحضارات والتاريخ، ولقد أعاد شعبها صياغة هذا التاريخ بثورة وطنية".

وفي تلك الفترة كان صوت أصحاب "ميدان يناير" هو الأعلى في طرح أفكارهم ومطالبهم، باستثناء اتهامات لها أمام القضاء، وفي وسائل إعلام من جانب رموز نظام مبارك.

حكم مرسي

في ذكراها الثانية عام 2013، قال مرسي إن الثورة "حققت وستحقق الكثير من أهدافها"، ونوه بما تحقق من "حرية بلا حدود، وإلغاء حالة الطوارئ، ودستور قلص صلاحيات رئيس الجمهورية، وحرية إنشاء الصحف ومؤسسات المجتمع المدني بمجرد الإخطار، وحرية تشريعية".

وقبل الإطاحة به، ظهر مرسي في خطاب شهير خاطب فيه "أصحاب ثورة يناير" محذرا إياهم من محاولات لـ "سرقتها"، وازدادت خلال حكم مرسي نبرة الاتهامات من الرافضين لثورة يناير.

وانطلقت في 30 حزيران/ يونيو 2013، احتجاجات شعبية مناهضة لمرسي، مقابل أخرى مؤيدة له، قبل أن ينتهي المشهد في 3 تموز/ يوليو من ذلك العام بالإطاحة بمرسي، أول رئيس منتخب بعد الثورة.

مرحلة منصور

في الذكرى الثالثة لثورة 25 كانون الثاني/ يناير، قال الرئيس المؤقت عدلي منصور عام 2014، "جاءت ثورة الثلاثين من يونيو لتعيد ثورة الخامس والعشرين من يناير إلى مسارها الصحيح".

وأردف أن هذا المسار "حاولت بعض القوى أن تحيد به لتحقيق مآرب شخصية لا تدرك مفهوم الوطن، ولا تؤمن به... تتاجر باسم الدين... وتتخذ منه ستارا لتحقيق أهداف هي أبعد ما تكون عن مصلحة الوطن".

حكم السيسي

في ذكراها الرابعة عام 2015، قال السيسي الذي تولى الرئاسة في 2014 عقب فوزه في انتخابات، إن "ثورة 25 يناير كانت ثورة للتغيير، تحرك بها المصريون وأرادوا التغيير ونجحوا في ثورتهم، وعندما أرادوا مرة أخرى في 30 يونيو التغيير أو تصويب التغيير، نجحوا مرة أخرى في التغيير".

وفي الذكرى التالية خاطب المصريين قائلا، إن "أي عمل إنساني يخضع للتقييم... وما اعترى تلك الثورة من انحراف عن المسار الذي أراده لها الشعب لم يكن من قبل أبنائها الأوفياء".

واستطرد: "ولكن الشعب الذي ثار من أجل حريته وكرامته صوب المسار وصحح المسيرة، فجاءت ثورة الثلاثين من يونيو.. لتستعيد إرادة الشعب الحرة، وتواصل تحقيق آماله المشروعة وطموحاته المستحقة".

وفي الذكرى السادسة عام 2017 قال السيسي: "ستظل ثورة يناير نقطة تحول في تاريخ مصر (..) وعندما انحرفت الثورة عن مسارها، واستولت عليها المصالح الضيقة والأغراض غير الوطنية، فكانت ثورة الشعب من جديد في يونيو 2013 لتصحح المسار".

وفي الذكرى السابعة عام 2018 خاطب السيسي المصريين بقوله: "لا يفوتني اليوم أن أتوجه بتحية تقدير واعتزاز لأبناء شعبنا المصري العظيم بمناسبة ذكرى ثورة 25 يناير، والتي كانت مطالبها نبيلة تسعى لنيل الحرية والكرامة الإنسانية، وتحقيق سبل العيش الكريم للمواطن المصري".

بخلاف الخطابات الرسمية، عادة ما يذكر السيسي ثورة 2011 في مداخلات متلفزة وغيرها مصحوبة بتحذيرات.

ففي 31 كانون الثاني/ يناير 2018، انفعل السيسي خلال كلمة له عقب افتتاحه مشروعا، قائلا إن "مصر لن تعود لما قبل 7 أو 8 سنوات"، محذرا من أنه قد يطلب "تفويضا" (شعبيا) لمواجهة من سماهم "العابثين بأمن واستقرار البلاد".

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2018، اعتبر أن "ما حدث في 2011 هو علاج خاطئ لتشخيص خاطئ، فالبعض قدم للناس صورة عن أن التغيير من الممكن أن يحدث بهذه الطريقة، وأن هناك عصا سحرية ستحل المشكلات".

في عهد السيسي تتردد اتهامات شديدة لثورة يناير وأنصارها، والكثير منهم يقبعون حاليا في السجون، مثل النشطاء: أحمد دومة، وعلاء عبد الفتاح، والسياسي محمد البلتاجي.

وبعد سنوات من التنقل بين السجون والمشافي مريضا، وتحديدا في كانون الأول/ ديسمبر 2018، ظهر مبارك سائرا على قدميه داخل محكمة مصرية تحاكم مرسي والبلتاجي وآخرين، حيث شهد على "ثورة يناير" التي أطاحت به، معتبرا إياها "مؤامرة".

لكل مرحلة خطاب

المحلل السياسي المصري مختار غباشي، يرى أن الخطاب الذي يسود عن 25 يناير في مرحلة ما، هو "خطاب يتفق مع رغبة السلطة" في تلك المرحلة.

ويضيف أن "الخطابات في كل مرحلة شهدت اختلافات عن غيرها، لا سيما في بداية حكم السيسي والآن.. كل مرحلة لها لغة معينة بالخطاب".

ويستدرك: "لكن بعيدا عن الخطاب الرسمي، فنظيره الإعلامي لا يزال يوصل قناعته بأن 25 يناير خطأ ومؤامرة، وأن السبب الرئيسي لكل المشاكل هو ثورة يناير".

ويلفت إلى أن علو نبرة الاتهامات لثورة يناير حاليا "يأتي في وقت يتحدث فيه الناس باستحياء عن ثورة 2011، فيما كل رموزها وآلياتها ذهبوا بعيدا (عن مسار السلطة)".