السلطات المصرية تسعى للقضاء على الـ"توك توك"

السلطات المصرية تسعى للقضاء على الـ"توك توك"
(أ ب)

تحاول السلطات المصرية على مدار الأشهر القليلة الماضية، أن تقيد عمل سائقي العربات ثلاثية العجلات التي يُطلق عليها اسم "التوك توك"، من أجل القضاء على ظاهرة انتشارها في محاولة لـ"تنظيم" المواصلات العامة، قد يدفع ثمنها الفقراء.

وتعج الأحياء الفقيرة والعشوائيات، وأجزاء كبيرة من المدن الكبيرة والأرياف، بعربات "التوك توك"، التي تساهم في نقل ملايين المصريين يوميا، وتُعد مصدر رزق لأعداد مهولة من الناس الذين أعياهم الفقر والبطالة وانعدام المساواة الاقتصادية في البلاد.

ورغم أن الخطط الحكومية للتخلص من ظاهرة انتشار "التوك توك"، تعود إلى عصر الرئيس المخلوع بثورة شعبية، حسني مبارك، إلا أن نظام عبد الفتاح السيسي، يبدو أكثر إصرارا للقضاء عليها في مسعى إلى تحديث نظام المواصلات المهمل في البلاد، واستبدال هذه العربات بمركبات الـ"ميني فان"، دون الاكتراث لعواقب ذلك على الفقراء.

وزعم المتحدث باسم وزارة التنمية المحلية المصرية التي تقود المبادرة، خالد القاسم، أن "هذا من أجل صحة وسلامة جميع المصريين. نحن نخلق صورة أكثر جمالا لبلدنا".

(أ ب)

ولطالما غضت السلطات المصرية الطرف عن عربة الـ"توك توك" التي أصبحت جزءا من نسيج الحياة في المناطق العشوائية المترامية الأطراف في القاهرة، كونها تغطي على فشلها في إرساء منظومة نقل عامة.

وتتطلب الخطة الجديدة من أصحاب الـ"توك توك" بيع المركبة ومن ثم الحصول على قروض حكومية لشراء سيارة "ميني فان" جديدة، أو المخاطرة بدفع غرامات وحتى المقاضاة في حال عدم الالتزام، ما أثار مخاوف من أن المصريين الفقراء هم من سيتحمل الجزء الأكبر من العبء.

وقال إيهاب صبحي (47 عاما) الذي يكسب 130 جنيها في اليوم وهو يخوض في حي شبرا المكتظ بالسكان في عربته "أفضل أن أعمل لصا على أن أدفع ثمن الميني فان هذا". مضيفا "إذا أخذوا هذا مني فكيف ستأكل عائلتي؟" موضحا أنه حتى مع وجود قرض حكومي فإنه لن يكون قادرا على تحمل عبء 90 ألف جنيه ثمن الـ"ميني فان".

(أ ب)

وقال محمد زيدان، البالغ من العمر 52 عاما، وهو أب لخمسة أطفال بدأ في قيادة الـ"توك توك" بعد أن كافح لإيجاد عمل كرسام "سوف يضخون الأموال في البنوك، كل ذلك على حساب الناس. إذا فرضوا حظرا على التوك توك فانهم يدوسون على الفقراء".

وحاول نظام مبارك محاربة الـ"توك توك"، حيث حظرتها سلطاته في معظم الأحياء الغنية بالقاهرة، لكنها سمحت أيضا بتدفق الـ"توك توك" من جنوب آسيا إلى مصر، حيث قام مصنعو السيارات بتجميع وبيع العربات الصغيرة ذات الثلاث عجلات غير المرخصة بشكل قانوني.

وكان هذا مثالا على سياسة المقاربة المتناقضة للدولة تجاه الاقتصاد غير الرسمي، والذي يمثل ما بين 50 إلى 60 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لمصر، وفقا لمنظمة العمل الدولية.

وقال الباحث الاقتصادي المصري، عمرو عدلي: "نظرا لقدراتها المحدودة، فإن الدولة تتعايش مع البنية التحتية التي تشيد بشكل غير رسمي، مثل الإسكان غير المصرح به، والذي ينقذ الحكومة من توفير خدمات جماهيرية للفقراء".

(أ ب)

وانتشر التوك توك كالنار في الهشيم، حيث أصبحت العربات الصغيرة مهمة للمعاقين وكبار السن والنساء اللاتي يرغبن في تجنب تعرضهن للتحرش في الحافلات المزدحمة. لكن هذا الوضع قد يتغير قريبا.

وأقرت السلطات المصرية العام الماضي قانون المرور الذي يشترط على جميع المشترين الجدد ترخيص الـ"توك توك".

وتعرضت شركة "غبور"، أكبر منتج للسيارات في البلاد، لضربة قوية جراء هذا القانون، فقد انخفضت مبيعاتها من الـ"توك توك" بنسبة 60 بالمئة.

وفي أيلول/ سبتمبر الماضي، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، عن خطة شاملة للتخلص التدريجي من الـ"توك توك" في 20 محافظة، واستبداله بسيارات "ميني فان" ذات السبعة مقاعد، والتي تعمل بالغاز الطبيعي.

وتمنع هذه الخطة سير الـ"توك توك" في المدن والطرق الرئيسية، لكنه يسمح بتواجده في الأزقة الضيقة والقرى الريفية شريطة ترخيصه رسميا.

وقامت وزارتا المالية والإنتاج الحربي في مصر، إلى جانب ثلاث شركات كبرى في قطاع صناعة السيارات، بدراسة برنامج تحويل الـ"توك توك" إلى "ميني فان"، التي يتوقع أن تصل الشوارع في غضون عام.

وقال القاسم، المتحدث باسم الوزارة، إن الـ"توك توك" يأتي بين أسباب الازدحام وتلوث الهواء وحوادث السيارات القاتلة، مضيفا أنه يعيق على السلطات التتبع الأمني لمطلوبيها، حيث لا يمكنها تتبع المركبات غير المرخصة.

ووصف سائقي الـ"توك توك" بأنهم "عبء" على الإنتاج الاقتصادي في مصر، وهروب المراهقين من المدارس وحرمان الدولة من عائدات رسوم التسجيل والضرائب.

لكن كثيرين رفضوا دوافع تغيير الـ"توك توك" نظرا لحجمه الصغير، وقدرته العالية على المناورة والأجرة الرخيصة مقارنة بالميكروباص الذي يتوقع المصنِّعون أن يكون حجمه أربعة أضعاف الحجم والسعر.

وقالت أستاذة السياسة في الجامعة الأميركية بالقاهرة، رباب المهدي: "إنه انعكاس لهوس الدولة بالمظاهر في الاستثمار بشكل أكبر في البنية التحتية".

(أ ب)

ومنذ توليه السلطة في عام 2014، بعد انقلابه على الحكومة المنتخبة بقيادة الرئيس الراحل محمد مرسي، عام 2013، ركز السيسي على مشروعات ضخمة، وبناء مجمعات سكنية متطورة وعاصمة إدارية جديدة مترامية الأطراف بقيمة 45 مليار دولار في الصحراء خارج القاهرة، يقول معظم الخبراء الاقتصاديين أنها خطوات خالية من المعنى التنموي، حيث شهدت الكثير من مناطق القاهرة حال من الفوضى وتآكل البنية التحتية، وازداد فقر المواطنين بنسب مهولة.

وقد أدت الإجراءات التقشفية الصارمة التي فرضت بسبب قروض صندوق النقد الدولي، والسياسات الاقتصادية الفاشلة، إلى خفض الإعانات وارتفاع أسعار كل شيء بشكل كبير، بدءًا من أسعار تذكرة المترو إلى مياه الشرب، مما تسبب في تدهور الأوضاع الاقتصادية لأبناء الطبقة العاملة والمتوسطة في مصر.

وفي أيلول/ سبتمبر الماضي اندلعت مظاهرات صغيرة احتجاجا على الفساد الاقتصادي وفساد السيسي وعائلته، وألقت قوات الأمن القبض على الآلاف، في تصعيد لحملة قمعية ممتدة منذ وصوله إلى السلطة.

وقال المهدي: "الدولة أكثر استعدادًا وقدرة على النزول بيد ثقيلة"، مضيفًا أن العقلية العسكرية أحدثت تحولًا على مستوى الحكومة.

لكن المراقبين يعتقدون أن تطبيق الخطة الجديدة سوف يشكل تحديًا. ويظل الكثير منها موضع شك.

وقال أستاذ الهندسة المعمارية بجامعة كولومبيا، ياسر الششتاوي: "سيحاول الناس المقاومة، للتحايل على هذه التطورات، للاستمرار في الحياة. هكذا يتعامل المصريون مع كل شيء".