".. ليحاكمونا ويسجنونا.."

".. ليحاكمونا ويسجنونا.."

غريب في وطنه، لم تثنه سنون النضال الفلسطيني، الثكلى دوماً بالآلام والجراح، والحبلى بالآمال المتكسرة على صخرة النكسات العربية وقهر الاستبداد منذ الهزيمة الكبرى قبل أكثر من نصف قرن.

كم هو أليم بالنسبة الى عزمي بشارة، تنشق الحرية خارج الوطن المسلوب، حتى ولو احتضنه الشقيق في الأمة والقضية. إذ أن ذلك الثائر القادم من أرض فلسطين الجريح بدورها، ولكن المنتفضة في سبيل لبنان ومقاومته، يتنشق ذلك العبق في اوطانه الأخرى، خاصة في بيروت، التي أتاها متضامناً أمس، فازدادت مرارته من هول ما رأى من حقد ووحشية، وهو سيعود الى فلسطين، رافعاً هامته والراية، منتصباً أمام العدو، حيث المحاكمة المنتظرة، وهي الأنبل لشخصه في سبيل القضية التي عشق.

يبتسم بشارة عند سؤاله عن سجنه المقبل، <ليحاكمونا ويسجنونا>. كم تصغر المعاناة الشخصية امام القضية الأساس، الخاصة بالأمة جمعاء، وبسجنها الكبير الذي لا خروج منه كما ناشد بشارة، سوى بالتضامن والوحدة، ولذلك، يعتصر قلبه الماً، على كل ما خرج عن هذه الوحدة في الموقف ضد العدو، وبالنسبة إليه، فإن لبنان ومقاومته قد أثبتا من جديد قدرة ذلك الوطن، الصغير بحجمه، لكن العظيم بما قدمه من صمود تجاه القوة العسكرية الأهم في المنطقة، ومن ورائه كل من وقف الى جانبه، والفلسطينيون في طليعتهم.

قدم بشارة الى بيروت عبر دمشق، حيث استبشر من كلام أعاده الى ذلك الزمن الجميل من الصمود والمقاومة، ولكن القلق والحذر مما يُحضر للمنطقة لم يفارقاه، فالعدو تعرض للهزيمة، وهو لن يسكت عليها، كما يؤكد بشارة. أما المواقف الدولية الداعمة، فلكسب الوقت تحضيراً لجولة جديدة شاملة هذه المرة، وإلا، فإن إسرائيل ستمضي نحو السلام الشامل، مضطرة، إذا ما وعت الأنظمة لمسؤولياتها الكبرى في هذه المرحلة.

ثقة بشارة بالأمة لا تتزعزع، خاصة بعد الإنجاز الذي تحقق، والذي يثمنه بشارة بإعجاب لا يضاهيه آخر، وهو الأدرى بالكيان الإسرائيلي والأخبر بمجتمعه. إسرائيل بالنسبة اليه امام مفترق طرق، ولا خيار أمامها، ومن ورائها الإدارة الأميركية، وهما قد اصيبتا بإخفاق عظيم. وقد بدا بشارة متعب الجسد في الضاحية الجنوبية، ليس بسبب جولته <الميدانية> في <مربعها الأمني>، بل جراء ما هالته العيون من دمار وتخريب، وقد أعرب عن ذلك بالدعوة الى <الغضب> أمام اعداء الإنسانية، على ان يتوّج ذلك عبر مشروع جدي للتضامن والوحدة بين ابناء الوطن الواحد، وبين الأشقاء في الأقطار العربية.

وفي جولته، سأل بشارة الحاج علي عمّار، الذي استقبله مع الشيخ عبد المجيد نوردالدين، عن كل مفترق، عن كل زاوية، عن كل مبنى دُمر في <الحارة>، سأل طويلاً عن <المربع الأمني>، عن <الأمانة العامة>... عن مجزرة الشياح... ذُهل عند الإجابة، يا للهول، 250 مبنى دُمر هنا؟! ويتعجب من جديد: 200 طن استعملت في سبيل هذا التدمير.. يعتصم بالصمت، يتأمل طويلاً في <الشورى>، حابساً الأنفاس، كيف لا، ومشهد الدمار حسب توصيفه يعادل إلقاء قنبلة نووية! وقف بإجلال في المكان، قابل تحيات الأهالي بخشوع، وكم كان اعتزازه عظيماً بمعنويات هؤلاء التي أعربت بوضوح عن طبيعة الشعب الذي واجه العدو طيلة 33 يوماً، وما يزال.

مرتاح هو في زيارته، سعيد بما خلصت إليه لقاءاته، والزيارة بالغة الرمزية، وضعتها إسرائيل في سلم أولوياتها على طريق محاسبته عند العودة الى <الديار>. وهو ما دفع <الدكتور> الى التعليق متهكماً لدى السؤال: من السخرية ان تتصدر زيارتي الى لبنان أولوية الأخبار قبل انباء تعيين الرئيس الجديد للمحكمة العليا في إسرائيل!

وقد استهل بشارة زيارته في الضاحية، وكان من رمزية هذه الزيارة ان كان مستضيفه الأول بعدها الرئيس سليم الحص، حيث كانت جلسة خاصة جمعته مع النائبين العربيين، واصل طه وجمال زحالقة، المحبين والصامدين على النهج.

تحدث بشارة طويلاً في ذلك اللقاء الحار، عن <هذا النموذج الجديد الذي رفع رأس الأمة عاليا>، إلا أن حرصه على هذا الإنجاز، دفعه الى التحذير من عدم التفريط بالنصر بعد كل ما قدمه لبنان، والبناء عليه لصالح الأمة، وعدم السماح للآخرين باستثمار هذا النصر الذي حققته المقاومة.

لقيت كلمات بشارة أصداءها لدى الحص، القلق بدوره من الوضع الداخلي. وأبدى الحص، في حديثه عما سبق ورافق الانتصار، الخشية نفسها من استغلال الحال الجديدة في البلاد لفرض امر واقع مختلف عن السابق، على طريق فرض التسوية المجحفة بحق آخر عناصر الصمود في الأمة، عبر تجزئة القضية الجامعة، وتفرقة عناصر المنعة والصمود.

لم يشأ بشارة ربط زيارته <اللبنانية> بتلك <السورية>، إنها لا تخرج عن كونها زيارة تهنئة بالنصر الذي تحقق للبنانيين بمختلف شرائحهم وتكويناتهم، لكن بشارة، الحريص على البلدين، تمنى على الجميع العمل من أجل تفاهم بين الشقيقين، محطة أولى على طريق الوحدة في الموقف، التي لا قيامة للأمة من دونها.

كان الترحيب كبيراً بالزيارة التي ستستكمل اليوم، قبل العودة الى فلسطين، حيث ينتظر بشارة التحقيق الإسرائيلي حول زيارته السورية! كم هو مؤلم للمناضل الشعور بالغربة في وطنه وبين شعبه.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018