جحيم الفلسطينيين في لبنان: كلب، قذر، خائف، كاذب.. هذا بعض مما يتعرض له الفلسطيني من تنكيل وتحقير وتعذيب في بلاد الأرز

جحيم الفلسطينيين في لبنان: كلب، قذر، خائف، كاذب.. هذا بعض مما يتعرض له الفلسطيني من تنكيل وتحقير وتعذيب في بلاد الأرز

فيما كان محمد يتجه بتثاقل نحو نقطة الجيش اللبناني عند أطراف المخيم الفلسطيني نهر البارد، كان يعتقد أنّ الكابوس الذي لازمه في الأسابيع الثلاثة الأخيرة قد انتهى، أخيرًا. فعائلة محمد، التي لم تستطع الفرار بينما كانت المعارك النارية والقصف تدمر بيوت الجيران، علقت في داخل المخيم منذ أن اندلع القتال بين مُسلحي "فتح الإسلام"، وبين الجيش اللبناني.

وقد كان من المفترض بحواجز الجيش أن توفر ملجئًا آمنًا لأولئك المدنيين الفلسطينيين البائسين. وبدلا من ذلك، يقول محمد، كانت هناك نقطة البداية في رحلة العذاب التي مرّ بها.

التقيتُ محمدًا بعد الاستماع إلى عدد كبير من القصص التي رواها شبان فلسطينيون، بأنه بعد فرارهم من الاقتتالات في مخيم نهر البارد، قام أفراد من المخابرات العسكرية اللبنانية بتوقيفهم، بشكل روتيني، وقد تم التنكيل بأعداد منهم، جسديًا. غالبيتهم كانوا خائفين جدًا من أن أجري مقابلات معهم، إلا أنّ شابًا يافعًا توجه إليّ صباح يوم السبت، في مخيم اللاجئين الفلسطيني البداوي، حيث لجأ أكثر من 18,000 فلسطيني من نهر البارد للاحتماء. وقد سألني عما إذا كنتُ أرغب بالتقاء ابن عمه الذي أطلق سراحه، على ما يبدو، من قبضة العسكريين اللبنانيين، الليلة الفائتة.

وقد اصطحبني ابن العم عبر متاهة من الأزقة المزدحمة، وعبر أكثر من ستة مطالع دروج، حيث وجدت محمدًا جالسًا بحذر على الكنبة، مُحاطًا بأبناء عائلته، وقد خلع قميصه وأطلعني على الكدمات الهائلة التي غطّت ظهره وأعلى ذراعيه؛ كما كان بإمكاني رؤية آثار الجَّلد المخططة.

"لقد نجحتُ بالهرب من الاقتتال مع زوجتي وأبنائي وخالتي"، استهل حديثه، "ولكن ما أن خرجنا من المخيم حتى فرّقنا الجنود لمجموعتين. وقد أخلوا سراح النساء والأطفال، وقيّدوا الرجال بالأغلال". وبعدها، والحديث لمحمد، عصّبوا أعينهم واقتيدوا في داخل شاحنة عسكرية ضخمة: "لقد كنا ممنوعين من أن نرفع رؤوسنا. كان علينا أن ننظر إلى الأرضية، وكلما رفع أحدهم رأسه، كانوا يصيحون به "أنزل رأسك إلى الأسفل أيها الكلب"، ناهيك عن الضرب على الرأس الذي كان ينهال.

ثم بدأ الجنود اللبنانيون بشتم الفلسطينيين، يقول محمد. "لقد قالوا لنا طيلة الوقت سوف ننكحكم أيها الفلسطينيين، وسوف ننكح أمهاتكم وزوجاتكم"، يقول. "سوف ننكح أكبركم وأصغركم أيها الفلسطينيين. أنتم لا تستحقون الحياة ويجب أن تُذبحوا جميعًا".

ويقول محمد إنهم أُخِذوا بعدها إلى معسكر الجيش "كُبه" الواقع بمحاذاة طرابلس. وبعد نهار وليلة من الاستجواب القاسي، قيل لمحمد إنه سيُطلق سراحه. ولكن بدلا من ذلك، عُصّبت عيناه ثانية وسيق لمدة ساعتين إلى حيث اعتقد أنه وزارة الدفاع خارج بيروت؛ وهو الموقع الأول من سلسلة مواقع سيُنقل إليها خلال الأيام الأربعة القادمة.

(لقد اُعتقلتُ لأنني إلتقطّ صورَ فيديو في مكان قريب جدًا من نهر البارد، وقد ساقوني إلى معسكر "كُبه" في طرابلس، قبل أربعة أيام من الوقت الذي قال فيه محمد إنهم أخذوه إلى هناك. وتحضيرًا لإجراء المخابرات العسكرية تحقيقا معي، سرتُ عبر غرفة كانت مكتظة ومختنقة بشبان فلسطينيين يقرفصون على الأرض، بينما كان حرس لبنانيون يقفون فوقهم ليحرسوهم. وبعد أن اعتذروا لي وقدّموا لي فنجانا من الإسبريسو الإيطالي، حظيتُ، أنا المراسلة الغربية بمعاملة درجة أولى. ولكنه كان من المثير الجلوس في مكتب القائد ورؤية شهادة معلقة على الحائط تشهد بأنه خريج برنامج القيادة المركزي الأمريكي (U.S Central Command program) وبأنه أنهى دورة عسكرية أمريكية في "استخلاص المعلومات والتحقيق والانتزاع (انتزاع الاعترافات)".

حين وصوله إلى المكان الذي قال إنه وزارة الدفاع، يقول محمد إنّ الجنود أجبروه، هو ومن معه من الرجال، على الركوع على الأرض، لفترة "بدت وكأنها طيلة اليوم. في كل مرة رغبنا فيها بمطّ أرجلنا، قاموا بضربنا"، يقول. "كنا نقول لهم "من شان الله" دعونا نمطّ أرجلنا! وكانوا يجيبوننا: عن أي الله تتحدث؟ لا يوجد هنا أي الله". بعد يومين، يقول محمد، اصطحبه محقق إلى غرفة وبدأ بضربه: "لقد جلدني بالسّوط، ومن هنا أتت الندبات التي على ظهري. سوط كبير مع قطع معدنية". ويقول محمد إنّ رجالاً آخرين أتوا عندها وبدأوا بضربه ورفسه على رأسه. "لقد ضربوني على معدتــــي ورجوْتهم ألا يفعلوا، فمعدتي تؤلمني. فقالوا: هل تؤلمك حقًا؟ إذًا فسوف نمزقها حتى النهاية".

بعدها، وعلى ما يبدو، بدأ الرجال برمي محمد صوب الحيطان ثم برميه على الأرض. "وقد استمر الرجل البارز من بينهم بسؤالي مرارًا "مع من تعمل؟". قلت إنني لا أعمل مع أيّ أحد. فقال لي: "لقد ساعدتَهم، لقد كنت هناك"!

وبالفعل، فإنّ الكثيرين من اللبنانيين يلومون الفلسطينيين "لإخفائهم" "فتح الإسلام" في داخل مخيم نهر البارد، رغم أنّ الحكومة اللبنانية علمت بوجود المجموعة هناك، بعد أن عقد رجالها مؤتمرًا صحافيًا بُثّ على شاشات التلفزة اللبنانية في آذار، هذه السنة. "لقد استمر الجنود بالقول "إذا لم تكن لك علاقة بهم، حقيقة، فلماذا لم تطردهم؟ لماذا لم تفعل منظمة التحرير الفلسطينية خاصتك أي شيء معهم؟ سوف نقوم بذبحك تمامًا مثلما ذبحت جنودنا"، يقول محمد، "لقد قلت وأعدت إننا لا علاقة لنا بهم، نحن ضحايا. نحن ضد عمليات القتل."

ويقول محمد إنه أجبِرَ، أيضًا، على الوقوف لساعات، وقد صفعوه في كل مرة كان يبدأ فيها بالتهاوي نومًا، ثم كانوا يهددونه بأسلاك كهربائية سيضربونه بواسطتها بالكهـرباء. ولكن أسوأ اللحظات، يقول، كانت عندما أخرج أحد الجنود مسدسًا وصوّبه على رأسه: "لقد وضع المسدس بمحاذاة رأسي وقال: يمكـنني ببساطة أن أطلق عليك النار. أنت مثل كلب. لن يلاحظ أحد ذلك."

ويقول محمد إنه كان يُجبر على النــوم على الأرض في غرفة مـلأى بالوحل، حـيث كانوا يستـعملون ملابسهم الداخلية الســــفلية كمخــــدّات. "لقد رغبـــــنا في الوضـــــــوء والصــــلاة إلا أنهــم لـــم يسـمحوا لنا". كما أنّ التنكيل بالكلام لم يكن ليقلّ قسـوة عن الضرب، يقول محـمـد: "إذا حصل ولمسناهم فإنهم يضربوننا على أيدينا ويقولون إننا أناس قذرون وجمـيع عائلاتنا قذرة. "لا تلمـسني أيها القذر، أنـت فلسطيني، أنت كلب"، كانوا يقولـــون لنا".

بعد خمسة أيام، يقول محمد، وضعوه في شاحنة وساقوه عائدين إلى القاعدة العسكرية في طرابلس، ثم أطلقوا سراحه: "نادوا باسمي، فخرجت من الشاحـنة، ثم قال لي ضابط المخابرات: أنت كلب، وابن كلب. أنقلع من هنا!"
قام نديم خوري من مكتب "هيومان رايتس ووتش" (HRW) في بيروت بتوثيق العديد من القضايا الخاصة بفلسطينيين في مخيم البداوي، والذين اعتقلوا وخضعوا للتنكيلات. "ابتداءً من الضرب وحتى الاعتقال والاحتجاز لأربعة أو خمسة أيام من دون توجيه أي اتهام"، يقول خوري، "الشبان الفلسطينيون يُوقفون عند حواجز الجيش في جميع أرجاء لبنان وأحيانًا يُضربون، ليس لذنب اقترفوه، إلا كونهم فلسطينيين".

ويقول خوري إنّ HRW تعترف بحق الجيش في التحقيق مع الناس الذين يغادرون مخيم نهر البارد في سبيل تبيان ما إذا كانوا أعضاءً في "فتح الإسلام"، إلا أنه لا يحق لهم الاستعانة بممارسات غير قانونية وتنكيلية. "لقد أمست ظاهرة، أنّ الفلسطينيين لا يخافون ترك نهر البارد، فحسب، بل حتى مغادرة مخيم البدوي حيث يقيمون اليوم"، يوضح خوري. ويسأل خوري: إذا كان الجيش يؤمن حقًا بأنّ هؤلاء الرجال الفلسطينيين على علاقة مع "فتح الإسلام"، فلماذا يطلق سراحهم؟

"لقد تم التحقيق معهم ثم أطلق سراحهم. هذا يعني أنه لم يُعثر على أدلة بأنهم أعضاء في "فتح الإسلام". ولكن، وبما لا يقل من أهمية، حتى لو كانوا أعضاء في هذه المجموعة، فإنّ هذا لا يبرر اللجوء إلى التنكيلات"، يلخّص.

مع ذلك، فإنّ هذه الاتهامات بالتنكيل والتعذيب التي تتم على يد الجيش اللبناني، لا تلقى آذانًا صاغية هنا في لبنان. فذكريات الحرب الأهلية الوحشية المصحوبة بالإدراك بأنّ الفلسطينيين كانوا –بشكل ما- ضالعين مع "فتح الإسلام"، والمصحوبة بمقتل أكثر من 70 جنديًا لبنانيًا، خلقت جميعها جوًّا من الدعم المطلق للعسكر.

وبالنسبة لحركة "14 آذار" الموالية للحكومة اللبنانية، فإنّ هذا الصراع يفرز أفضل الفرص لتجسيد كون الجيش اللبناني "قويًا" وأنّ بإمكانه "حماية الوطن"، وهو يعزز خطابهم بأنّه لا توجد حاجة للمقاومة وبأنّ على "حزب الله" أن ينزع سلاحه. إلا أنّ ضمان التأييد لا ينحصر في "14 آذار"، فقط؛ فأغلبية اللبنانيين توحّدوا من وراء هجوم جيشهم على "نهر البارد"، بشكل لم يسبق له مثيل.

وقد أجريت مظاهرات واعتصامات شارك فيها الآلاف للتعبير عن التضامن مع العسكر، وانتشرت ملصقات ويافطات تنادَتْ بشعارات مؤيّدة للجيش، في جميع أنحاء البلاد. وأكثر هذه المظاهر انتشارًا هي يافطة شوارع، تظهر للمسافرين كل 300 متر تقريبًا في الطريق إلى طرابلس، حيث تظهر على خلفية تمويه عسكرية، جملة "الأمرُ لكَ!"، وهي جملة لبنانية عسكرية شائعة. كما أنّ الميديا المحلية مسؤولة، أيضًا، عن تشجيع اللبنانيين على منح الجيش التصريح غير المشروط لفعل ما يراه ضروريًا لممارسة هذا "الأمر". وقد منع الجيش المراسلين من تصوير الجنود أينما كانوا في محيط المخيم وعند الحواجز المحيطة به، وهو الأمر الذي نفذته غالبية الميديا اللبنانية، بانصياع.

في أعقاب إجراء اللقاء مع محمد وتصوير جراحه، عرضت المقاطع المصورة على عدة قنوات لبنانية متلفزة، مجانًا، إلا أنّ أحدًا لم يُبدِ أية رغبة في التعامل معها. وقد قال لي محرر إخباري من قناة "التلفزيون الجديد" اللبنانية، معروف جدًا بتقاريره النقدية التي يعدها عن الحكومة اللبنانية، إنّ "الجيش يملك الحق في القيام بأيّ شيء عند الحديث عن "فتح الإسلام"، وعن منع الهجمات الإرهابية في الداخل اللبناني. وقد كان الردّ من قناة "المنار"، تلفزيون "حزب الله"، أكثر متعاطفًا: "أنظري، يسعدنا أن نغطي هذا الموضوع"، قال رجل الصلة، "ولكن لا يمكننا أن نبثّ أمورًا ضد الجيش في هذه اللحظة، فالأمر حساس جدًا."
وردًّا على ما ورد في هذا التقرير، قال المتحدث باسم المكتب الصحافي التابع للجيش اللبناني إنّ الفلسطينيين كانوا "كذابين" و"نحن لا نلحق الأذى بأحدً، أبدًا، خصوصًا إذا كانوا من المدنيين". حتى أنّ المتحدث أنكر أنّ الجيش اعتقل فلسطينيين وحقق معهم، كأمر روتيني، بعد تركهم لمخيم "نهر البارد"، وهو الأمر الذي رأيته بنفسي، أنا وعدة صحافيين آخرين (رغم كوننا ممنوعين من تصوير ما يحدث).

أما بالنسبة لمحمد، فتجربته تركته مع شعور بالضياع والهشاشة، كفلسطيني في لبنان. "نحن نعرف أنّ الإسرائيليين هم أعداؤنا، إلا أنّ هؤلاء عرب..."، يقول. محمد يؤمن بأنّ الفلسطينيين لن ينسوا بسهولة الغبن الذي يرون أنه لحق بهم من طرف الجيش اللبناني: "الطريقة التي عامل بها الجيش اللبناني الفلسطينيين سبّبت الآن الكثير من الكراهية بيننا تجاه الجيش اللبناني"، يقول.

"هذا سيشجع الناس على الانضمام إلى مجموعات تسعى للانتقام وقد سمعت بأذنيّ أناسًا يقولون، لا بأس. هي مسألة وقت، ليس إلا. فهؤلاء الذين حُقِّرُوا لن ينسوا ما حدث"، قال محذرًا. "بعض الفلسطينيين، الآن، يكرهون اللبنانيين، كشعب، ولم تعد الكراهية منحصرة في القادة اللبنانيين، فقط. فقد خلق جيشهم الآن كراهية بين الشعب اللبناني وبين الشعب الفلسطيني".

* صوفي مكنيل هي مراسلة برنامج "ديتلاين"، وهو برنامج يعنى بشؤون الساعة الدولية، ويُبثّ في قناة البث الأسترالية الجماهيرية، SBS TV. مقيمة في بيروت.



(عن الانجليزية- علاء حليحل، "فصل المقال")

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018