سنة على الحرب الإسرائيلية على لبنان ـ تموز 2006: روايات الفتية الذين قاوموا التفوّق وانتصروا ...

سنة على الحرب الإسرائيلية على لبنان ـ تموز 2006: روايات الفتية الذين قاوموا التفوّق وانتصروا ...

ليس فيه ما يميّزه عن أي لبناني آخر. رجل بثياب مدنية يحتسي كوب الشاي في الغرفة المغلقة علينا ويحكي. حين سيخرج من الغرفة، سيذوب ولن يشير شيء الى أنه واحد من كبار ضباط المقاومة الذين قادوا الجبهة في الجنوب خلال حرب تموز. هادئ. قليل الحذر في البداية، ثم أكثر ارتياحاً مع الوقت القصير المكثف للمقابلة. كل ما قد يدل الى هويته ليس سؤالاً يسأل. لا قريته ولا عمله ولا عمره. لا اسم له. نعلم عنه أمرين فقط: مقاوم منذ عام 1982، وفي الحرب الأخيرة كان في الخطوط الأمامية للجبهة. ي

روي لـ صحيفة «السفير» كيف خاضت المقاومة تلك الحرب بطريقة غير مسبوقة تاريخياً في مدارس الحروب. ويشرح في «علم العسكر» لماذا يعتبر ان ما حدث كان انتصاراً على الجيش الاسرائيلي، كما يحكي عن أناس آخرين... عن «الشباب». هؤلاء اللبنانيون العاديون الذين لعبوا مع «الاسرائيلي» لعبة انهكته، ولن ينساها أبداً.

من في هذه الحرب؟ في الجهة الأولى، المهاجمة، جيش نظامي متمكن لوجستياً وعددياً. ومن المفترض انه متفوق في الجو وفي البر. وله ما له من صيت عالمي عامة، وعربي خاصة. في وجهه تقف مقاومة لا يمكنها أن تخوض معه إلا «حرب عصابات». المقاومة تعتمد على ثلاثة عوامل أساسية لخوض حرب العصابات هذه: الارض والانسان والإمكانات. الارض لصالحها. أرض المقاومين. المقاومون أبناء الأرض، وطبيعتها تساعدهم. الجنوب ليس جبالاً شاهقة بحاجة الى لوجستية عالية، وليس سهولاً مكشوفة على عيون العدو. هو عبارة عن مجموعة هضاب متتالية تؤمن الاستتار والمباغتة.

الناس، من جهتهم، أهل القرى، امنوا حاضناً طبيعياً للمقاومين. بقاء من بقي منهم في القرى كان حافزاً معنوياً للمقاتلين. والناس هم أيضا المقاومون. لكل فرد مقاتل تركيبة نفسية معينة. معتقده ودرجة تعبئته وبنيانه وتدريبه بالإضافة الى تسليحه بما ينسجم مع عمله. في حرب العصابات، ليست المقاومة عادة هي المسؤولة عن حماية الأرض. لكن ما حصل كان عكس ذلك. في البداية، كانت القيادة متسامحة مع مقاتليها على الجبهات. قال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله لضباطه أن لا مشكلة في دخول الاسرائيليين الأرض ما دام هذا سيخدم الدفاع بشكل صحيح.

هامش سيسمح به «السيد» ولن يستخدمه المقاتلون. فالمقاومة خاضت حرب «منع». دافعت دفاعاً ثابتاً بعكس المتعارف عليه في مدارس حرب العصابات. كيف فعلت هذا؟
«المقاومة كانت تعرف ما الذي ينتظرها بعكس الاسرائيلي. العدو سيقوم بتقطيع الاوصال، ويقوم بالإغارة بكثافة هائلة، ويتحرك باتجاهنا في البر، ويقوم بإنزالات. كان هدفه، منذ البداية، دخول جنوبي الليطاني وعجز. العدو هو مجموعة من هذه الاختصاصات اذاً. أنظر اليه على أنه جسد بشري بدماغ وعيون وأطراف. تلقى ضربة على عينه، وأخرى على رأسه، وثالثة على ساقه. لم يعد قادراً على التحرك. سلاح الجو الحربي تفاديناه بالاختباء منه. الطيران المروحي خرج من المعركة باكراً. لم يكن قادراً على الخروج نهاراً. ولا جدوى من عمله ليلاً. اما السلاح المدفعي الاسرائيلي فهو أكثر ما يستخف به المقاتل في الميدان. يكفي ان تعلم من أين يأتي وأين ينزل حتى يكفيك نصف متر للاحتماء منه.

يبقى سلاح المدرعات. في هذه، يمكن للضابط في المقاومة ان يحكي، ويحكي كثيراً. أول ما واجهته دبابة الميركافا كان «سلاح الهندسة» التابع للمقاومة الذي كان قد أعد مسبقاً شبكة عبوات تستهدفها. في الدبابة المنفجرة في منطقة الراهب، أتى الإسرائيليون بالحاخامات ليلموا الأشلاء الصغيرة التي تناثرت للجنود الذين كانوا على متنها. كانوا متفائلين وظنوا ان الأمر لن يتكرر. لاحقاً فقدوا اهتمامهم بالأجزاء. فقدوا اهتمامهم حتى بالجثث. عبوة الكحيل بالقرب من مارون الراس قلبت الدبابة على الضابط. «عبوة وادي ريشا» انفجرت بالجرافة. سلاح الهندسة حدّ، ومنذ الايام الاولى، من حركة الدبابات. شلها وباتت تحت حصار. جرب الاسرائيلي التوغل أكثر. دخل «الميم دال» الحرب. «ميم دال» إختصار لـ: مضاد الدروع. نحكي عن صاروخ الكورنيت الذي غرّد في تلك الهضاب. حسب العدو حساباً لمضاد الدروع، لكن ليس هذا. قدرة المقاومة وجدارتها كانت في الحفاظ على سرية اقتنائها لهذا السلاح. تشكيل واحد كان يعرف عنه، اما البقية من الذين استخدموه لاحقاً فلم يعرفوا بوجوده إلا في الميدان. تعلموا عليه بسرعة، وصاروا جميعاً «اساتذة» في استخدام ذلك الصاروخ المحمول.

في القنطرة، لم يكن جنرالاً ذاك الشاب العشريني الذي اسقط سبع دبابات اسرائيلية قبل أن تتقدم دبابتان الى البيت الذي يختبئ فيه. حضر العبوة التي وضعها على طاولة امام الباب. فتح الباب وانفجرت العبوة بنقيب واثنين معه وبقي المقاوم على قيد الحياة. ليس جنرالاً. هو مبتدئ. يقسم الضابط ان هذا ما حدث. كان المقاومون على قدر عال من الاحتراف. ضرب الدبابات يكون بعد تنسيق مع القيادة الميدانية. وكان عادياً ان يسمح الرماة لبعض الدبابات من الرتل بالمرور قبل معالجة الرتل كله بطريقة تشله تماماً.

خرجت المدرعات من المعادلة. «هل تعرف ما الذي فعلناه بالاسرائيلي؟ جعلنا الميركافا، وهي الأكثر تصفيحاً في المعركة تستخدم احياناً كإسعاف بعدما كانت تفرغ من ذخيرتها». لم تعد ذات جدوى. أدخل الاسرائيلي مشاته. وقعت عليه الواقعة. يمكن لأي جيش أن يدخل عسكره ليمشي في الوديان ويقول إنه احتل أرضاً. هذه كانت دعاية بدا بحاجة اليها. لكنها لم تكن شيئاً. في العلم العسكري هذا ليس احتلالاً. من دون غطاء وإمداد لوجستي ودبابة ومدفع لا جدوى لهؤلاء. بل إنهم كـــانوا وبالاً على قيادتهم. وكانوا حين يحاولون الدخول الى قرية تقع مواجهة يخسرونها دائماً. في مقـــارنة عددية، كانت المواجهات تقع بين خمسين اسرائيلياً وما فوق، وبين خمسة مقاومين وأقل. يرمي مقاوم قنبلة يدوية، يرمي الثاني قذيفة آر بي جي. الثالث يطلق النار. يفقد الاسرائيلي المبادرة. يفرّ من المعركة. «هذا ما جعل قلوبنا تكبر».

إن الجيش الذي تراه على التلفزيون يتدرب وشكله سينمائي وجميل هو غيره على الارض. على الأرض لا يوجد أحد. عبوة انفجرت على بعد 15 متراً من سريّة الجنود. اصيب آمرها بشظية في عينه. فرّت السريّة كلها. ثم إن أعدادهم الكبيرة جعلت منهم صيداً أكثر من سهل. 700 جندي إسرائيلي في إنزال الغندورية جعلت الرامي على الهاون لا يصحح إحداثياته، لأنه أصاب كيفما رمى. قتلهم كيفما اتفق.

لم ينتظر المقاومون مبادرة الخصم. كان المقاتل منهم حين يلحظ أي تغيير في بيت ما يعرف ان الاسرائيليين تسللوا اليه. يتصل بعدها بقيادته وياخذ امراً بالتحرك صوب البيت فيهجم، ولو وحيداً. جُنّ العدو. كنت أسمع ولولة الجنود عبر جهاز اللاسلكي.

في مشروع الطيبة، وما أن شخصّ المقاومون وجود الاسرائيليين حتى أطبقوا عليهم، ودارت المواجهات بين الغرف. في مارون الراس، شخصّ «جواد» بيتاً ودخله وقتل اثنين وجلس فوقهما واتصل بي. طلبت منه ان يخبئ الجثة وهكذا فعل. جواد سيستشهد لاحقاً. ومارون الراس لن يدخلها الاسرائيلي إلا بعد نفاد ذخيرة المقاومين فيها. هذه البلدة الصغيرة المكشوفة انهكت عدوها ولم تنفعه في حربه ضد بنت جبيل بالطبع.

في الميدان، كان سقوط الاسرائيلي جريحاً افضل بما لا يقاس من سقوطه قتيلاً. فالجريح سيشغل بشكل او بآخر 12 جندياً آخرين. ثمانية ينهارون نفسياً. وأربعة يحملونه ليركضوا به خارج المعركة. عويل الجريح وصراخه يؤذي رفاقه كثيراً. عدد الجرحى كان كبيراً، ونادراً ما كانت إصاباتهم طفيفة. معظم هؤلاء خرجوا من الحرب معوقين.

دخول المشاة الاسرائيليين جعل المقاتل اللبناني يعيش أكثر لحظات الأمان وهو يلتحم معهم. ناهيك عن جبن الجندي الاسرائيلي، فمواجهتك له تعني أن الطيران لن يغير على رأسك ولن تتدخل المدفعية ولا قذائف الدبابات. من جهة أخرى، كان المقاوم أمام فرصة لشفاء غليله.

سقط الإسرائيلي ميدانياً إذاً. انقلب الدور للمرة الأولى في تاريخ العرب. الاسرائيلي هو من راح يقول لجنديه: «إسرائيل في خطر. اصمد. اصبر. عليك ان تحمي إسرائيل». يقول هذا ويترك جنوده بلا إخلاء ولا إسعاف ولا بديل ولا طعام. للمرة الأولى كان وضع الاسرائيلي مزرياً. غمرته المفاجأة من رأسه الى أخمص قدميه. كان منطاداً من غرف متتالية. المقاومة راحت تثقب هذه الغرف واحدة بعد أخرى. ولم يكن باستطاعته ان يفعل شيئاً...


... نعود الى الجهة الاخرى، جهة المقاومة. يقول الضابط إن اتساع العملية الاسرائيلية هو وحده الأمر الذي لم يكن متوقعاً. ومع ذلك، لم تقع القيادة في إرباك لأن طبيعة الانتشار والتموضع والاستراتيجية برمتها محضرة عموماً.

تعتمد المقاومة الدوائر الضيقة للقتال. وهذه لا تحتاج الى حركة لوجستية واسعة. وأهم ما في عملها هو الاكتفاء الذاتي في كل شيء. ما دام هناك استقلالية في المهمة واكتفاء ذاتي في القدرات فهذا كاف. وثلاثة عناصر يكفون لإرباك سريّة وحتى كتيبة أحياناً. على هؤلاء القتال إلى الحد الأقصى. وجود دعم مدفعي مثلاً، جيد وغيابه ليس مشكلة.

الشباب كانوا مهيئين اصلاً لما هو اشد صعوبة مما حدث. كثير منهم صام عن الطعام والماء. بهذا، يؤدي فرضاً مستحباً ويوفر طعامه كي يكفيه. وما دام العدو لم يصل اليه بعد، وهو ما زال بحوزته صواريخ فهو يطلقها الى الداخل المحتل. وحين يصل اليه العدو يواجهه.

تشكيلات صغيرة من خمسة مقاومين وأقل ملأت الأرض. لم يدخل العدو الى مكان إلا وكانت المقاومة في انتظاره. تلقى الضربات من كل حدب وصوب. دخل الاسرائيلي فوجدنا وقد شغلنا كل الأرض، نتحكم بالجغرافيا تماماً ونسيطر عليها بطريقة غير طبيعية ونواجه بإرادة قتال عالية وبفعالية.

في أي حال كنا؟ إذا كنت تريد استعادة ذاك المشهد فاسمع: حرفياً، لم تكن تمر ثانية لا نسمع فيها صوت صاروخ يمر، وينفجر، او هدير طائرة حربية ترمي، أو أزيز طائرة تجسس. «كبسة بيدال واحدة» (على الجهاز اللاسلكي) من قبل أي مقاوم، تلتقطتها اجهزة العدو كانت كفيلة بتغيير معالم حارة بعد دقائق. لكل قرية افرز عدوك أربع طائرات تجسس. المقاومون بقوا مستيقظين 34 يوماً. جائعون وعطشى. يرون رفاقهم يستشهدون أمامهم. مع ذلك، ماذا فعلنا؟
عدد الخلايا التي انقطع اتصالنا بها كان لا يذكر. أبسط دليل على ذلك هو في رماية الصورايخ. ظلت القيادة مسيطرة تماماً. اذا كان الأمر بالتنفيذ محدداً عند الثالثة، ترمى الصواريخ من كل النقاط عند الثالثة تماماً. لا صاروخ تأخر عن موعده في هذه الحرب. وفي نهايتها، في الرابع عشر من آب، التزمت كل الجبهة بوقف إطلاق النار عند الثامنة صباحا. هذا يعني أننا كنا على اتصال بكل خلايانا المقاتلة. وكنا نخفف من اندفاعهم في إطلاق الصواريخ وإلا لقصفوا اضعاف العدد الذي ضرب.

في بعض المناطق، كان الاسرائيلي قد دخل الى نقاط معينة، وكنا نقصف الداخل الفلسطيني من خلفه. قبل يوم فقط من وقف الحرب كنا نرمي من محيط يارون وعيتا الشعب واللبونة (وهي بلدات حدودية) بينما هو يتغنى بأنه تقدم واحتل.

في الوقت ذاته، لم ينقطع الاتصال بين القيادة في بيروت وبيننا للحظة. ظلت القيادة العسكرية مترابطة تسلسلياً، ومع ذلك، كان «سماحة السيد» يتصل أحياناً بنا ليطمئن علينا. وكل رسائله كانت تصل الى المقاتلين، عبر الراديو لمن استطاع الى الراديو سبيلاً، وعبر الأجهزة. كان كلما حكى، شحنوا بطاقة هائلة. حين توجه اليهم في رسالته التي رد بها على رسالتنا بكينا كلنا. بات الجميع يريد القتال باستماتة وكان علينا تهدئة الشباب. عدنا الى الزخم والقوة والإصرار نفسه الذي بدأنا به الحرب. نحن نعلم انه بكى حين قرأ رسالتنا. عظمة قيادتنا تتلخص في حبها لنا. تلك الرسالة دفعت دماً جديداً في عروقنا.
عدونا كان بلا قيادة. في الميدان شعرنا بأنه كان يدير عملياته بلا ضابط إيقاع على مستوياتها كافة. بدا انه يتخبط منذ الايام الأولى للمعركة. وفي الايام اللاحقة صارت معركته بلا افق. إدارته للمعركة في الميدان كانت فعلاً مزرية ومضحكة. على الأرض، أشهرت اسرائيل إفلاسها الكامل في الايام العشرة الاخيرة من الحرب. لم يكن لديها ما تفــــعله إلا وقف إطلاق النار. أسعــفها القرار 1701 بأن تسلم النقاط التي دخلتها الى القوات الدولية. كل النقاط التي دخلتها كانت بلا أي جدوى عسكرياً.

يقول الضابط إن المقاومين قاتلوا بناء على معادلة شديدة البساطة: كما يتنفسون. ما داموا قادرين على التنفس والحركة يقاتلون حتى النفس الأخير. كل مقاتل يعرف مهاراته ووظيفة سلاحه ودوره. على هذا لم تواجه المقاومة ما هو فوق قدرتها. بل، وعلى العكس، ولأن الالتحام بالعدو على هذه الدرجة من الاتساع كشفه هذه المرة، بات المقاومون أشد ثقة بأنفسهم وبدرجات، ولم تعد إسرائيل مهابة بالنسبة لهم.

الحرب الحقيقية لم تكن ذاك المشهد المروع في الضاحية. على الأرض، احتك مقاومون للمرة الأولى «بالجيش المرعب». عرفوه. الآن هم مستعدون لمنازلته ثانية من دون أي أوهام. المقاتل الذي رأى الاسرائيلي آتياً صوبه ثم رآه يهرول هارباً منه لمس المهانة التي لحقت بعدوه.

لم يعد هناك من مجهول. المقاومون داووا جراحهم بأنفسهم. في عيتا الشعب كانت القطة تأكل من لحم المقاوم الجريح ويعجز عن طردها. لكنه الآن عاد، وكالحصان. غيره داوى ساقه المتبورة. هؤلاء يعلمون علم اليقين أي حرب خاضوا. ساعدهم اهل الأرض وخبزت لهم نسوة القرى، اللواتي بقين، الخبز ليطعموهم. بأي معنويات تتوقع أن يخرج المقاومون من حرب كهذه؟ الموت، وهو أقصى ما يمكن أن يحدث، لاصقهم وأخذ منهم رفاقهم الأقرب. ماذا بعد؟ لا شيء. في الحرب المجنونة، وجد المقاتل متسعاً من الوقت ليتسلى. في الطيري قتل مقاوم جندياً إسرائيلياً سائق جرافة، ووجد معه هاتفه الخلوي. فتش فيه واتصل بالرقم الأخير الذي كان الجندي قد اتصل به. ردت إمرأة. زوجته. قال لها بالعبرية: معك حزب الله. صــرنا في نهاريا. إنــهارت هذه. تسلى ورفاقه باتصالات كثيرة من هذا النوع.

في مرة اخرى، اتصل الضابط المقاوم بشاب في يارون، في ايام متقدمة من الحرب. راح الضابط يضحك والمقاتل يقول له إن كل شيء على ما يرام، ويمكنه ان يرمي إذا أمره بذلك. إسرائيل كانت حينها تقول إنها توغلت في العمق اللبناني...

اما يارون فتمر فيها أسلاك الحدود الشائكة. كالعجين نموذج غير مسبوق في التاريخ، يقول الضابط. استخدمت المقاومة تقنيات الجيوش الحديثة في حرب عصابات وصدت الهجوم. قال الاسرائيلي إن الحق على رئيس الأركان دان حالوتس ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني ورئيس الوزراء إيهود اولمرت. قال إن «الأشكينازي» آتٍ وان الجيش يخوض تدريبات من نوع آخر في الجولان. يقول إنه عائد غداً ليتدبر أمرنا. ونحن نعلم كيف سينال نصيبه هذه المرة. الحرب اعطتنا تجربة عملية. وإذا أعاد الكرة ستكون اسوأ عليه اكثر بمئة ضعف. المقاومون عرفوه واختبروه. هم يملكون ما يوازي هذه المعرفة اهمية: طبيعتهم. هذه قمة مقاومتهم.

من ينظر اليهم يرَ تناقضاً هائلاً. شريحة من الدراويش المؤمنين الطيبين الذين لا يؤذون نملة. كالعجين في ايدي اهلهم وناسهم. وحين يعتدي عليهم مثل ذاك المعتدي ينقلب الوضع تماماً. هؤلاء الذين فقد الكثير منهم الصديق والشقيق ورفيق الدرب لم يعد الموت صعباً عليهم. ليسوا هواة سلاح. لكنهم مستعدون.

عند وقف إطلاق النار، لم يكن لدى الضابط المقاوم ورفاقه وقت للتفاخر والفرح هم الذين شعروا انهم غيروا معادلات الصراع العربي الاسرائيلي.

وعند الثامنة صباحاً من صباح وقف إطلاق النار عادوا يستعدون لعدوهم من جديد. الوقت ثمين. والحرب تقاس بالدقائق. قبل عشر دقائق فقط من وقف إطلاق النار، كان الضابط الذي حكى لنا الحكاية أعلاه، قد تعرض لغارة، ونجا منها.

الآن، وقبل أن تنتهي المقابلة ويخرج من الغرفة الى يومه كأي لبناني آخر، عادي ومجهول تقريباً، يختم بالهدوء نفسه الذي بدأ به حديثه: الإسرائيلي يقول إنه حاضر. ونحن نقول له إننا حاضرون.
في شوارع العاصمة، وفي شوارع مدن لبنانية أخرى كثيرة، يبدو اليوم العدوان الذي شنته إسرائيل على لبنان، في تموز العام الماضي، وكأنه حصل قبل ألف عام وعلى بعد آلاف المجرات.

طفت معارك أخرى على سطح الذاكرة، طغت مخاوف من نوع آخر، محلية، على الناس في البلد كلها.
لكن حرباً وقعت قبل عام إلا أيام قليلة. حرب سيوجد من ينصف وصفها يوماً. هل هي هزيمة للعدو؟ هل هي نصر إلهي؟ هل هي مجرد حرب بين حزب الله وإسرائيل، بإيعاز إيراني ـ سوري؟ هل هي حرب لا تعني إلا الحزب، أم أنها حرب شكلت حكماً، منعطفاً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي؟

غيرت الحرب في إسرائيل الكثير، نفسياً، ومعنوياً، وسياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً... وجد بين الإسرائيليين من درس الحرب وقيّمها واستخلص الدروس منها. ووجد في لبنان من حوّلها إلى مجرد وقود لزيادة اشتعال المهاترات الداخلية.

المؤكد هو أن عدواناً إسرائيلياً وقع. والمؤكد أن شباناً استبسلوا في ردعه عن غزو أرضهم مرة أخرى.
تبين، بالعين المجردة، أنهم ليسوا مخلوقات من كوكب آخر، أولئك الذين ردوا العدو في مثل هذا الشهر من العام الماضي.
يشبهوننا حد التماهي. قد يكون أي من المحيطين بنا منهم، ولن نعرف.

شبان في غالبيتهم، طلاب أو عمال أو موظفون. قليلون هم المتفرغون من بينهم.
أبناء قرى في معظمهم، أبناء أرض حفظوا ثناياها كما باطن اليد. يميزهم عن معظمنا أنهم يجهدون كل يوم لإتقان مهمتهم: مقاومة العدو وحماية الوطن.

يكاد يكون هذا هو كل ما يميزهم عن سواهم. إيمانهم بقضيتهم مضافاً إليه عملهم الدؤوب على تطوير قدراتهم الذاتية أولاً، واللوجستية لاحقاً.

ثم أنه تبين أنهم هم أيضاً يحبون الحياة. فهم، وبحسب قولهم، يؤمنون «إن الطريق إلى الجنة هي في كيفية ممارسة الحياة وليس في الاستشهاد في معركة فقــط.. فمن أهم مبادئ خوض الحرب لدى المــقاومين ضــرورة محافظة كل مقاوم على حياته».
وتبين أنهم ردوا العدو بإمكانات محدودة، ولكن بعزيمة لا تقهر. وتبين أن مجموعات صغيرة منهم كانت تتصدى لكتائب وفصائل وتردعها. وتبين أيضاً أن كل مجموعة كانت تعرف مهمتها وتؤديها بمعزل عن الأخرى، وأن لكل مجموعة اكتفاء ذاتياً من العتاد والمؤن يضمن استمرارها بمعزل عن الأخرى.

واتضح أن العدو، الذي بدأ الحرب، لم يكن يعرف ما ينتظره، ولم يكن مهيأ كما يجب. تمكن المقاومون من شل قدرته على الاستفادة من تفوقه: لم تُجْده مقاتلاته وبارجاته ومدفعياته نفعاً.

خاض المقاومون حرب عصابات، نعم، ولكن على طريقتهم: سمحوا حتى للعدو بالدخول البري فقط ليتمكنوا منه أكثر.
اتضح أن حماية الأرض ممكنة. اتضح أن أبناء الأرض قادرون على حمايتها.

هي خلاصة ما حكاه المقاومون لـ«السفير» عن أبرز معارك عدوان تموز العام .2006 على خمس حلقات تنشر قصص المقاومين. منهم ضباط كبار، ومنهم قادة مناطق، ومنهم مقاومون بلا رتب.