في أعقاب فرض أحكام عالية على "خلية حزب الله"؛ نصر الله: باب الحل السياسي مع مصر ليس موصدا

في أعقاب فرض أحكام عالية على "خلية حزب الله"؛ نصر الله: باب الحل السياسي مع مصر ليس موصدا

«أحكام قاسية». هذا هو الاختصار المناسب للأحكام التي صدرت أمس عن محكمة أمن الدولة العليا في مصر على ما يعرف باسم «خلية حزب الله». أما في بيروت، فقد وصف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الأحكام بـ«السياسية والظالمة».

قسوة الأحكام تنبع من كون المتّهمين لم ينفذوا، باعتراف الادعاء العام المصري، أي عمل عدائي داخل الأراضي المصرية. ورغم ذلك، فإن المحكمة قضت بسجن الموقوفين منهم، وأبرزهم محمد منصور المعروف باسم سامي شهاب، مدداً وصلت في حدّها الأقصى إلى 15 عاماً. أما غير الموقوفين، فحكم عليهم بالسجن المؤبد.

وفي القانون، فإن هذه الاحكام لا تقبل الطعن أمام محكمة أخرى، إلا أن باب التماس المراجعة مفتوح، ومفتاحه في يد رئيس الجمهورية المصرية. ومن هذا الباب، أتت مواقف الأمين العام لحزب الله ورئيس الحكومة سعد الحريري، ورئيس الوزراء القطري وزير الخارجية حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني.

فقد رأى نصر الله أن «الأمور مع مصر ليست مقفلة، ونحن لن نترك هؤلاء الإخوة في السجون بالتأكيد». وتابع في مقابلة مع قناة الراي الكويتية تبثّ اليوم، قائلاً إن «الموضوع أصبح الآن خارج القضاء، ولعل المخارج الوحيدة المتاحة هي مخارج سياسية».

وأضاف: «نحن سنسعى من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية إلى معالجة هذا الأمر وإنصاف هؤلاء الإخوة وعدم إبقائهم في السجون».

أما الحريري، فحدد القناة التي ستجري الاتصالات عبرها لتسوية الملف، قائلاً: «نحن نأمل أن تجري الاتصالات بيننا وبين معالي الوزير أحمد أبو الغيط لكي نرى كيف يمكن أن تعالَج هذه الأمور». وفي هذا الإطار، كانت مصادر مصرية رفيعة قد أكدت أن أبو الغيط، خلال زيارته الأخيرة لبيروت، بعث برسالة إلى نصر الله تتعلق بأعضاء الحزب الذين يحاكمون في مصر.

بدوره، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الحريري في بيروت، قال رئيس الوزراء القطري رداً على سؤال عن محاكمة «خلية حزب الله» في مصر: «سنعمل على حل هذه المسألة بهدوء».

هذا في المواقف السياسية في بيروت. أما في القاهرة، فكان كل شيء معدّاً لتمرّ «قسوة» الأحكام بهدوء لا يزعج النظام المشغول بحروبه الداخلية، وخاصة أن الضربة القضائية الموجهة إلى «الخلية» سيتلوها عرض آخر، يمنح فرصة حياة أخرى للملياردير هشام طلعت مصطفى، الرجل الذي كان قوياً في النظام وحكم عليه بالإعدام في قضية قتل سوزان تميم.

هكذا، تحولت منطقة المحاكم في ضاحية التجمع الخامس إلى جزيرة أمنية. الأطواق الأمنية صممت وفق خطة لا تتيح لأحد إلا الدوران في متاهة تحت أعين الأمن. المنطقة أخليت تماماً من عمال البناء في البنايات الجديدة، واحتل قناصة محترفون مواقع مراقبة مرتفعة. وإلى جانب البوابات الإلكترونية والحواجز الدائرية، توزعت حشود الأمن المركزي.

أهالي المتهمين أُبعِدوا خارج الجزيرة بنحو 500 متر. بدت مشاعرهم مترقّبة، حذرة، قبل دقائق من وصول سيارات الترحيلات في التاسعة صباحاً، وسط حراسة مشددة.
مع وصول سيارات المتهمين، بدأت هتافات حزينة ينادي فيها أهل كل متهم على اسمه ليطمئن على وجوده، وهو ما كان مقدمة مؤثرة للقنبلة التي ألقيت في قاعة المحكمة.

القاضي لم يستغرق سوى 20 دقيقة ليتلو فيها الأحكام التي رأى أعضاء هيئة الدفاع أنها «أقسى من أسوأ التوقعات».

وحكمت محكمة أمن الدولة غيابياً بالسجن مدى الحياة على اللبناني محمد قبلان الذي تصفه السلطات المصرية بأنه «العقل المدبر» للمجموعة، وكذلك على ثلاثة متهمين آخرين متوارين عن أنظار السلطة المصرية.

وحكم على الموقوف محمد يوسف منصور، المعروف باسم سامي شهاب، ومتهمَين آخرين بالسجن المشدد 15 عاماً. أما بقية المتهمين فقد صدرت بحقهم أحكام بالسجن راوحت بين ستة أشهر وعشر سنوات.

خارج قاعة المحكمة، كان وقع الأحكام على أهالي المتهمين كوقع الصواعق. أمهات بعضهم أغمي عليهنّ وسط نحيب الإخوة والأبناء الذين انتظروا طويلاً من دون التمكن من دخول القاعة.

وتعدّ الأحكام التي أصدرتها المحكمة أمس غير قابلة للطعن بحسب القانون المصري، إلا أن من حق ذوي المتهمين تقديم التماس إلى رئيس الجمهورية، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يطالب بتخفيف الحكم عنهم. ويعني قبول الرئيس للالتماس إعادة المحاكمة أمام دائرة أخرى، أما إذا رفض الالتماس فلا سبيل سوى تنفيذ الأحكام.

المتهمون استقبلوا الحكم بالغضب والضرب على حديد القفص والهتافات: «الله أكبر» و«فداك يا أقصى» و«حسبنا الله ونعم الوكيل». ووجّهوا هتافاتهم إلى القضاة: «أنتم يهود مصر» و«يسقط الظلم» و«مبارك حاكم ظالم».

الضربات على القفص، ودهشة المحامين في القاعة المزدحمة دفعت الأمن إلى إقامة طوق أمني يحاصر المتهمين في المسافة بين القفص وسيارة الترحيل.
وسادت حالة من التذمر أيضاً بين أعضاء فريق الدفاع عن المتهمين فور النطق بالحكم، مؤكدين أنهم كانوا يتوقعون عقوبات مشددة، لكن ليس بهذا القدر، مكررين ما قالوه على مدى جلسات المحكمة، بأن القضية سياسية، تحاول مصر من خلالها معاقبة «حزب الله» على خطاب أمينه العام حسن نصر الله الذي هاجم فيه مصر في أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة، مطلع عام 2009.

وقال القاضي عادل عبد السلام جمعة إن المحكمة ترى أن «ما اقترفه حزب الله اللبناني من أفعال بواسطة ممثليه (...) لا صلة له بدعم المقاومة الفلسطينية». وسأل: «هل ذلك الدعم (يكون) من خلال جمع المعلومات عن القرى والمدن والطرق الرئيسية بمحافظتي شمال وجنوب سيناء وأن يشمل هذا الدعم رصد وتحديد الأفواج السياحية المترددة على مناطق جنوب سيناء؟».

ومضى سائلاً: «هل يشمل أيضاً دعم المقاومة الفلسطينية استئجار بعض العقارات المطلة على المجرى الملاحي لقناة السويس لاستغلالها لرصد السفن العابرة بالقناة؟ وهل دعم المقاومة الفلسطينية يكون من خلال تصنيع عبوات متفجرة والاحتفاظ بها في مسكن المتهم سالم عايد حمدان بمحافظة شمال سيناء؟».

وكانت محكمة أمن الدولة العليا ـ طوارئ قد بدأت بمحاكمة المجموعة التي تضم لبنانيين في آب 2009. وأنكر من حضر منهم الجلسة التهم المنسوبة إليهم.

وشهدت محاكمة «الخلية» 14 جلسة استغرقت ستة أشهر، ترددت خلالها أنباء عن وجود مباحثات بين حزب الله والقاهرة، من أجل تسوية سياسية للقضية، لكن البعض رجح فشل هذه المباحثات، وخاصة أن النيابة العامة طلبت من المحكمة الحكم بالإعدام على المتهمين، وأن المحكمة أهملت عدة طلبات لدفاع المتهمين، ولا سيما تلك التي تطالب بالتحقيق في تزوير بعض أوراق النيابة، وهو الاتهام الذي إذا ثبتت صحته، أصبحت إجراءات المحاكمة كلها باطلة.

الملاحظ أن القاضي غادر القاعة فور إعلان الأحكام، ليستعد لجولة جديدة من محاكمة هشام طلعت مصطفى، وهو ما يلقي عليه بأدوار كبيرة في اللعبة السياسية المصرية. فهو صاحب الأحكام على معارضين سياسيين، مثل أيمن نور وسعد الدين إبراهيم، وقضايا أخرى أدين في أغلبها الأطراف الذين لا يرضى عنهم النظام والحزب الحاكم في مصر.

في بيروت، وصف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الموقوفين بأنهم «إخوة مقاومون مجاهدون شرفاء، لا كما قال رئيس المحكمة الذي كان يتلو الأحكام حين وصفهم بالخارجين عن القانون والمجرمين والإرهابيين».

ورأى نصر الله أن ذنب المحكومين «الوحيد والحقيقي أنهم كانوا يمدّون يد العون لإخوانهم في قطاع غزة، ويقدمون المساعدة والمساندة للمقاومة الفلسطينية المشروعة التي يجب أن يحتضنها الجميع، وكل الأمور الأخرى التي قيلت هي تلفيقات لتغطية الإجراء الذي اتخذ بحقهم».

وخاطب نصر الله المعتقلين وعائلاتهم قائلاً: «أنتم عندما اخترتم طريق مساندة الشعب الفلسطيني ودعمه كنتم تعرفون أنه في لحظة من اللحظات قد تتعرضون للاعتقال ولما هو أبعد من الاعتقال، وهو القتل والشهادة. وبالتالي ما واجهتموه خلال السجن والأحكام التي صدرت أمس هو وسام شرف على صدوركم».

ورفض نصر الله الرأي القائل بأن في هذه الأحكام خسارة للعمق العربي لحزب الله، بل «بالعكس هذا فيه تأكيد لصدقيّة موقفنا والتزامنا تجاه الشعب الفلسطيني، وطبعاً الالتزام الممكن، فنحن نطمح إلى أن نقوم بأكثر من هذا".

ورأى النائب إميل رحمة، بصفته وكيلاً عن المعتقل محمد منصور، أن الحكم الذي صدر بحق موكله «سياسي ولا يعكس ما تدّعيه المحكمة من استقلالية، ويبتعد عن مفاخر السجل الذهبي للقضاء المصري العريق».

وأضاف: «لو ابتعدت المحكمة عن السياسة، لقضت ببراءة الموكل حسبما جاء في مرافعة زميلي المحامي الدكتور محمد سليم العوا، الذي لم يترك حيثية إلا فنّدها، داحضاً بالقوانين المصريّة المرعيّة وبالأدلة الثابتة كل ما جاء في مطالعة النيابة العامة المصرية».

وفي القاهرة، وصف المحامى عصام سلطان الأحكام بأنها «بالغة القسوة»، معتبراً أن كل أوراق القضية لا تتضمن أي دلائل على أن المتهمين كانوا يقومون بعمليات داخل مصر».

وردا على سؤال عما إذا كان المتهمون، من واقع معرفته الشخصية بهم، سيقدمون التماساً إلى الرئيس المصري حسني مبارك، قال سلطان: «لكل شخص ظروفه الخاصة. البعض قد يقبل، والبعض قد يرفض على اعتبار أنه لم يفعل شيئاً يستوجب تقديم مثل هذا الالتماس".