المؤتمر القومي العربي ينعي الصحفي والكاتب جوزف سماحة

المؤتمر القومي العربي ينعي الصحفي والكاتب جوزف سماحة


صدر عن الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي ما يلي:
تنعي الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي الصحافي والكاتب العربي الكبير الأستاذ جوزف سماحة رئيس تحرير "الأخبار" اللبنانية، وعضو المؤتمر منذ عام 1996 وشارك العام الماضي في الدورة السابعة عشر للمؤتمر التي انعقدت في الدار البيضاء ما بين (5 – 8 أيار/مايو 2006).
لقد تميّز جوزف سماحة بجرأته والتزامه ومعرفته وكتاباته الغنية بالمعلومات الدقيقة، والتحليلات العميقة، والاستشرافات الصحيحة، فاستحق أن يكون واحداً من الكتاب الكبار في صحافة العرب الحديثة.
لقد تبوأ جوزف سماحة مسؤوليات هامة في صحف عربية بارزة "كالسفير" و "الوطن" و "الحياة" وصولاً إلى "الأخبار" التي ساهم في تأسيسها لتصدر في الصيف الماضي، فكان منذ بداية عهده بالصحافة قلماً مميزاً وصوتاً قوياً ورأياً حراً لا يهادن في حق ولا يساوم في قضية.
قضايا الأمة كانت تحرك كل اهتماماته الصحفية، فيحاول عبر متابعاته الدقيقة والواسعة أن يفتح لها نوافذ، ويستشف رؤى، ويصوغ تحليلات بعيدة عن الخطابية والحماسة والتفكير الرغبوي.
عاش الكفاح الفلسطيني المعاصر بكل جوارحه، مدركاً أن قضية فلسطين هي القضية الأساس في كل قضايا الأمة، وان غالبية الجراح العربية إنما تتصل بذلك الجرح النازف الذي انطلق من فلسطين.
وعاش المحنة اللبنانية بكل تفاصيلها، وكان يطمح إلى إخراج بلده من دوامة الصراعات الطائفية والمذهبية التي وجد فيها أعداء لبنان تربة خصبة لمكائدهم ومؤامراتهم، وتمسك من اجل ذلك بالوحدة والديمقراطية في علاقات الداخل اللبناني، وبالمقاومة والممانعة في مواجهة الاحتلال والهيمنة، فلم تكن مصادفة أن تخرج "الأخبار" في عددها الأول صبيحة انتصار لبنان المقاوم على العدو الصهيوني في 14 آب 2006.
وفي العراق، كان جوزف في طليعة الذين استشرفوا الحرب الأمريكية عليه، وتوقعوا احتلاله، باعتباره كان من أوائل الصحافيين والمحللين العرب الذين رصدوا ظاهرة المحافظين الجدد ودورهم في السياسة الأمريكية مع وصول بوش إلى السلطة، تماماً كما كان أيضاً من أوائل الذين أدركوا عمق المأزق الأمريكي المتصاعد في العراق وانعكاساته على موازين القوى الإقليمية والعالمية، وذلك بفضل المقاومة العراقية الباسلة التي حرص جوزف دوماً على التمييز بينها وبين الارهاب المتوحش ضد الشعب العراقي.
لقد شكل غياب جوزف سماحة خسارة كبرى للصحافة اللبنانية والعربية، كما للمشروع النهضوي الحضاري العربي الذي كان في طليعة من حمل لواءه وسعى، ويسعى إلى تجسيده في الواقع العربي.
كما شكل غياب شخصيته الوادعة المتواضعة النبيلة، خسارة شخصية لكل من عرفه وصادقه لاسيّما من الكثر من أعضاء المؤتمر القومي العربي.
هذا وفور شيوع وفاة جوزف سماحة، توجه الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي الأستاذ معن بشور إلى صحيفة "الأخبار" معزياً باسمه، وباسم الأمانة العامة للمؤتمر، بالراحل الكبير، كما توجه عدد كبير من أعضاء المؤتمر القومي العربي في لبنان للمشاركة في التعزية.
كما كتب الاستاذ معن بشور بتاريخ 26/2/2007، كلمة في فقيد لبنان والعروبة هذا نصها:

كيف سنبدأ صباحنا ...
دون قراءتك يا جوزف
بين قلة من الصحفيين والكتاب اللبنانيين والعرب استطاع جوزف سماحة أن يجمع بين المهنية الراقية والالتزام العميق، فلا جنح باسم المهنية إلى التحلل من الالتزام ولا تلطّى وراء الالتزام كي يعفي نفسه من شروط المهنية القاسية.
قال احدهم "كان جوزف صحفياً يقرأ" فأجاب الآخر"لذلك كان يقرأه الناس"، فهو كان يذهب إلى مصادر الخبر يرصدها، يتابعها، يحللها، يفكك عناصرها، فيقدم لقارئه خدمة تحليلية مميّزة جنباً إلى جنب مع الخدمة الإخبارية الممتازة.
لم يكن جوزف سماحة مجرد صحافي لامع، أو كاتب متألق ينتظره القارئ كل صباح، كما ينتظر فنجان القهوة أو كلمة "صباح الخير" من حبيب أو قريب،بل كان جوزف أيضاً مدرسة في الكتابة الصحافية تجمع بين المعلومة الموثقة، والتحليل العميق، والالتزام الصافي من شبهة العصبوية والفئوية، وخصوصاً من شائبة الذاتية التي أجهضت قدرات ومواهب وطاقات كثيرة.
بين المثقفين كانت ثقافته عميقة تطارد السطحية والارتجال والانفعال والانتفاع، لأنه كان يدرك انه مع الثقافة لا يوجد أنصاف حلول أو أنصاف مثقفين، فالثقافة قيمة سامية يتطلب الارتقاء إليها انقطاعاً يشبه انقطاع الصوفيين، انغماساً في عذابات الناس يشبه انغماس المناضلين.
لم يخسر جوزف قراؤه الكثر على امتداد لغة الضاد فقط، ولم تخسره "الأخبار" وهي تشق الخطوات الأولى في طريقها الصعب والطويل فحسب، بل خسره لبنان الواحد كله، وخسرته العروبة الديمقراطية، كما خسرته حركة النهوض الحضاري في الأمة ...
خسره لبنان الواحد لأنه من القلة التي أفلتت من بين متاريس الطوائف والمذاهب، وخنادق الحروب الأهلية، المعلنة والكامنة، فتحولت كتاباته إلى جسر بين عقول اللبنانيين يستعينون بها على الغرائز المنفلتة.
وخسرته العروبة والديمقراطية معاً، فجوزف لم يكن يقبل أبداً الفصل بينهما، أي بين هوية مستهدفة من كل أعداء الأمة، وديمقراطية تثبت كل يوم أنها حصن الهوية المنيع في كل الظروف وبوجه كل التحديات.
أما حركة النهوض الحضاري العربي فقد خسرت في جوزف احد الحالمين الكبار بنهضة العرب، مجدداً تراث نهضويين لبنانيين انطلقوا من قلب الجبل اللبناني ليعم نورهم سهول الوطن العربي الكبير وبواديه وأوديته ومرتفعاته.
وداعاً يا جوزف، فلقد اقتلعت برحيلك الباكر جزءاً جميلا من صباحنا .. إذ كيف سنبدأ صباحنا إذا لم نقرأ جوزف سماحة.


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018