جمال عبد الناصر حقبة العزة القومية

جمال عبد الناصر حقبة العزة القومية

إن الجزائر كانت تناضل وتنتظر شيئين: يوم الاستقلال.. ويوم يزورها عبد الناصر
كانت هذه الجملة لأحمد بن بلا في استقباله لناصر في بلد المليون شهيد بعد تحرره من نير استعمار جثم فوق صدره 132 عاما، وكانت تلك حقبة المد القومي العربي، زاخرة بالأحداث مصحوبة بجو من الانفعال والأمل..

من الصعب جدا أن تعود إلى قراءة تلك الحقبة من التاريخ العربي دون أن يتملكك إحساس برهبة ما، ودون أن تسأل نفسك ماذا سيكون الواقع العربي بمجمله لو لم تنقطع تلك المسيرة بنكسة 67 وبوفاة جمال عبد الناصر عام 70.

واجه جمال عبد الناصر حربا علنية وسرية ضد مشروعه الوطني والقومي من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل والرجعية العربية التي ربطت مصيرها بالاستعمار، لأنها عرفت أن تأثير الناصرية طال كل البقاع العربية وأيقنت أن مشروع ناصر يهدد وجودها ومصالحها.

ولد الزعيم الراحل جمال عبدا لناصر في (15 يناير 1918 وتوفي في 28 سبتمبر 1970م). إلا أن السنوات الممتدة بين عامي 1956 و 1970 غيرت وجه الوطن العربي، واستطاع جمال عبد الناصر خلال سنوات قليلة أن يكسب حب وتعاطف أمة كاملة تعلقت آمالها به، أمة كشف لها مكامن قوتها بعد أن جعلها تحس وتتصرف كأمة، وكان ناصر بمثابة تيار جارف حرك شيئا ما في أعماق النفوس المغيبة المقهورة، الرابضة تحت ذل الاستعمار الجاثم فوق حلمها، أو تحت قبضة أنظمة عميلة له، وبدأ يسري في تلك النفوس شعور جديد بالتصميم والتحدي لم تتعود عليه من قبل ورسمم هذا الزعيم الخالد حقبة ناصعة البياض في التاريخ العربي

كانت نكبة فلسطين عام 1948 حافزا شديدا لناصر ورفاقه الذين تعرف عليهم خلال مسيرته العسكرية للثورة على الفساد والاستغلال والاستعمار وعلى نتائج النكبة التي لحقت بالعالم العربي في فلسطين، رغم أن جذور الفكرة كانت قد بدأت قبل أكثر من عقد من الزمن، وتبلورت فكرة تنظيم الضباط الأحرار كتنظيم سري عام 1949 وتم في هذه السنة تشكيل لجنة تأسيسية للتنظيم الذي سيغير بعد سنوات مستقبل مصر والأمة العربية ويبث فيها روح الحياة والأمل.
عقب صدور قرار تقسيم فلسطين في سبتمبر ١٩٤٧ عقد الضباط الأحرار اجتماعاً واعتبروا أن اللحظة جاءت للدفاع عن حقوق العرب ضد هذا الانتهاك للكرامة الإنسانية والعدالة الدولية، واستقر رأيهم على مساعدة المقاومة في فلسطين. وفى اليوم التالي ذهب جمال عبد الناصر إلى مفتى فلسطين الذي كان لاجئاً يقيم في مصر الجديدة فعرض عليه خدماته وخدمات جماعته الصغيرة كمدربين لفرقة المتطوعين وكمقاتلين معها. وقد أجابه المفتى بأنه لا يستطيع أن يقبل العرض دون موافقة الحكومة المصرية. وبعد بضعة أيام رفض العرض فتقدم بطلب إجازة حتى يتمكن من الانضمام إلى المتطوعين، لكن قبل أن يبت في طلبه أمرت الحكومة المصرية الجيش رسمياً بالاشتراك في الحرب. فسافر جمال إلى فلسطين في ١٦ مايو ١٩٤٨، بعد أن كان قد رقى إلى رتبة صاغ (رائد) في أوائل عام ١٩٤٨.
لقد كان لتجربة حرب فلسطين آثاراً بعيدة على جمال عبد الناصر ويقول: "فلم يكن هناك تنسيق بين الجيوش العربية، وكان عمل القيادة على أعلى مستوى في حكم المعدوم، وتبين أن أسلحتنا في كثير من الحالات أسلحة فاسدة، وفى أوج القتال صدرت الأوامر لسلاح المهندسين ببناء شاليه للاستجمام في غزه للملك فاروق.
وقد بدا أن القيادة العليا كانت مهمتها شيئاً واحداً هو احتلال أوسع رقعة ممكنة من الأرض بغض النظر عن قيمتها الإستراتيجية، وبغض النظر عما إذا كانت تضعف مركزنا العام في القدرة على إلحاق الهزيمة بالعدو خلال المعركة أم لا.
وقد كنت شديد الاستياء من ضباط الفوتيلات أو محاربي المكاتب الذين لم تكن لديهم أية فكرة عن ميادين القتال أو عن آلام المقاتلين.
وجاءت القطرة الأخيرة التي طفح بعدها الكيل حين صدرت الأوامر إلىّ بأن أقود قوة من كتيبة المشاة السادسة إلى عراق سويدان التي كان الإسرائيليون يهاجمونها، وقبل أن أبدأ في التحرك نشرت تحركاتنا كاملة في صحف القاهرة. ثم كان حصار الفالوجا الذي عشت معاركه؛ حيث ظلت القوات المصرية تقاوم رغم أن القوات الإسرائيلية كانت تفوقها كثيراً من ناحية العدد حتى انتهت الحرب بالهدنة التي فرضتها الأمم المتحدة " في ٢٤ فبراير ١٩٤٩.
وقد جرح جمال عبد الناصر مرتين أثناء حرب فلسطين ونقل إلى المستشفى. ونظراً للدور المتميز الذي قام به خلال المعركة فإنه منح نيشان "النجمة العسكرية" في عام ١٩٤٩.
وبعد رجوعه إلى القاهرة أصبح جمال عبد الناصر واثقاً أن المعركة الحقيقية هي في مصر، فبينما كان ورفاقه يحاربون في فلسطين كان السياسيون المصريون يكدسون الأموال من أرباح الأسلحة الفاسدة التي اشتروها رخيصة وباعوها للجيش.
وقد أصبح مقتنعاً أنه من الضروري تركيز الجهود لضرب أسرة محمد على؛ فكان الملك فاروق هو هدف تنظيم الضباط الأحرار منذ نهاية ١٩٤٨ وحتى ١٩٥٢.
وقد كان في نية جمال عبد الناصر القيام بالثورة في ١٩٥٥، لكن الحوادث أملت عليه قرار القيام بالثورة قبل ذلك بكثير.
وفى ٨ مايو ١٩٥١ رقى جمال عبد الناصر إلى رتبة البكباشى (مقدم) وفى نفس العام اشترك مع رفاقه من الضباط الأحرار سراً في حرب الفدائيين ضد القوات البريطانية في منطقة القناة التي استمرت حتى بداية ١٩٥٢، وذلك بتدريب المتطوعين وتوريد السلاح الذي كان يتم في إطار الدعوى للكفاح المسلح من جانب الشباب من كافة الاتجاهات السياسية والذي كان يتم خارج الإطار الحكومي.
ومع بداية مرحلة التعبئة الثورية، صدرت منشورات الضباط الأحرار التي كانت تطبع وتوزع سراً. والتي دعت إلى إعادة تنظيم الجيش وتسليحه وتدريبه بجدية بدلاً من اقتصاره على الحفلات والاستعراضات، كما دعت الحكام إلى الكف عن تبذير ثروات البلاد ورفع مستوى معيشة الطبقات الفقيرة، وانتقدت الاتجار في الرتب والنياشين. وفى تلك الفترة اتسعت فضيحة الأسلحة الفاسدة إلى جانب فضائح اقتصادية تورطت فيها حكومة الوفد.
ثم حدث حريق القاهرة في ٢٦ يناير ١٩٥٢ بعد اندلاع المظاهرات في القاهرة احتجاجاً على مذبحة رجال البوليس بالإسماعيلية التي ارتكبتها القوات العسكرية البريطانية في اليوم السابق، والتي قتل فيها ٤٦ شرطياً وجرح ٧٢. لقد أشعلت الحرائق في القاهرة ولم تتخذ السلطات أي إجراء ولم تصدر الأوامر للجيش بالنزول إلى العاصمة إلا في العصر بعد أن دمرت النار أربعمائة مبنى، وتركت ١٢ ألف شخص بلا مأوى، وقد بلغت الخسائر ٢٢ مليون جنيهاً.
وفى ذلك الوقت كان يجرى صراعاً سافراً بين الضباط الأحرار وبين الملك فاروق فيما عرف بأزمة انتخابات نادي ضباط الجيش. حيث رشح الملك اللواء حسين سرى عامر المكروه من ضباط الجيش ليرأس اللجنة التنفيذية للنادي، وقرر الضباط الأحرار أن يقدموا قائمة مرشحيهم وعلى رأسهم اللواء محمد نجيب للرياسة، وقد تم انتخابه بأغلبية كبرى وبرغم إلغاء الانتخاب بتعليمات من الملك شخصياً، إلا أنه كان قد ثبت للضباط الأحرار أن الجيش معهم يؤيدهم ضد الملك، فقرر جمال عبد الناصر – رئيس الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار – تقديم موعد الثورة التي كان محدداً لها قبل ذلك عام ١٩٥٥، وتحرك الجيش ليلة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وتم احتلال مبنى قيادة الجيش بكوبري القبة وإلقاء القبض على قادة الجيش الذين كانوا مجتمعين لبحث مواجهة حركة الضباط الأحرار بعد أن تسرب خبر عنها .
وبعد نجاح حركة الجيش قدم محمد نجيب على أنه قائد الثورة - وكان الضباط الأحرار قد فاتحوه قبلها بشهرين في احتمال انضمامه إليهم إذا ما نجحت المحاولة - إلا أن السلطة الفعلية كانت في يد مجلس قيادة الثورة الذي كان يرأسه جمال عبد الناصر حتى ٢٥ أغسطس ١٩٥٢ عندما صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بضم محمد نجيب إلى عضوية المجلس وأسندت إليه رئاسته بعد أن تنازل له عنها جمال عبد الناصر.
وفى فبراير ١٩٥٤ استقال محمد نجيب بعد أن اتسعت الخلافات بينه وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة، وعين جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورئيساً لمجلس الوزراء. وظل جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة حتى رحل في ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠

جمال عبد الناصر توفي عام 70 وتعثر بموته مشروعه القومي بل مشروع العرب جميعا واستلم خلفه حكم مصر بادئا أيام حكمه بتقبيل تمثال جمال عبد الناصر وما لبث أن قوقع مصر في مصر وأعلن العداء للناصرية وذهب إلى صلح منفرد مع إسرائيل عازلا مصر عن بيتها العربي، وزحف باتجاه أمريكا والغرب ووضع حدا لحلم عربي بوحدة الرأي وبوحدة الموقف، وضرب التحدي والتصميم والكبرياء الذي غرسه ناصر في أمته ضربة قاضية.

الاستعمار لبس حلة جديدة وتأنق وعاد إلى البلدان العربية بشكل جديد، والرجعية العربية التي حاربت ناصر ما زالت هي ذاتها، واتسعت رقعتها، وأصبحت "قضية العرب" هي قضية الفلسطينيين وحدهم وجاء احتلال العراق بتسهيلات من تلك الرجعية ليصبح شأن العراقيين وحدهم، ولتدخل السودان في حرب أهلية بإيعاز ودعم من الغرب بما يخدم مصالحه ويبقى الشأن سودانيا.

حتى قسم من البلدان العربية التي تحررت بدعم كلي من "ناصر" الذي ناصر ثوراتها ولم يبخل عليها بشيء، وكان يراقب تطوراتها وأحداثها بترقب وبكثير من الاهتمام، ليرى نتائج ما اعتبره انجازا فعليا للمد القومي الذي بدأه، انحازت اليوم إلى الرجعية وانضمت إلى حرب أمريكا على ما تسميه بالإرهاب، "الإرهاب" الذي هو نتيجة لإرهاب أمريكا وإسرائيل والأنظمة القمعية المتواطئة. وتلك الحرب بالمنظور العربي هي حرب مع الذات وانسياق تام مع السياسة الأمريكية التي تدعم إسرائيل بصورة مطلقة على حساب الحقوق العربية، وبالمنظور الاستعماري هي حماية المصالح القومية الأمريكية وتعزيز أمن إسرائيل على حساب النهضة والسيادة العربية، والمطلوب عربيا هو مصالحة مع الذات بدلا من الحرب مع الذات لمصلحة أجنبية.

"عبد الناصر الذي جعل أمة تستفيق ذات فجر لتجد أنها أمة وبأن آلامها واحدة وأحزانها واحدة... مات... ومات معه "النحن"، قيل أن النصر سيأتي من فلسطين، ثم قيل أن النصر سيصنع في العراق، ولكنني أعتقد جازما أن النصر العربي لا يمكنه أن يبدأ إلا في مصر جمال عبد الناصر.


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018