د.بشارة: إسرائيل والولايات المتحدة، وليس حزب الله، دخلتا في مغامرة غير محسوبة..

د.بشارة: إسرائيل والولايات المتحدة، وليس حزب الله، دخلتا في مغامرة غير محسوبة..

أجرت كل من قناتي "الجزيرة" و"دبي" لقاءين مع د.عزمي بشارة، مساء السبت(22/07/2006)، أكد فيهما على أن العدوان الإسرائيلي على لبنان وجرائم الإحتلال في قطاع غزة، تدخل ضمن المخططات الإقليمية الأمريكية في المنطقة، والتي تستهدف في المرحلة الحالية المقاومة (فلسطينية ولبنانية) وثقافة المقاومة، وصولاً إلى فرض الهيمنة الأمريكية في المنطقة وعزل سورية وإيران.

إلا أنه يشير إلى أن صمود المقاومة اللبنانية يؤكد أن إسرائيل والولايات المتحدة قد دخلتا في مغامرة غير محسوبة، وبالنتيجة فإن ما يحصل على الأرض هو تعبئة الشعوب العربية ضد المشروع الأمريكي. وأن التضامن مع الشعبين؛ الفلسطيني واللبناني، سيتحول إلى حركة قوية تطرح الأفكار حول مستقبل العالم العربي...

ضمن برنامج" ما وراء الخبر" الذي بثته قناة "الجزيرة" يوم السبت (22/07/2006)، ورداً على سؤال حول على من تراهن واشنطن في "الشرق الأوسط الجديد" الذي تتحدث عنه وزيرة الخارجية الأمريكية، كونداليزا رايس، قال د.عزمي بشارة:" الهدوء في سحنة "الست" تشير إلى أنهم "تحملوا" هذا الكم من اللحم المحروق وجثث الأطفال، الأمر الذي يجعل الدم يغلي في العروق.. أعتقد أنه ليس لديها نظرية.. هم يعتقدون أنه قد سنحت الفرصة لدفع "العربة" إلى الأمام، ودفع ما يزعمون أنه /محور الشر/ إلى التراجع. يعتقدون أنه بالإمكان ضرب ثقافة المقاومة وفرض الهيمنة الأمريكية من خلال ضرب المقاومة اللبنانية وعزل سورية وإيران، على اعتبار أن العزل قد يضعف شرعية الدولة". لقد تخلت الولايات المتحدة عن نظرية الشرق الأوسط الكبير التي أعلنها بوش يوم 21 سبتمبر 2004 ونماذجه المعلنة العراق وأفغانستان بادعاء نشر الديمقراطية لصالح "الشرق الأوسط الجديد" من تنظير إسرائيل وشمعون بيرس تحديدا. وهو يعني تحالفا إسرائيليا مع أنظمة عربية غير ديمقراطية ولكن موالية لأميركا ضد المقاومة والأنظمة الرافضة للهيمنة الأميركية.

وأضاف أنه إذ تسامحنا بالإمكان تسمية هذا التقلب نظرية، ولكن لا يمكن تطبيق هذه النظرية في الشرق الأوسط، فما يحصل هو أن أنظمة عربية فاسدة ودكتاتورية أصبحت الآن معزولة عن شعوبها، وسيؤدي ذلك إلى حالة من عدم الاستقرار وردود فعل عنيفة. ولذلك فليس حزب الله هو من قام بمغامرة، إسرائيل والولايات المتحدة دخلتا في مغامرة غير محسوبة!

ويتفق د.عمر حمزاوي مع د. بشارة على أنه من الصعب الحديث عن تصور استراتيجي شامل للولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالخرائط الجديدة المزعومة للشرق الأوسط، إلا أن الولايات المتحدة لديها عدد من المقومات التي تستند إليها، أولها الوجود العسكري لها في المنطقة، وثانيها الأنظمة العربية البعيدة عن الديمقراطية والتي أعفيت من الضغط باتجاه المزيد من الديمقراطية وسنحت لها الفرصة لإعادة علاقاتها مع الولايات المتحدة إلى سابق عهدها، وثالثها هو توافق الإرادات الدولية، وخاصة الإتحاد الأوروبي.

ورداً على سؤال هل ستضع الشعوب العربية العصي في دواليب السياسة الأمريكية، قال د.بشارة هناك أنظمة براغماتية وحركات مقاومة، ولكن العامل الحاسم هو الشعوب العربية.

وأضاف، وكما هو معروف، فإن الإستراتيجية الأمريكية تنزع الهوية العربية وتزرع التفتيت وما تسميه /الفوضى الخلاقة/.

وزاد أنه لأمر مهول وفظيع أنهم يعتبرون أن هذا الهدم هو قرابين على مذبح المشروع الأمريكي.. تهدم القرى والمدن، ويجري الاستفراد بالشعوب في لبنان وغزة، ويتم تبرير المجازر كقرابين.. "هم يستطيعون أن يوقفوا الحرب لو أرادوا، ولكنهم يريدون تحقيق الهيمنة الأمريكية ونزع الهوية العربية ونزع مصادر شرعية المقاومة والديمقراطية.

وفي إطار برنامج "المقال" الذي قدمه السيد داوود الشريان، في قناة "دبي"، مساء السبت (22/07/2006)، قال د.عزمي بشارة إن الإسرائيليين اعتقدوا أن تأجيل المعركة مع حزب الله يقوي الحزب، ويجعله أكثر قوة من ناحية اجتماعية وسياسية وحتى عسكرية، ولذلك فإن التأجيل بالنسبة لهم مرفوض، وأن المواجهة قادمة لا محالة. أما بشأن الأهداف الإقليمية فيجري تنسيقها مع الولايات المتحدة. ولكنهم سيدركون أن الأهداف لن تتحقق وسوف ترتفع الخسائر، خاصة وأن تصاعد عدد الضحايا اللبنانيين لن يحتمله الرأي العام العالمي طويلاً.

أما بشأن لعب إسرائيل دوراً لتحقيق مصالح أمريكا، فقال لا شك في ذلك. فبعد فترة من تحييد إسرائيل من التخطيط الإقليمي للولايات المتحدة، وخاصة في حرب الخليج الثانية والثالثة حيث طلب منها أن تصمت وألا ترد حتى على قصفها بصواريخ السكاد العراقية، فقد تجاوز المحافظون الجدد مرحلة تحييد إسرائيل، ولم يحرج ذلك الولايات المتحدة أمام حلفائها من الأنظمة العربية، بعد أن ضاق هامش حرية الأنظمة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

ورداً على سؤال حول مدى تزايد الضغط على العسكريين في إسرائيل في حال فشل الجيش في تحقيق الأهداف، قال د.بشارة إنه في الأيام القادمة، إذا كان بإمكانهم، سيزدادون وحشية، وسيقومون بضرب المدنيين، سيحاولون في الأيام القادمة حصد أكبر نتائج ممكنة، كما سيضغطون على الحكومة اللبنانية لكي تتبنى العناوين السياسية للحملة. ولا شك سيدخلون في أزمة في حال فشلهم. والأمر الثاني هو أن العرب الذين عولوا على ذلك سيدخلون في أزمة أيضاً. الأيام المقبلة ستكون "عض أصابع".. هذا يتوقف على صمود المقاومة وقدرتها على إلحاق الخسائر وقت الإنزالات الانتقائية.. ومن المرجح أن إسرائيل ستلجأ إلى الإختراقات البرية بشكل انتقائي وليس إلى اجتياح شامل. هذه معارك حاسمة وفاصلة..

وحول تأثير مدى انعدام الأمن لدى الجمهور الإسرائيلي على الإلتفاف حول الجيش، أكد د.بشارة أن تجارب الماضي تثبت ذلك، كحرب الاستنزاف، وحرب لبنان عام 1982. وخلخلة القناعة بالحرب تعتمد أساساً على عدم تحقيق نتائج وارتفاع حجم الخسائر، وفي هذه الحالة فإن الإعلام مهم جداً، ومن المهم أن تحصل قناعة أن هذه الحرب أمريكية.

ولدى سؤاله عن الصوت الطاغي في إسرائيل، خاصة وأن الحرب البرية ليست في مصلحة إسرائيل، قال إن الصوت الطاغي في إسرائيل هو صوت الولايات المتحدة.. وهذه حالة ميكانيكية لم يحصل مثلها في السابق. وقد بدأ يرتفع مؤخراً، حتى في هيئة أركان الجيش، أصوات تنادي بأنه لا يمكن تحقيق النتائج بالحرب وحدها، وأنه يجب الإنتقال إلى الضغط السياسي، ضغط لبناني وعربي ودولي، لتستكمل الحرب الإسرائيلية بوسائل أخرى. ولا يمكن اعتبار هذا النقاش خلافا على الهدف.

وحول زيارة رايس المرتقبة، قال إنها ستستمع إلى تقارير من إسرائيل من أجل إقناع الإدارة الأمريكية بفاعلية الجيش ونتائج ذلك على العرب، وثم الضغط على اللبنانيين والعالم العربي لأخذ قرار 1559 بجدية، كل ذلك في الطريق لتحقيق الخيار الأمريكي. رايس ستفحص مدى جاهزية العرب لقبول الأهداف الإسرائيلية. ولكن من المهم التوضيح أن بوش في البداية أراد من إسرائيل أن تهدد سورية، تم تغيرت اللهجة لأن الإسرائيليين لم يريدوا فتح جبهة ثانية مع سورية.

أما عن التناقض بين تطبيق 1559 بمساعدة أنظمة عربية من جهة، وضرب النظام اللبناني من جهة أخرى، فقال د.بشارة إنه نفس المنطق الميكانيكي، إسرائيل تنطلق من فهم استعماري استعلائي، تعتقد أنها تستطيع أن تحقق أهدافها بالقوة. ولكن إسرائيل لا تدرك أن هناك حباً حقيقياً للبنان وأن هناك شعوراً وطنياً لبنانياً. هي تدمر لبنان وتطلب من اللبنانيين التعاون.. وهي لا تدرك أن غالبية اللبنانيين يُستفزون لضرب لبنان.. كما أن إسرائيل لا تدرك أن الشعب اللبناني قد تجاوز 17 أيار، ولا أحد في لبنان يريد العودة إلى مربع 17 أيار.. الإسرائيليون لا يدركون كم هم مكروهون في لبنان..

وعن قراءته للساحة في لبنان إذا كانت متوحدة أم مفتتة، أكد بشارة على فارق أساسي بين الحرب اليوم بالمقارنة مع حرب عام 1982. ففي تلك الحرب كانت هناك أطراف تقاتل إلى جانب إسرائيل والمقاومة فلسطينية، أما اليوم، فلا يوجد أطراف تقاتل إلى جانب إسرائيل والمقاومة لبنانية.. وهذا جانب مهم..

كما تطرق إلى تحذيرات ميشيل عون من إمكانية تهريب أسلحة معادية للمقاومة اللبنانية، فقال:" كنا مختلفين مع عون في الماضي.. ولكن عون الآن هو وطني جمهوري وهو نمط جديد للسياسي اللبناني، وهو يحذر لكونه يخشى الفتنة الطائفية أكثر مما يخشى الحرب مع إسرائيل، وأعتقد أنه يقوم بواجبه كوطني لبناني في مسألة التحذير".

أما عن إمكانية انتقال الحرب إلى سورية، فقال إن هناك محاولة إسرائيلية لتحديد الحرب في لبنان والتركيز على المقاومة، وضرب المدنيين للضغط على المقاومة. وقال إن إسرائيل لا تريد التورط في حرب مع سورية في هذه المرحلة، بل تسعى إلى ابتزاز سورية. وبرأي بشارة فهم (وهذا نابع من عدم فهم في التخطيط، كما أن هناك جهلاً بحقيقة الوضع في سورية، حيث لا تزال تتحدث إسرائيل عن رئيس ضعيف، رغم أن هناك أوساطاً، وهم قلائل، يتابعون سورية ولكن لا يسمعهم أحد) يعتقدون أن ضرب المقاومة سوف يعزل سورية، وإيران لاحقاً. ولذلك بدأوا حربهم مع المقاومة في إطار المراحل، وإسرائيل لا تدرك أن الهوية العربية هي المميزة للحالة السورية، ولا تدرك تماسك المجتمع السوري وقومية الإنسان السوري، ناهيك عن الخوف المنتشر لدى الرأي العام من تكرار تجربة العراق. ومن الواضح أن سورية لن تسعى إلى رضا الولايات المتحدة، رغم سهولة ذلك، لكونها تدرك أن أي تغيير لهذا الخط يعرض سورية للتفتيت. كما أن إسرائيل تعتقد أن ضرب التيار الكبير المتحالف مع سورية سوف يضعف سورية وصولاً إلى إيران، ولكننا الآن أمام حالة صمود..

وبشأن مدى جدية التهديد الإيراني بخوض الحرب في حال ضرب سورية، قال د.بشارة إنه على ثقة تامة بجدية التهديد الإيراني، لأن ضرب سورية يعنى أن ضرب إيران هي مسألة وقت، وفي هذه الحالة فإذا ضربت سورية عسكرياً، فلن تجلس إيران في حالة انتظار الضربة القادمة. كما أن هناك دولاً عربية صمتت حيال ما يجري في لبنان ولكنها لن تصمت حيال سورية. وإسرائيل والولايات المتحدة تأخذان التهديدات الإيرانية بجدية.

وفي السياق الفلسطيني، فقد أكد د.بشارة أن الأمور مرتبطة، حيث أن الحرب بدأت في فلسطين بضرب نهج المقاومة ومحاصرة الحكومة الفلسطينية، ثم غارات استهدفت فلسطينيين وصلت إلى لبنان وشبكات تجسس في لبنان لضرب المقاومة الفلسطينية واللبنانية. كل ذلك سبق عملية "الوهم المتبدد" في كرم أبو سالم. لذلك فالأمور مرتبطة والهدف هو ضرب نهج المقاومة. وهنا يجدر التوضيح أن أي سلطة تأتي بها الحراب الإسرائيلية سوف تجابه بعدم شرعيتها ولن تكون مقبولة.

كما تطرق إلى تغيير الواجهات في العناوين، العراق وفلسطين وسورية وإيران ولبنان.. وقال هناك شعور شامل في الوطن العربي يؤكد أن العناوين تتغير، ولكن المستفيد واحد وهو تحالف إسرائيلي أمريكي، وهو غير عقلاني. ومن هنا فليست صدفة أن تستخدم "الست" (يقصد كونداليزا رايس) مصطلح "الشرق الأوسط الجديد"، فهم يعتقدون أن إزالة العثرات أمام المشروع تستحق إعادة تداول المصطلح! ولكن هذا في منتهى الغباء، فعملياً ما يجري على الأرض هو تعبئة الشعوب العربية ضد المشروع الأمريكي.

وفي الختام ورداً على سؤال "إلى أين نحن ذاهبون؟"، اختتم د.بشارة حديثه بالقول:" إننا ذاهبون إلى التعاطف مع الشعبين؛ الفلسطيني واللبناني. وسوف يتحول هذا التضامن مع لبنان وفلسطين إلى حركة قوية تطرح الأفكار حول مستقبل العالم العربي...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018