العراق: لا أمان للسكان حتى بعد طرد "داعش"

العراق: لا أمان للسكان حتى بعد طرد "داعش"
(أ.ف.ب)

رغم إعلان رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، الأسبوع الماضي، القضاء على تنظيم "داعش" وطرده نهائيًا من العراق بعد هزيمته عسكريا في آخر معاقله الحضرية في مدينة راوة، غربي محافظة الأنبار (غرب)، إلا أن هذا لم يلغي التهديدات الأمنية التي يشكلها على المواطنين.

فالعبادي، يدرك جيدا أن فقدان التنظيم للأراضي التي اجتاحها شمالي وغربي البلاد، والتي تقدر بثلث مساحة العراق، صيف 2014، لا يعني أن البلاد طوت صفحة التنظيم للأبد، لذلك قال إنه لن يعلن النصر النهائي على التنظيم لحين تطهير المناطق الصحراوية والنائية من "داعش".

وفور استعادة راوة في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، بدأت القوات العراقية حملة لملاحقة فلول التنظيم في مناطق صحراوية في محافظات نينوى وصلاح الدين (شمال) والأنبار.

وفي المقابل، بدأ "داعش" بالاستعداد لحرب استنزاف طويلة الأمد، يشن خلالها هجمات خاطفة في حرب عصابات كان التنظيم يلجأ إليها بصورة رئيسية قبل سيطرته على أراضي واسعة في العراق وسوريا المجاورة قبل ثلاث سنوات.

ويقول مسؤول الشرطة الاتحادية في ناحية حمام العليل (30 كلم جنوب مدينة الموصل/ شمال)، الرائد علي البيضاني، أن "داعش، وبعد خسارته لحرب المدن لجأ الى المناطق الصحراوية، وأخذ بإعادة ترتيب أوراقه، وأقام مقرات له هناك، من أجل أن يعتمدها في زعزعة الأمن والاستقرار داخل الموصل ونواحيها".

وأضاف البيضاني أن "التنظيم بدأ بالفعل بشن العديد من العمليات الإرهابية ضد القوات الأمنية والمدنيين بالمناطق الواقعة جنوب الموصل من خلال الاعتماد على أسلوب الكر والفر، مستغلين المساحات الصحراوية الشاسعة التي يتنقلون من خلالها بحرية في عدة محافظات عراقية".

ويؤكد الضابط العراقي أن "كل يوم يمضي على تواجد داعش، في الصحراء دون معالجة (أمنية) يزداد قوة ويكتسب الثقة لترتيب صفوفه والانتقال من مرحلة العمليات الإرهابية الاعتيادية إلى العمليات النوعية، والتي تسبب ضررا بالغا بحق الجهة التي تستهدفها".

وفر الكثير من مسلحي "داعش" من أمام المواجهات المباشرة خلال المعارك على الأرض إلى مناطق نائية وصحراوية تمتد على مساحة شاسعة من نينوى وصلاح الدين إلى الشمال، وصولا إلى الأنبار الحدودية مع كل من سورية والأردن والسعودية.

ويقول الضابط البيضاني، إن تطهير الصحراء من "داعش" يتطلب عملية عسكرية واسعة النطاق بالتعاون والتنسيق مع دول الجوار والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

ويضيف قائلا "بخلاف ذلك فإن الإرهاب سيبقى معتمدا على الموارد التي يمتلكها أو يحصل عليها من هنا وهناك وبالتالي لا أمن ولا استقرار سوف يتحقق".

وتركزت الهجمات التي شنها مسلحو "داعش" خلال الأسابيع الأخيرة في المناطق الواقعة إلى الجنوب مباشرة من الموصل، ولا سيما في ناحية حمام العليل.

ويكشف النقيب في وحدة الأرشفة والتوثيق الجنائي في جهاز شرطة نينوى المحلية، أحمد عبد الإله، عن "وقوع 14 حادثا إرهابيا جنوب الموصل، منذ بداية تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري ولغاية الآن، وراح ضحيتها مدنيون ومنتسبون في القوات الأمنية، فضلا عن خسائر مادية".

وقال عبد الاله، في حديثه للأناضول، إن "أغلب الهجمات الإرهابية التي بات داعش ينفذها بعد تحرير نينوى كانت بالعبوات الناسفة متطورة الصنع، والتي يتم زرعها في مناطق حيوية، كالطرق الرئيسية، كي يوقع خسائر كبيرة ومؤثرة في الوقت ذاته".

ويشير إلى أن "أغلب الإرهابيين الذين يتواجدون في الصحراء مقاتلون محليون وليسوا أجانب، وبدأوا يحاولون الآن إعادة الوضع إلى المربع الأول".

ويعد نهر دجلة وفروعه، شرايين الحياة في مناطق جنوب الموصل التي تضم جغرافية متنوعة بين السهول والتلال الصخرية والترابية والأحراش، فضلا عن مغاور وكهوف طبيعية.

ويقول المقدم في الجيش العراقي، عبد السلام الجبوري، إنه "منذ تحرير هذه المناطق أدركنا أن الملف الأمني لم يحسم بشكل كامل، فخلايا داعش ما تزال تختبئ بين الأحراش".

وأضاف أن "عمليات التطهير والتمشيط مستمرة في المنطقة، لكننا ننتظر موافقة قياداتنا لإضرام النيران ببعض الأحراش المشتبه بوجود عناصر التنظيم بينها، مع رفع مستوى المياه لإغراق الكهوف والخنادق التي يختبئون فيها لإخراجهم كالجرذان".

ومع ظهور بوادر حرب الاستنزاف، بدأ المدنيون يستشعرون بالخطر مجددا.

"لا أمان ولا خدمات" في ناحية الشورة، جنوب الموصل، هذا ما قاله محمد إبراهيم الجحيشي، أحد سكنة الناحية.

ويضيف أنه "بعد الساعة الثالثة عصرا يصبح الخروج من المنزل يشكل خطرا على حياة الفرد لأن هناك عصابات مسلحة، لا يعرف انتماؤها، تقوم بعمليات تسليب وسرقة وقتل، فضلا عن الهجمات المسلحة التي يشنها منتمون للتنظيم على القوات الأمنية الماسكة للأرض بين الحين والآخر، والتي ينتج عنها حدوث مواجهات بين الطرفين تستمر لساعات".

وأشار الجحيشي إلى أن هناك الكثير من المدنيين في ناحية الشورة فُقدوا، وبعد أيام وُجدوا مقتولين، وجثثهم ملقاة على قارعة الطرقات أو في بعض الأماكن النائية.

ويؤكد أيضا أن "الميليشيات المسلحة التي تندرج تحت لواء الحشد الشعبي، ترتكب بدورها الكثير من الجرائم والمخالفات بحجة محاربة التنظيم ولا أحد يستطيع منعها ومن يقدم على منعها أو محاولة منعها يعرض نفسه إلى القتل".

وبيّن الجحيشي أن "الكثير من العائلات بدأت ببيع أراضيها ومنازلها في مناطق جنوب الموصل، والهجرة نحو مناطق العراق الوسطى للسكن هناك خوفا على حياتها".

ويختم حديثه بالقول، أن "جنوب الموصل بعد التحرير تحول إلى بؤرة للخارجين عن القانون، وأن القوات الأمنية تحاول في الكثير من الأحيان التغطية على حقيقة الوضع وتقديم معلومات مغلوطة للإيهام بأنها تسيطر على الوضع".

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018