تاريخٌ سعودي أسوَد: سياسة الاختطاف والقتل للمعارضين

تاريخٌ سعودي أسوَد: سياسة الاختطاف والقتل للمعارضين
أمراء سعوديّون لم يسلموا من الاختطاف. من اليمين: سعود سيف النصر- سلطان بن تركي- تركي بن بندر (الشبكة)

 يد السلطة لا تطال فقط معارضيها المُباشرين كسلطة، بل من يُعارضون أي قرار تتخذه أو تتبنّاه السلطة.
حتّى الأُمراء لم يسلموا من الاختطاف.
طالت سياسة الخطف، التي امتهنتها السلطات السعودية، أشخاصا غير سعوديين.


بعد اختفائه عَقِب دخوله مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري؛ أعادت قضية الإعلامي السعودي جمال خاشقجي، الذي رجحت تركيا قتله بالقنصلية السعودية، إلى الأذهان عمليات خطف عديدة طالت معارضين سعوديين بارزين خارج السعودية.

عمليات الخطف طالت في أوقات سابقة، حتّى أمراء من الأسرة الحاكمة، حيث أُعيدوا إلى الرياض ليدفعوا ثمن انتقاد سياسة بلادهم.

جمال خاشقجي (أ ب)

هناك عدة شواهد تُؤيد فرضية اختطاف خاشقجي، أبرزها أن القنصلية السعودية كانت على علم مسبق بقدومه إليها، إذ إن موظفيها حددوا له هذا الوقت للقدوم مجددا لإتمام معاملاته، وهو ما حدث، فقد ذكرت خطيبته أن حصوله على وثائق عائلية، حتّم عليه الذهاب إلى السفارة في زيارة كان من المُفترَض ألا تكون طويلة، بيد أن الواقع كان مُغايرا تماما إذ إن خطيبته انتظرته لساعات عدة خارج مبنى القنصلية، بيد أنه لم يخرج، فما كان منها إلا أن تُراجع مسؤولين بالقنصلية، أبلغوها بمغادرته المكان فاتصلت بالسلطات التركية.

ويبدو أن الخاشقجي كان متوجّسًا من زيارته للقنصلية، إذ إن خطيبته ذكرت أنه سلمها هاتفه المحمول ودخل لاستلام الأوراق، مُوصيًا إياها أن تتصل بمستشار رئيس حزب العدالة والتنمية التركي ياسين أقطاي، وجمعية "بيت الإعلاميين العرب" في تركيا، إن تأخر أو حدث شيء.

السفارة السعودية في إسطنبول (أ ب)

وكانت الشرطة التركية، قد رجّحت أمس السبت، مقتلَ خاشقجي داخل القنصلية، وذكرت مصادر أن فريقًا سعوديا قام بتعذيبه وتقطيعه، كما أن وكالات أنباء مختلفة، نقلت عن مصادر تركية مُطّلعة أن الشرطة تعتقد أن خاشقجي قُتل داخل القنصلية بأيدي فريق، أتى خصيصا إلى إسطنبول وغادر في اليوم نفسه، في وقتٍ تُصرّ فيه الرياض على أنه غادر القنصلية بعد دخوله بقليل.

اختطاف ثلاثة أمراء

وشهدت الفترة المُمتدّة ما بين أيلول/ سبتمبر 2015 وحتى شباط/ فبراير 2016، أشهر جرائم الخطف، التي تعتمدها السلطات السعودية، تمثّلت في اختطاف ثلاثة أمراء، تم إجبارهم على العودة إلى الرياض، وكان من بينهم الأمير سلطان بن تركي الذي تم اختطافه في الأول من شباط/ فبراير 2016 وبرفقته 20 من حاشيته من حاملي الجنسيات الغربية، قال اثنان منهم إنهما كانا برفقة الأمير على متن طائرة متجهة إلى القاهرة، إلا أنه تم تحويل مسارها ليجدوا أنفسهم بالرياض. وأفادا بأن الأمير لم يستسلم بسهولة حيث صرخ وتعارك بالأيدي مع مضيفي الطائرة الذين تبين حملهم أسلحة أخفوها من أجل إخضاعه وبقية المسافرين، بحسب وثائقي بثته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وأُحيطت الطائرة فور هُبوطها بعشرات المركبات العسكرية والجنود المسلحين، وتم اقتياد الأمير إلى سيارة مجهولة، ليصرخ لطاقمه المرافق بأنهم "تعرضوا لعملية اختطاف، وبأن عليهم إخبار سفاراتهم"، ومنذُ ذلك الحين لم يُرَ الأمير في العلن كما أكدت صحيفة " غارديان" البريطانية.

ولم يسلم مسؤولٌ أمني سابق، كان مُكلّفا بفرض النظام بين أفراد الأسرة المالكة ذاتها، الأمير تركي بن بندر آل سعود، من السجن الذي زُجّ فيه بسبب خلاف أسري قبل أن يفر إلى باريس ويدعو إلى تبني إصلاحات بالسعودية منذ عام 2009، عن طريقِ مقاطع فيديو تنتقد السياسات السعودية، استمرّ بنشرها حتى تموز/ يوليو 2015، ثم اختفى في وقت لاحق من السنة ذاتها، ليتضح في ما بعد أن هذا الأمير كان عائدا إلى فرنسا بعد زيارة إلى المغرب عندما اعتقل وسجن هناك، ثم سُلم إلى سلطات بلاده بناءً على طلب منها بموافقة محكمة مغربية، وفق ما ذكرت صحيفة مغربية.

ومن الجلّي أن يد السلطة لا تطال فقط معارضيها المُباشرين كسلطة، بل من يُعارضون أي قرار خارجي تتخذه أو تتبنّاه السلطة، فقد تسبّب انتقاد النظام، والدعوة لمقاضاة مسؤولي السعودية، الذين أيدوا عزل الرئيس المصري محمد مرسي، في ترسيخ سياسة الاختطاف مع ثالث الأمراء المختطفين، وهو سعود بن سيف النصر، الذي دفع أميرا أخر انشق عن الأسرة المالكة هو الأمير خالد بن فرحان آل سعود -الذي حصل على اللجوء السياسي في ألمانيا عام 2013- إلى تأكيد أنه (سعود بن سيف النصر) وقع ضحية فخ لاستدراجه من مدينة ميلانو إلى روما لمناقشة مشروع مع شركة روسية إيطالية، مشيرا إلى أن "طائرة خاصة من الشركة جاءت وأخذت الأمير. لكنها لم تهبط في روما وإنما في الرياض".

ولا تُعدّ سياسات الخطف، سياسة جديدة بالنسبة للسلطة الحاكمة في السعودية، فإذا ما عُدنا لنُقلّب صفحات التاريخ، سوف نجدُ عدةَ حوادث مُماثلة، منها حادثة خطف المعارض اليساري ناصر السعيد الذي اختُطِفَ من بيروت في 17 كانون الأول/ ديسمبر 1979، وكان قد عمل في شركة "أرامكو" وخاض سلسلة من الإضرابات العمالية ضد ظروف العمل الشاقة آنذاك، قبل أن ينتقل إلى مصر عام 1956 ويبث عبر إذاعة صوت العرب قصائد وخطابات مناهضة لنظام الحكم في بلاده، لينشر مارك يونك، وهو بريطاني عمل حارسا لإحدى عائلات آل سعود، مذكراته، بعد ثلاثين عاما من اختفائه (ناصر السعيد)، وكشف فيها أن السعيد اختطف من بيروت وأُلقي من طائرة على أحد سواحل البحر المتوسط.

وفي عام 2003، تعرض المعارض السعودي البارز سعد الفقيه، لمحاولة اختطاف فاشلة أصيب خلالها بعدة طعنات وكسرت ساقه قبل أن يُنقل لمستشفى بالعاصمة البريطانية، لتُشير تلك الحادثة إلى أن سياسة الخطف لم تكن ناجحة على الدوام، إلا أنها مُستمرّة حتى الآن، وهو ما تؤكّده حادثة الاعتداء على الناشط السعودي المعارض غانم الدوسري، الذي تعرض في الأول من أيلول/ سبتمبر ،2018 لاعتداء بأحد شوارع لندن ممن قال إنهما شابان تابعان للسلطات السعودية، وفقًا لمقابلة نشرتها صحيفة إندبندنت البريطانية، التي نقلت عن الدوسري قوله إن المهاجميْن سعوديان وقد عادا إلى البلاد بعد الاعتداء، مشيرا إلى أنه تلقى اتصالا هاتفيا لاحقا ممن يدّعي أنه الشخص الذي لكمه قائلا إنه بالسعودية.

وتخطّت سياسة الخطف، التي امتهنتها السلطات السعودية، حدودَ مواطنيها وأفرادها الواجب عليها حمايتهم أصلا، لتطال أشخاصا غير سعوديين، بدءا من تسليم سياسيين ليبيين قدموا لأداء مناسك العمرة إلى قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وصولا إلى احتجاز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 عدة أيام وإجباره على تقديم استقالته، قبل أن تتدخل فرنسا لإطلاق سراحه.

(المصادر: عرب ٤٨، العربي الجديد، الجزيرة، ذي غارديان)