السعودية بعد الربيع العربي... ضريبة الانغلاق على الذات

السعودية بعد الربيع العربي... ضريبة الانغلاق على الذات
مصير القيادة السعودية بيد ترامب؟ (أ ب)

رغم أن القيادة السعوديّة نجت من الربيع العربي، الذي اندلع عام 2011، أقلّه لناحية عدم سقوط نظام الحكم فيها، مثلما حدث في مصر وتونس وليبيا، إلا أنها لم تخفِ قلقها من هذه الثورات، ومن تأثيراتها المحتملة على مصير نظام الحكم فيها.

ورغم أن غياب الدور العربي لمصر وسورية وليبيا، بعد أعوام من غياب الدور العراقي، ترك للسعوديّة فرصًا لتنشئ نفوذًا إقليميًا وتأثيرًا في أكثر من ملف عربيّ وعلى مستوى الشرق الأوسط، سعت السعودية لتلقفه، خصوصًا في اليمن، إلا أن ما حدث لاحقًا كشف عن ضعف في التخطيط والتنفيذ، وربما قصور في الرؤية، لتتحول المنحة في النهاية إلى محنة.

أبرز تلك المكاسب المرجوة، سابقا، إنهاء حالة الخوف المستمرة على صادرات النفط، مصدر الثروة الأساسي للبلاد، وهو ما شكل محور سياسات ولي العهد، محمد بن سلمان، منذ توليه المنصب عام 2017.

دوامة الخوف والابتزاز

منذ تسعينيات القرن الماضي، بدأ مراقبون بملاحظة توجه الولايات المتحدة نحو رفع رصيدها لدى دول الخليج الغنية بالنفط، من خلال إثبات حاجة الأخيرة إليها عسكريا واقتصاديا.

تورطت السعودية في عهد بن سلمان بحرب اليمن وحصار قطر واغتيال خاشقجي و"صفقة القرن" (أ ب)

قد يطلق البعض على ذلك "ابتزازا"، إلا أن الكثير من قادة دول المنطقة رأوا فيه واقعية وتعاونا يربح فيه الطرفان، خصوصا أن الخليج تمكن فعلا من تحقيق طفرات اقتصادية هائلة في سنوات قليلة، ودفع "أخطار" إقليمية.

لكن واشنطن لم تكن معنية باستهلاك أوراق عادت عليها بأموال واستثمارات ومواطئ قدم إستراتيجية على مدار عقود، وكان لزاما، من وقت لآخر، إعادة بث الروح في "الفزاعة".

وليس أكيدا ما إذا كان ذلك هو ما يفسر توجه إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، إلى عقد صفقة نووية مع إيران ترفع بموجبها عقوبات اقتصادية، فضلا عن الانسحاب من العراق، والاستنكاف عن التدخل في سورية واليمن، ما سمح لطهران بمد أذرعها في المنطقة.

إلا أن نواقيس الخطر دُقت على أي حال في عواصم الخليج، وخصوصا الرياض، تلا ذلك تحرك الأخيرة بعيدا عن "الدبلوماسية الهادئة" التي عرفت بها من جهة، وأخذت من جهة أخرى تترقب قدوم "مخلّص" إلى البيت الأبيض.

هل كانت تلك عناصر كافية لإستراتيجية تستهدف في النهاية تحقيق خروج آمن من دوامة التهديد الإيراني والابتزاز الأميركيّ؟ الجواب سلبي بالتأكيد، ولكن لماذا؟

الإستراتيجية الناقصة

أرادت السعوديّة بشنّها حربًا على اليمن عام 2015، مواجهة خطر تمكن طهران من تهديد مضيق باب المندب، كما هو الحال في مضيق هرمز، وهما المنفذان الوحيدان لعبور نحو 70% من صادرات البلاد النفطية، بحسب بيانات موقع OEC الاقتصادي لعام 2016.

ولاحقا، تبين أن لدى الرياض مشروعا أكثر طموحا، يتمثل بمد خط أنابيب ينتهي في موانئ شرقي اليمن، لزيادة خيارات طرق التصدير، بعيدا عن التهديد الإيراني.

وفي الواقع، فإن هذه الفكرة تعود إلى أعوام سابقة، إذ وقّعت الرياض وصنعاء اتفاقية بهذا الشأن منتصف عام 2002، إلا أن تقريرا لصحيفة "فاينانشال تايمز" عام 2014، أرجع تأخر تنفيذ المشاريع النفطية في اليمن إلى ضعف القبضة الأمنية والبنى التحتية والاستثمارات، فضلا عن الحسابات السياسية المعقدة، وصولا إلى ثورة 2011، ومن ثم انقلاب الحوثيين عليها.

لم تلبث الرياض بعد ذلك أن حققت، بطلب من الحكومة اليمنية المنقلب عليها، تواجدًا على الأرض اليمنية، من شأنه بث الروح في شراكة إستراتيجية بين البلدين في نهاية المطاف، إضافة إلى تحقق آمالها بفوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة.

أسفر التدخل العسكري في اليمن عن كارثة إنسانيّة (أ ب)
أسفر التدخل العسكري في اليمن عن كارثة إنسانيّة (أ ب)

لكن الدبلوماسية السعودية مع ولاية العهد الجديدة، فرّطت بالفرصة الإستراتيجية التاريخية، أو ما بدا كذلك، من خلال ممارسة العديد من الأخطاء.

وفي حديث لوكالة "الأناضول"، قال الباحث الأردني في العلاقات الدولية، عبد الله أسمر، "إن أول تلك الأخطاء حصار قطر، ذات التأثير الكبير على شرائح واسعة من الشعوب العربية، والإمعان في إظهار العداء لمجموعات إسلامية معتدلة وتيارات ثورية في مختلف دول المنطقة"، رغم انتهاء ذلك "الربيع المخيف" فعليا.

بعثت الرياض بتلك الممارسات إشارات سلبية إلى الشعب اليمني خصوصًا، الذي تبددت لدى قطاع كبير منه آمال التعاون في تحقيق الأهداف المشتركة للبلدين، وبات يشكك في نوايا "التحالف العربي"، وبدأت أطراف مختلفة تصرح بمعارضة السماح للسعودية أو الإمارات بتنفيذ مشاريع اقتصادية بالبلاد.

ثانيا، والأهم، بحسب أسمر، "ارتهان المملكة لدعم ترامب، وهو ما تعمق إثر خروج الأخير من الاتفاق النووي في أيّار/مايو الماضي، وإعادة فرضه عقوبات اقتصادية على طهران".

فقد عكست عدة تصريحات إعلامية، آنذاك، اعتقادا سائدا في السعودية بنجاح إستراتيجيتها، وثبوت نظرية أن رئيس الولايات المتحدة وحده من بيده الحل، خصوصا إذا كان من النوع الذي يمكن شراء مواقفه بـ400 مليار دولار.

إلا أن تعمق المأساة الإنسانية في اليمن، وقتل الصحافي جمال خاشقجي داخل قنصلية الرياض في إسطنبول، تشرين أول/أكتوبر الماضي، ومن ثم انتزاع الديمقراطيين الأغلبية في مجلس النواب الأميركيّ، بعدها بشهر، فضلا عن الضغوط المتزايدة على ترامب بشأن سياساته من قبل مختلف مؤسسات الدولة، بما فيها الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه، جميعها عوامل ألقت الأضواء على ثغرات الرهان السعودي.

اغتيال خاشقجي الوحشي... الانكشاف على وحشية النظام السعودي (أ ب)
اغتيال خاشقجي الوحشي... الانكشاف على وحشية النظام السعودي (أ ب)

إلا أن المملكة لم تكتف بالأخطاء الإستراتيجيّة في علاقاتها العربية البينيّة والإقليميّة، بل إنها تسترت، ولا تزال، على الخيوط الكاملة لجريمة قتل خاشقجي على الأراضي التركية، وترفض تسليم المتورطين المباشرين فيها.

بل إنه يمكن الزعم أن الرياض لم تكن لتتحرك خطوة واحدة نحو الكشف عن أي تفاصيل بشأن تلك الجريمة البشعة، ما لم تجبرها على ذلك نتائج التحقيقات التركية، وهو ما يبعث برسائل سلبية مقلقة لشعوب المنطقة، ويحرج "أصدقاء" السعوديّة بشكل كبير.

وبين إعلان واشنطن إيقاف تزويد مقاتلات التحالف العربي بالوقود في 9 تشرين ثانٍ/نوفمبر الماضي، ومناقشة مجلس الشيوخ مقترح قرار بوقف الدعم العسكري برمته، ظهرت العديد من إشارات تلاشي الغطاء الأميركي لحرب اليمن ولسياسات ولي العهد السعودي، وربما لشخصه في منصبه لاحقا.

وبذلك، بات الهروب إلى الأمام غير متاح إلى حد كبير، فيما صياغة إستراتيجية خروج من الأزمة المحدقة والعمل بموجبها يتطلب شجاعة في الاعتراف بالأخطاء، وجهدا كبيرا في إعادة مد جسور الثقة مع شعوب المنطقة.