اتفاق المرحلة الانتقالية بالسودان: بين تقاسم السلطة وتلبية مطالب الثورة

اتفاق المرحلة الانتقالية بالسودان: بين تقاسم السلطة وتلبية مطالب الثورة
احمد الربيعة عن "الحرية والتغيير" ودقلو عن "العسكري" (أ ب)

عبّرت قوى بارزة بالمعارضة السودانية، عن رفضها الاتفاق الموقع بالأحرف الأولى بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير، صباح الأربعاء، في العاصمة الخرطوم، لأسباب تمحورت بالمجمل حول "عدم تلبيته مطالب الثورة"، وعلى اعتباره اتفاق لـ"تقاسم السلطة".

وأبرز ما نص عليه الاتفاق، تشكيل مجلس سيادي من 11 عضوًا، 5 عسكريين يختارهم المجلس العسكري و5 مدنيين تختارهم قوى التغيير، تضاف إليهم شخصية مدنية يتم اختيارها بالتوافق بين الطرفين. ويترأس أحد الأعضاء العسكريين المجلس لمدة 21 شهرًا، بداية من توقيع الاتفاق، تعقبه رئاسة أحد الأعضاء المدنيين لمدة 18 شهرًا المتبقية من الفترة الانتقالية (39 شهرًا).

وكان الحزب الشيوعي، أحد مكونات قوى التغيير، أول من أعلن رفضه للاتفاق، معتبرًا أنه "كرّس هيمنة المجلس العسكري على كل مفاصل الدولة"،  وتعهد الحزب، في بيان، باستمرار "التصعيد الجماهير السلمي، حتى تحقيق أهداف الثورة"، و"الانتزاع الكامل للحكم المدني الديمقراطي".

وتابع أن "الاتفاق أغفل تفكيك النظام السابق، ومحاسبة رموزه الفاسدة، واستعادة أموال وممتلكات الشعب، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وإعادة هيكلة جهاز الأمن، وحل كل الميليشيات وفق الترتيبات الانتقالية في الفترة الانتقالية".

فيما أعلنت "الجبهة الثورية"، رفضها للاتفاق، باعتباره "لم يعالج قضايا الثورة"، و"تجاهل أطرافًا وموضوعات مهمة"، وقالت الجبهة الثورية، في بيان، إنها "ليست طرفًا في الإعلان السياسي، الذي وُقّع عليه بالأحرف الأولى، ولن توافق عليه بشكله الراهن".

وتضم الجبهة حركات مسلحة متحالفة مع "نداء السودان"، أحد مكونات قوى التغيير، حيث حمل البيان توقيع رئيسي حركتين مسلحتين متمردتين، هما رئيس حركة تحرير السودان/ أركو مناوي (تقاتل الحكومة في إقليم دارفور)، ورئيس الحركة الشعبية/ قطاع الشمال، مالك عقار (تقاتل الحكومة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق).

بدورها، أعلنت "شبكة الصحفيين" السودانيين المعارضة، وهي أحد مكونات تجمع المهنيين (إحدى مكونات قوى التغيير)، هي الأخرى في بيان، رفضها للاتفاق، وقالت إنّه يصب في "ذات الاتفاقيات القديمة التي لم تصنع واقعا جديدا لشعبنا".

وأضافت أن "الاتّفاق يُريد أن يقطع الطريق أمام المَد الثوري من أجل الحافظ على المُكتسبات والامتيازات التّاريخية لقلة من السُّودانيين على حساب أغلبية الشعب".

كما اعتبرت الشبكة، في بيانها، أن الاتّفاق "يكرس من سُلطة المجلس العسكري الذي يسعي إلى سرقة الجهد والدماء التي بذلت في سبيل الثورة"، وفق البيان.

ونوهت شبكة الصحفيين بأن الاتفاق تغاضى عن كثير من المواقف والمبادئ التي تَمّ الإعلان عنها، وعلى رأسها ضرورة تحطيم جهاز الدولة عبر تفكيك وحل بعض مؤسساتها.

وشددت على ضرورة "حل قوات الدعم السريع (تتبع الجيش)، وحل جهاز الأمن والمخابرات وليس إعادة هيكلته، ومحاسبة رموز نظام عمر البشير، وتفكيك مُؤسّساته الاقتصادية".

ورغم توقيع الفرقاء السودانيين، صباح الأربعاء، بالأحرف الأولى على وثيقة اتفاق المرحلة الانتقالية، إلا أن هناك عدة نقاط خلافية عالقة حول هياكل الحكم بتلك الفترة، لم يتضمنها الاتفاق، وأخرى جرى تضمينها تحت مسمى "سيتم التوافق عليها".

وترك الاتفاق تحديد صلاحيات ووظائف وسلطات مجلس السيادة للوثيقة الدستورية، التي من المنتظر أن تشهد جلسات تفاوضية ستحدد أيضا سلطات وصلاحيات رئيس الوزراء، أما المجلس التشريعي (البرلمان)، فنص الاتفاق على أن الطرفين سيجريان مفاوضات بشأنه باعتباره أحد نقاط الخلاف الأساسية.

وفيما يلي أبرز نقاط الخلاف الرئيسية، وفق رصد لتصريحات قياديين من قوى التغيير والمجلس العسكري، والوساطة الإفريقية الإثيوبية، وما تضمنته مسودة مبدئية مسربة للاتفاق قبل يومين، وكذلك ما تضمنه الاتفاق الموقع بالأحرف الأولى:

* الحصانة المطلقة (لم ترد بالاتفاق)

أبرزها منح أعضاء مجلس السيادة "الحصانة المطلقة" من أي إجراءات جنائية أو ملاحقته أمام القضاء أثناء فترة ولايته، وهو ما رفضته قوى "إعلان الحرية والتغيير"، ولم يشر الاتفاق السياسي إلى حصانة مجلس السيادة، وهي الجزئية التي كانت محل جدل كبير في الأيام الماضية.

وأكد "تجمع المهنيين السودانيين"، الثلاثاء، أن أي دولة مدنية ديمقراطية لا يمكن أن يكون فيها أحد فوق القانون، مشددا على أن الحصانة المطلقة مرفوضة.

* صلاحيات مجلس السيادة (لم ترد بالاتفاق)

ترفض قوى التغيير أن يكون لمجلس السيادة، دور في تحديد صلاحيات رئيس الوزراء، باعتبار أن تعيين الأخير من حق قوى التغيير، والمصادقة على ذلك تتم من قبل مجلس السيادة.

كما يلاقي تعيين الولاة الـ18 من قبل مجلس السيادة، رفضا من قبل قوى التغيير، التي تطالب بأن يكون من ضمن صلاحيات رئيس مجلس الوزراء، واعتمادهم يتم في مجلس السيادة.

* المجلس التشريعي (وردت بالاتفاق)

من أهم القضايا الخلافية بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير، المجلس التشريعي، أحد مكونات السلطة الثلاثة إلى جانب مجلس السيادة والوزراء.

وفي مسودة اتفاق سابق قبيل توقف التفاوض بين قوى الحرية والتغيير، والمجلس العسكري، في 3 حزيران/ يونيو الماضي (تاريخ فض اعتصام الخرطوم)، اتفق الطرفان على منح قوى التغيير 67 بالمئة من مقاعد المجلس التشريعي في الفترة الانتقالية.

إلا أن تصريحات لاحقة من قبل قادة المجلس العسكري، طالبت بتعديل هذه النسبة لإتاحة الفرصة لقوى سياسة أخرى، وكرر رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي)، أن الفترة الانتقالية لن يتم فيها إقصاء أحد سوى حزب المؤتمر الوطني الحاكم سابقاً.

وحتى في وثيقة الاتفاق السياسي، الموقعة بالأحرف الأولى، الأربعاء، حفظت الوثيقة للمجلس العسكري وقوى التغيير، تثبيت لكل طرف موقفه، ومنحتهم 90 يوماً للتوصل لاتفاق حوله، على أن يتكفل مجلسا الوزراء والسيادة بالسلطة التشريعية إلى حين تشكيل المجلس التشريعي.

* نقاط خلاف أخرى (لم ترد بالاتفاق)

> وضعية قوات "الدعم السريع" وجهاز الأمن والمخابرات

وتعد وضعية "قوات الدعم السريع"، وجهاز الأمن والمخابرات، من أبرز القضايا الخلافية التي لم ترد في الاتفاق، حيث يرى المجلس العسكري ضرورة الحفاظ عليهما بدعوى دورهما في "حفظ الاستقرار والأمن"، فيما تطالب قوى التغيير بحلهما.

وتطالب قوى معارضة بحل قوات الدعم السريع، التابعة للجيش، فيما يدعو آخرون لدمجها ضمن قوات الجيش، لاسيما بعد حادثة فض الاعتصام، التي وجهت لها أصابع الاتهام، فيما ينفي قائد الدعم السريع، دقلو، أي دور لقواته في ذلك.

أما جهاز الأمن والمخابرات، فيرى محللون أنه يشكل عقبة بوجه أي مفاوضات بين العسكري وقوى التغيير، باعتبار أنه الجهاز الذي أسسه الرئيس المعزول عمر البشير، والمتهم "بانتهاكات واعتقال وتعذيب وقتل"، خاصة عقب اندلاع الاحتجاجات بالبلاد أواخر العام الماضي. وتطالب المعارضة بحله أو إعادة هيكلته، كونه أحد أذرع النظام البائد في تثبيت حكمه بالقهر والعنف.

> القوات السودانية باليمن

يصر المجلس العسكري على استمرار القوات السودانية ضمن التحالف الذي تقوده كل من السعودية والإمارات ضد اليمن، باعتبار ذلك يندرج ضمن اتفاقيات خارجية لا يحق لحكومة انتقالية تعديلها بل يترك الأمر للحكومة المنتخبة.

بينما ترفض بعض قوى الحرية والتغيير، الاتفاقيات الخارجية السابقة الإقليمية والدولية، معتبرة أنها "تمس بالسيادة الوطنية"، من ضمن ذلك البقاء في التحالف باليمن وغيرها من الاتفاقات العسكرية الخارجية الأخرى.

> تعيينات

من بين الخلافات أيضا ما نشب حول تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى، والنائب العام، حيث تطالب الحرية والتغيير، أن تكون مثل هذه التعيينات من ضمن صلاحية رئيس الوزراء، بينما يؤكد العسكري على أن ذلك من صلاحيات مجلس السيادة. 

ويتولى المجلس العسكري، الحكم منذ أن عزلت قيادة الجيش، في 11 نيسان/ أبريل الماضي، عمر البشير من الرئاسة (1989- 2019)، تحت وطأة احتجاجات شعبية، بدأت أواخر العام الماضي، تنديدًا بتردي الأوضاع الاقتصادية.

ورغم توقيع الاتفاق ما يزال سودانيون يخشون من التفاف الجيش على مطالب الحراك الشعبي للاحتفاظ بالسلطة، كما حدث في دول عربية أخرى، أبرزها الجارة مصر.