السودان يعبر إلى المسار الديمقراطيّ: "مدنيّاو"

السودان يعبر إلى المسار الديمقراطيّ: "مدنيّاو"
من الاحتفالات (أ ب)

أخيرًا، وبأجواء احتفاليّة عارمة، وقّع المجلس العسكري وحركة الاحتجاج في السودان، اليوم، السبت، اتفاقًا من شأنه أن يمهد لبدء مرحلة انتقالية تؤدي إلى حكم مدني في البلاد، وسط حضور رسمي من دول عدة وأجواء شعبية احتفالية.

ووقع "الوثيقة الدستورية" كل من نائب رئيس المجلس العسكري، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم "حميدتي"، وممثّل تحالف "إعلان قوى الحرية والتغيير"، أحمد الرّبيع، في قاعة فخمة تطل على نهر النيل في الخرطوم. واستغرقت العملية بضع دقائق وشملت أوراقا عدة.

وفور انتهاء التوقيع، حمل رئيس المجلس العسكري، عبد الفتاح البرهان، الوثيقة التي وضعت في غلاف سميك باللون الأخضر عاليا ولوّح بها وسط تصفيق الحاضرين، وبينهم رؤساء دول وحكومات إفريقية وممثلون عن الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. كما حضر وزراء ومسؤولون من دول خليجية وعربية.

بعد التوقيع على الاتفاق (أ ب)
بعد التوقيع على الاتفاق (أ ب)

وجلس حميدتي والربيع على المنصة الرئيسيّة، وبجوارهما رئيس وزراء أثيوبيا، أبي أحمد، الذي قاد الوساطة التي أدت إلى الاتفاق.

وقال ممثل الاتحاد الأفريقي، موسى فقي محمد، في كلمة ألقاها بعد التوقيع "هذا الإنجاز التاريخي العظيم هو نتيجة طيبة من هندسة وصنع الإرادة الوطنية والمجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير والحركات المسلحة والفاعلين السياسيين".

ثم ألقى الزعيم السوداني المعارض، الصّادق المهدي، كلمةً اعتبر فيها أن هذا اليوم هو "يوم عبور إلى الحكم المدني الذي سيحقق السلام والتحوّل الديموقراطي عبر انتخابات حرة احتكاما للشعب السوداني"، وأكّد ضرورة فتح الباب أمام "كل القوى التي لم تلوث مواقفها بالاستبداد"، وإلى عدم إقصاء أحد.

وينهي الاتّفاق الذي تم التوصل إليه في الرابع من آب/أغسطس نحو ثمانية أشهر من الاضطرابات بدأت بتظاهرات حاشدة ضدّ الرئيس عمر البشير، الذي أطيح به في 11 نيسان/ أبريل الماضي، بعد 30 سنة من حكم السودان بقبضة من حديد.

وتم التوصل إلى الاتفاق بين المجلس العسكري الذي تولى الحكم بعد الإطاحة بالبشير والمحتجين بوساطة أثيوبيّة، بعد عملية قمع دامية لاعتصام كان يطالب بتسليم الحكم إلى المدنيين، وتسبّبت عملية القمع بمقتل أكثر من 250 شخصا، بحسب لجنة الأطباء المركزيّة.

وبدأ حفل التوقيع اليوم بالنشيد الوطني السوداني، ثم تمت تلاوة آيات من القرآن الكريم، قبل أن يتلو أحدهم آية من مزمور من العهد القديم في الكتاب المقدس "هذا هو اليوم الذي صنعه الرب فلنبتهج ونفرح به"، وعلقت لافتات داخل القاعة الفخمة كتب عليها "فرح السودان".

وعلى الرّغم من أنّ الطريق إلى الديموقراطية لا تزال حافلة بالكثير من العقبات، فقد خيمت الأجواء الاحتفالية على البلاد منذ الصباح، وتقاطر الآلاف من المواطنين من جميع أنحاء السودان إلى الخرطوم للمناسبة.

احتفال في الصّحف

واحتفت الصحف السودانية الصادرة صباح السبت بـ"الانتقال التاريخي".

وكتبت صحيفة "التيار" في صفحتها الأولى "البلاد تبدأ اليوم الانتقال التاريخي نحو الديمقراطية"، فيما عنونت صحيفة "السوداني": "الخرطوم تستعد للفرح الأكبر".

مع التوقيع الرسمي على الاتفاق السبت، سيبدأ السودان عملية تشمل خطوات أولى فورية مهمة، إذ سيتم، الأحد، الإعلان عن تشكيلة مجلس الحكم الانتقالي الجديد الذي سيتألف بغالبيته من المدنيين.

وأعلن قادة الحركة الاحتجاجية، الخميس، أنّهم اتّفقوا على تعيين المسؤول السابق في الأمم المتحدة، عبد الله حمدوك، وهو خبير اقتصادي مخضرم، رئيسًا للوزراء.

ومن المتوقّع أن يركّز حمدوك جهوده على إصلاح الاقتصاد السوداني الذي يعاني من أزمة منذ انفصل الجنوب الغني بالنفط في 2011 عن الشمال، وشكّل الوضع المعيشي شرارة الاحتجاجات ضد حكم البشير.

لكنّ العديد من السودانيين يشكّكون في قدرة المؤسسات الانتقالية على كبح جماح القوى العسكرية خلال فترة السنوات الثلاث التي ستسبق الانتخابات.

وسيحكم البلد، الذي يبلغ عدد سكانه 40 مليون نسمة مجلس سيادة يتألف من 11 عضوًا، وينصّ الاتفاق على أنّ يعين العسكر وزيري الداخلية والدفاع.

وأحد أكثر النتائج الدبلوماسية الفورية المرتقبة للحلّ الذي تمّ التوصّل إليه هذا الشهر، هو رفع تعليق عضوية البلاد الذي فرضه الاتحاد الأفريقي على السودان في حزيران/ يونيو.

في الطريق إلى الخرطوم من المحافظات النائية والأرياف احتفالا (أ ب)
في الطريق إلى الخرطوم من المحافظات النائية والأرياف احتفالا (أ ب)

وقال العضو البارز في المجلس العسكري الانتقالي، اللواء الركن محمد علي إبراهيم، أمس، الجمعة، إنّ التوقيع الرسمي "سيفتح الباب مجدّدًا أمام العلاقات الخارجية للسودان".

ويشكّك البعض في معسكر الاحتجاج في قدرة الاتفاق على الحدّ من سلطات الجيش وضمان العدالة.

المسلّحون غائبون

وغابت عن حفل السبت المجموعات المتمرّدة في المناطق المهمّشة مثل دارفور والنيل الأزرق وكردفان.

وكانت الجبهة الثورية السودانية التي توحّدت هذه الحركات تحت رايتها دعمت الحركة الاحتجاجية، لكنّها رفضت الإعلان الدستوري وطالبت بتمثيل في الحكومة وبمزيد من الضمانات في محادثات السلام.