الانتفاضة اللبنانية.. نحو إسقاط الطبقة السياسية الحاكمة بأكملها

الانتفاضة اللبنانية.. نحو إسقاط الطبقة السياسية الحاكمة بأكملها
بعد استقالة الحريري، اليوم (أ ب)

بعد استقالة رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، اليوم الثلاثاء، تحت وطأة احتجاجات شعبية متواصلة منذ 13 يومًا، تتجه التوقعات إلى أن المحتجين في لبنان سيمارسون مزيدًا من الضغط كي ترحل بقية "التركيبة السلطوية".

وخلال لقاء مع الرئيس اللبناني، ميشال عون في قصر بعبدا، قدم الحريري استقالة حكومته الائتلافية، التي نالت ثقة مجلس النواب، في 15 شباط/ فبراير الماضي، بعد فترة طويلة من الفراغ الحكومي في بلد يعاني من أزمات سياسية متلاحقة.

وأعلن الحريري، بكلمة مقتضبة له عصر الثلاثاء، استقالة حكومته، بعد "الوصول إلى طريق مسدود من محاولات عدة لحل الأزمة".

ووجّه الحريري نداءً إلى اللبنانيين "في هذه اللحظة التاريخية"، طالبًا منهم "أن يقدموا مصلحة لبنان وسلامة لبنان وحماية السلم الأهلي ومنع التدهور الاقتصادي على أي شيء آخر".

وأعلنت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية الرسمية، أن الرئيس ميشال عون تسلم من الحريري كتاب استقالة الحكومة، وغادر الحريري القصر الجمهوري من دون الإدلاء بتصريح.

ولفتت مصادر صحافية إلى أن الحريري دعا في كتاب استقالته إلى "إحداث صدمة إيجابية وتشكيل حكومة تكون قادرة على مواجهة التحديات".

وقال الحريري في كتاب الاستقالة: "عملاً بالأصول الدستورية ونظراً للتحديات الداخلية التي تواجه البلاد ولقناعتي بضرورة إحداث صدمة إيجابية وتأليف حكومة جديدة تكون قادرة على مواجهة التحديات والدفاع عن المصالح العليا للبنانيين، أتقدم باستقالة حكومتي".

فيما أشارت المصادر إلى أن الرئاسة اللبنانية ستصدر يوم غد، الأربعاء، موقفها الرسمي من استقالة الحريري.

ويشهد لبنان، منذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، احتجاجات شعبية تطالب برحيل الحكومة، وتشكيل حكومة كفاءات، وإجراء انتخابات مبكرة، فضلًا عن استعادة الأموال المنهوبة، ومكافحة الفساد المستشري، ومحاسبة المفسدين، وفق المحتجين، في انتفاضة يغلب عليها شعار "كلن يعني كلن" في إشارة إلى الطبقة السياسية مجتمعة في بلد يحكم وفقا للتوازنات الطائفية.

وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، فارس خشّان، "إذا تشاءمنا في تقييم المحتجين، نقول إن الحراك الشعبي سينتهي مع انتهاء الحكومة، ولكنّ إذا كنّا واثقين بالناس، ننتظر أن يتّسع الحراك، ويصبح أكثر قوة وبطشًا".

وأضاف أن "الحراك لم يستهدف الحكومة فقط، بل يطالب برأس النظام؛ هناك من كانوا يخافون أن تنحصر القضيّة برئاسة الحكومة، وستنكسر عقدتهم، ويفترض بالمنطق أن ينضموا للمطالبين بإسقاط كلّ التركيبة السلطويّة".

ويوجد في لبنان ثلاث رئاسات، هي رئاسة الجمهورية ويتولاها مسيحي ماروني، ورئاسة الحكومة ويتولها مسلم سُني، ورئاسة البرلمان ويتولاها مسلم شيعي.

وعن نزول "حزب الله" و"حركة أمل"، وهما شريكان في الحكومة، إلى ساحات الاعتصام في مواجهة المحتجين، رأى خشّان أن "المشكلة الأساسيّة في لبنان هي في التركيبة غير المتوازنة". وشدد على أن "الشارع إن أراد تحقيق أهدافه، فخصومه أصبحوا واضحين، والجمهور الذي تردّد بالانضمام إلى الشارع لن يبقى مترددًا".

"انتصار للشعب"

بدوره اعتبر رئيس المركز العربي للدراسات والحوار، الشيخ عبّاس الجوهري، أنّ استقالة الحريري "تُعدّ انتصارًا للشعب اللبنانيّ، والمُتضرّر الوحيد والخاسر الأكبر هو المُتشبّث بهذا الواقع السياسي، الذي كان يؤمّن له القدرة على الإمساك باللعبة السياسيّة".

ومضى الجوهري قائلًا: "بعد الاستقالة سيبرز واقع سياسيّ جديد لن يكون لأهل السلاح فيه أيّ دور لإمساك الدور السياسيّ والأمنيّ في لبنان".

وتابع أن "سقوط الحكومة سيجعل من الشارع أكثر انضباطًا، ومن بعد هذه الخطوة يجب الذهاب إلى حكومة تكنوقراط يمكن أن يكون على رأسها الحريري، وبعيدة عن الأحزاب، وتتبنى الورقة الاقتصاديّة الإصلاحية التي اقترحتها الحكومة، والمطلوب بعدها هو الاتجاه نحو انتخابات نيابيّة مبكرة، ليُعاد تكوين السلطة في مشهد جديد هو مشهد الثورة".

واندلعت الاحتجاجات في لبنان رفضًا لمشروع حكومي لزيادة الضرائب على المواطنين في موازنة 2020، لتوفير موارد جديدة في البلد الذي يعاني وضعًا اقتصاديًا مترديًا.

ومنذ 17 تشرين الأول/أكتوبر، تكتظّ الشوارع والساحات في بيروت ومناطق عديدة من الشمال إلى الجنوب، بالمتظاهرين في إطار الحراك الشعبي العابر للطوائف على خلفية مطالب معيشية وإحباط من فساد السياسيين.

وتمسك المحتجون بمطالبهم، وخاصة إسقاط السلطة السياسية القائمة، رغم تراجع الحكومة في 21 من الشهر الجاري، عبر إقرارها موازنة 2020 من دون ضرائب جديدة على المواطنين، واتخاذ إجراءات أخرى، بينها خفض رواتب الوزراء والنواب الحاليين والسابقين إلى النصف.

وقال الجوهري إن "الحكومة لا تستطيع أن تبقى مكتوفة الأيدي، وتتفرّج على الشارع، خاصة لناحية إرسال حزب الله عددًا من مناصريه إلى الساحات لتهديد الثوّار وفرض حالة من الفوضى".

وحاول مؤيدون لكل من "حزب الله" و"حركة أمل"، أكثر من مرة، اقتحام ساحات الاعتصام، خاصة في العاصمة بيروت، لكن الجيش منعهم في بعضها إلا أنهم قاموا اليوم، بالاعتداء على متظاهرين ومعتصمين وسط بيروت وأحرقوا عددا من خيامهم.

وتلقى المتظاهرون في الساحات والشوارع خبر استقالة الحريري بالترحيب والهتافات وأطلقوا المفرقعات؛ وقال متظاهر لقناة تلفزيونية محلية "بدأنا بسعد الحريري وسنكمل بـعون وبرّي" في إشارة إلى عدم اكتفاء المتظاهرين باستقالة الحكومة وإلى مطالبتهم بإسقاط الطبقة السياسية الحالية بكاملها.

وجاءت استقالة حكومة الحريري غداة دعوة رئيس المصرف المركزي اللبناني، رياض سلامة، الإثنين، إلى ضرورة البحث، خلال أيام، عن حل يرضي المحتجين ويعيد الثقة، لتفادي انهيار الاقتصاد، إذا استمرت الاحتجاجات.

وتشهد البلاد شللاً كاملاً بعد 13 يومًا من الاحتجاج، ومنذ اليوم الثاني أُغلقت أبواب المؤسسات الرسمية والخاصة، ولاسيما المؤسسات المصرفية والتعليمية، حيث يقطع المحتجون الطرقات الرئيسية، لتنفيذ مطالبهم.



الانتفاضة اللبنانية.. نحو إسقاط الطبقة السياسية الحاكمة بأكملها

الانتفاضة اللبنانية.. نحو إسقاط الطبقة السياسية الحاكمة بأكملها

الانتفاضة اللبنانية.. نحو إسقاط الطبقة السياسية الحاكمة بأكملها