من يطعم المحتجين في ساحة التحرير في بغداد؟

من يطعم المحتجين في ساحة التحرير في بغداد؟

لطالما حاول أزلام السلطة وأنصارهم في البلدان العربية التشكيك بالمعتصمين في ساحات المدن الكبرى ضد الفساد والطغم الحاكمة، من خلال طرح سؤال تافه "من يطعم المعتصمين؟"، أو التلميح إلى أن المعتصمين يتلقون وجبات جاهزة من "جهات أجنبية"، في محاولة لنزع الشرعية عن وطنية المعتصمين وصدق مطالبهم. حصل ذلك في لبنان مؤخرًا، وخلال ثورة يناير 2011 في مصر. إذًا لنسأل من يطعم المحتجين المعتصمين وسط بغداد؟

ساحة التحرير (أ.ب.)

يتجمع في ساحة التحرير في العاصمة العراقية، بغداد، محتجون مناهضون للحكومة ويتظاهرون ضد الفساد والطبقة السياسية الحاكمة. ومنذ نحو شهرين، يواجه المحتجون اعتداء من "قوات مجهولة" وعمليات قمع مطاردة. ويتساءل العديد من المتابعين لاحتجاجات العراق عن كيفية تمكن هؤلاء من الاستمرار طيلة شهرين ومن يرعاهم ويهتم في توفير الظروف المناسبة لاستمرار اعتصامهم.

يقوم متطوعون من العاصمة ومن محافظات واقعة جنوبي البلاد بطهي أطباق تقليدية تعكس مطبخ البلاد الغني وتلم شمل المتظاهرين، من لحم الضأن المحشو والأسماك، إلى أواني الحساء والأرز الضخمة، إلى أطباق العدس والفاصولياء وغيرها، لا يوجد نقص في الطعام ليلبي طلبات الجميع.

في ساحة التحرير (أ.ب)

وساحة التحرير هي النقطة المحورية للمظاهرات التي تواصل تحريك الرواسب في العراق منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر. ونظمت المظاهرات العفوية التي لا قائد لها على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب المظالم التي طال أمدها، ومن ضمنها الفساد الحكومي والبطالة ونقص الخدمات الأساسية.

بالنسبة لكثيرين، أصبحت الساحة الواقعة وسط بغداد نموذجًا مصغرًا لهذا النوع من الدولة التي يحلمون بها، حيث لا تلعب السياسة الفئوية والطائفية أي دور والخدمات عامة موجودة.

كانت الخدمات، ومن ضمنها الإمداد شبه الثابت بالمواد الغذائية، شيئًا أساسيًا في إبقاء المواطنين في الساحة، لكن المتطوعين ينظرون بقلق إلى الانخفاض التدريجي في التبرعات.

اعتاد العراقيون على الوجبات الجماعية والكثير من الطعام الذي يوفره المتطوعون. ففي كل عام، وخلال الاحتفال الديني الشيعي السنوي المعروف باسم أربعينية الحسين، يقوم المتطوعون بإعداد الطعام للزوار الذي يشقون طريقهم إلى الأضرحة المقدسة في مدينة كربلاء.

بعد فترة قصيرة من بداية المظاهرات في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، بدأ متطوعون في إقامة خيام مشابهة لطهي وتوزيع الأطباق العراقية التقليدية على المتظاهرين داخل وحول ساحة التحرير. وقالت امرأة عرفت نفسها بأنها أم عمار: "نعد هذا الطعام للجوعى والمحتاجين هنا في ساحة التحرير".

جاءت أم عمار من محافظة ميسان جنوبي العراق، وتقوم بطهي "السياح"، وهو مزيج سميك من طحين الأرز والماء يقلى على طبق ساخن.

ومن الأطباق الشعبية الأخرى التي تقدم للمتظاهرين العدس والفاصوليا و"التبسي"، وهو طاجن عراقي تقليدي، و"الدولمة" التي تتكون من الملفوف المحشي وأوراق العنب والبصل والباذنجان المطبوخ في صلصة الطماطم، و"المخلمة" وهي مزيج من البطاطس والطماطم والبصل والبيض تقلى جميعها معا وتوضع في الخبز. وهو طعام الفطور المفضل للمواطنين في بغداد.

وقال محسن سلمان، وهو طاه من العاصمة يصنع المخلمة: "إنه طبق بغدادي قديم. يشيع تناوله في الصباح. كل الشعب العراقي وخصوصا أهل بغداد يحبون هذا الطعام".

ومن الأطعمة المفضلة الأخرى خبز عروك، وهو خبز يصنع داخل أفران التنور الطينية وهو عجين ممزوج بالكرفس والتوابل.

وهناك أيضا حلوى شعبية ومنها الهريسة وهي قمح يتم غليه وتحليته بالسكر والقرفة. وكذلك "خبز "شراك" وهو خبز من طحين القمح محشو بالتمر. وهناك أيضا كرات العجين المقلية التي تسمى "العوامة".

في أي يوم عادي، يمكن رؤية المواطنين يصطفون لملء الأطباق البلاستيكية بالطعام. يقول متظاهرون إن الطعام المجاني مهم للمساعدة في استمرار حركة الاحتجاج، لا سيما بالنسبة لأولئك الذين لا يستطيعون تحمل أكل اللحوم بشكل منتظم.

لكن الطعام ليس هو عامل الجذب الرئيسي، كما يقولون. إذ قال هاشم الجبوري إنه بعد أكثر من شهرين من الاحتجاجات، يشعر بالقلق من تراجع الدعم للحركة. وهو يقلى الفلافل في وعاء كبير، أضاف الجبوري أن الدعم ليس بالقوة التي كان عليها في البداية. وقال "هناك الكثير من الضغوط والتهديدات التي تستهدف المتطوعين".

وقتل ما لا يقل عن 400 شخص على أيدي قوات الأمن ومهاجمين "مجهولين" يطلقون ذخيرة حية وغاز مسيل للدموع لتفريق المظاهرات منذ اندلاعها في أكتوبر / تشرين أول.

كما أدت سلسلة من الاغتيالات المستهدفة والاختفاء القسري واعتقال النشطاء المدنيين والصحفيين إلى زيادة الخوف بين المتظاهرين. يقول البعض إنه لن يتم تخويفهم.

وقالت أم محمد، التي كانت تطبخ الأرز والفاصوليا في الآونة الأخيرة: "أقوم بتوزيع الطعام على أخوتي من المتظاهرين. لن نتراجع حتى لو قتلونا أو هددونا. نحن لا نأبه".

كان زوج أم محمد قد قتل في الصراع الطائفي في العراق عام 2006. وأضافت الأم لأربعة أبناء: "أنا زوجة شهيد، لكن الأمور على ما يرام. أنا لا أتراجع ولن أغادر الساحة. بيتي هنا الآن، حتى يمنحوني حقوقي".

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة