لبنان: الأمم المتحدة تدعو للتحقيق في استخدام "القوة المفرطة" ضد المتظاهرين

لبنان: الأمم المتحدة تدعو للتحقيق في استخدام "القوة المفرطة" ضد المتظاهرين
(أ ب)

دعا المنسّق الخاص للأمم المتحدة في لبنان، يان كوبيتش، اليوم الإثنين، السلطات للتحقيق في لجوء قوات الأمن في عطلة نهاية الأسبوع إلى استخدام "القوة المفرطة" ضد المتظاهرين المطالبين برحيل الطبقة السياسية.

يأتي ذلك مع تلكؤ المنظومة السياسية في عملية تشكيل حكومة جديدة، وسط ارتباك القوى السياسية أمام مطالب الحراك واستمراريته فيما تتسع رقعة الاحتجاج، في ظل التأجيل المتواصل للاستشارات النيابية التي تبدو الأكثر تعقيدًا وغموضا في تاريخ الجمهورية اللبنانية.

واندلعت خلال الليلتين الماضيتين مواجهات عنيفة قرب البرلمان في وسط بيروت بين المتظاهرين والقوى الأمنية، ما أوقع عشرات الإصابات، في مواجهات تُعدّ الأعنف منذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية قبل شهرين.

وندّد المتظاهرون ومنظمات حقوقية بالقوة المفرطة التي استخدمتها قوات الأمن، وردّد المتظاهرون مساء الأحد هتافات مناوئة للسلطة ورافضة لعودة الحريري بينها "مش راجع، مش راجع، سعد الحريري مش راجع".

وقال كوبيتش في تغريدة على حسابه الرسمي بموقع "تويتر": "يظهر العنف والمواجهات في نهاية الأسبوع أن تأجيل الحل السياسي للأزمة الراهنة يخلق أرضًا خصبة للاستفزازات والمناورة السياسية".

وشدد على أن "تحديد هوية المحرضين على العنف، والتحقيق في الحوادث كما في الاستخدام المفرط للقوة من قبل القوى الأمنية هو أمر ضروري"، محذرًا من انزلاق الجهات كافة إلى "سلوك أكثر عنفًا".

وبدأت المواجهات ليل السبت مع تصدي شرطة مجلس النواب وقوات مكافحة الشغب لمتظاهرين حاولوا دخول شارع يؤدي إلى ساحة النجمة حيث مقر البرلمان، بالضرب المبرح. وردّ المتظاهرون برشق عناصر الأمن بالحجارة.

وتطورت الصدامات التي استمرت لساعات بين الطرفين. واستقدمت قوات مكافحة الشغب آلية لإطلاق قنابل مسيّلة للدموع، تساقطت كالمطر على المتظاهرين. وأطلقت الرصاص المطاطي لتفريقهم.

وندّدت الباحثة في منظمة العفو الدولية، ديالا حيدر، عبر "تويتر"، باستخدام قوات الأمن لـ"القوة المفرطة من أجل تفريق" متظاهرين سلميين.

وليل الأحد، عاد المتظاهرون إلى وسط بيروت وتجددت ليلًا المواجهات لساعات عدة، وعمد بعضهم إلى رمي عبوات مياه وحجارة ومفرقعات باتجاه القوى الأمنية التي أطلقت بدورها قنابل مسيلة للدموع بكثافة لتفريقهم.

وأسعف الصليب الأحمر 45 شخصًا في المكان، بينما عولج 28 آخرون في المستشفيات، بينهم مدنيون ورجال أمن. ونجمت معظم الإصابات عن حالات اختناق أو جروح نتيجة رمي الحجارة. وأحصى الجيش إصابة تسعة عسكريين، فيما أعلنت قوى الأمن إصابة 29 من عناصرها.

وطلبت وزيرة الداخلية، ريّا الحسن، إثر مواجهات السبت، من قيادة قوى الأمن الداخلي، إجراء تحقيقات "لتحديد المسؤولين". وأقرت الإثنين بوقوع "بعض الأخطاء"، بينما دعا المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء عماد عثمان، خلال جولة بين المتظاهرين، مساء أمس، الأحد، قوى الأمن والمتظاهرين للحفاظ على سلميتهم.

انقسام سياسي وغضب الشارع

ووقعت المواجهات عشية استشارات نيابية كانت من المقرر أن تنطلق اليوم، الإثنين، لتكليف رئيس للحكومة، وتم إرجاؤها إلى الخميس، في تأجيل هو الثاني منذ مطلع الأسبوع الماضي، جراء عدم تمكن القوى السياسية الرئيسية من التوافق على مرشح وعلى شكل الحكومة المقبلة.

ويعكس تأجيل الاستشارات النيابية حجم الأزمة السياسة فيما تعاني البلاد من انهيار اقتصادي ومالي يُهدد اللبنانيين في وظائفهم ولقمة عيشهم، على وقع حراك شعبي بدا عابرًا للطوائف والمناطق.

ويكتنف الغموض وعدم الوضوح عملية تشكيل الحكومة وما قد يليها من أحداث، حيث ستكون الحكومة مطالبة بالبحث عن اجتهادات دستورية قد تكون ضرورية لتجاوز العقبات التي باتت تكبل الأحزاب والسلطة، على وقع الشروط والشروط المضادة، والسقف السياسي الذي رسمه الشارع منذ انطلاق الانتفاضة الشعبية في 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

ولا يعني توافق القوى السياسية على تسمية رئيس جديد للحكومة أن ولادتها ستكون سهلة، إذ غالبًا ما تستغرق العملية أشهرًا عدة جراء الخلاف على تقاسم الحصص.

واعتبر كوبيتش أن التأجيل الجديد "في ظل انهيار اقتصادي، هو مجازفة خطيرة للسياسيين لكن أيضًا للبنان وشعبه".

وفي الشارع، يطالب المتظاهرون بحكومة اختصاصيين رئاسة وأعضاء، مستقلين عن الطبقة السياسية بالكامل، التي يحملونها مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي وعجزها عن إيجاد حلول للأزمات المتلاحقة.

ويرفض عدد كبير منهم تكليف الحريري كونه شريكًا رئيسيًا في السلطة، ويعتبرونه جزءًا مما يصفونه بمنظومة الفساد التي تتحكم بالبلاد وتستنزف مواردها.

في المقابل، يزيد تدهور الوضع الاقتصادي من غضب المتظاهرين، إذ تشهد البلاد أزمة سيولة حادة، وبات الحصول على الدولار مهمة شبه مستحيلة مع فرض المصارف قيودًا على حركة الأموال.

ولاحظ اللبنانيون انقطاع عدد من الأدوية وارتفاعًا كبيرًا في أسعار المواد الغذائية، مقابل تقلّص كبير في قدرتهم الشرائية.

وتعدّ الأزمة الاقتصادية الراهنة وليدة سنوات من النمو المتباطئ، مع عجز الدولة عن إجراء إصلاحات بنيوية، وتراجع حجم الاستثمارات الخارجية، عدا عن تداعيات الانقسام السياسي الذي فاقمه النزاع في سورية.