عائلات تونسيّة تطالب باستعادة أحفادها من سورية وليبيا

عائلات تونسيّة تطالب باستعادة أحفادها من سورية وليبيا
بغداد 2014 (أ ب)

وراء كل ملتحق بتنظيم إرهابي عائلة ودائرة معارف ولهم خلفيات اجتماعية اقتصادية متباينة بين الواحد والآخر، وعائلات كثيرة من المشرق حتى المغرب العربي فقدوا أولادهم بسبب التحاقهم بتنظيمات إرهابية مختلفة سواء في سورية وليبيا والعراق.

وتأمل تحية التي تابعت عبر تطبيق "واتساب" خمسة من أحفادها وهم يكبرون لأنهم ولدوا في سورية حيث قرر والدهم الالتحاق بواحدة من الجماعات الجهادية الإرهابية، في لقاء الثلاثة الذين بقوا على قيد الحياة منهم وما زالوا عالقين في هذا البلد الذي يشهد حربا.

قضت الجدة أسابيع طويلة تتنقل بين مقر وزارة الخارجية ومنظمات المجتمع المدني، تبحث عن سبل لترحيل طفلة في سنتها الثالثة وأخويها (أربع سنوات وست سنوات). والأخير مصاب بجروح في رأسه ويحتاج إلى متابعة علاجية سريعة.

أمّا الحفيدان الآخران فقد ماتا بسبب نقص في العلاج والعناية داخل مخيمات للاجئين.

والتحق الأب وهو ابن تحية، بتنظيم "داعش" في العام 2012 في سورية وقُتل هناك.

أطفال في مخيمات النزوح في العراق (أ ب)

ورفضت تحية ككل الذين شاركوا بالتقرير الإفصاح عن اسمها كاملا درءا لضغوط محتملة يمكن أن يتعرض لها الأطفال. وتقول "هم أطفالنا. نطالب فقط برعايتهم وأن يعيشوا في أي مكان آخر بعيدا عن الحرب والبؤس والتخلّف".

وتحفظ الجدة كل الأوراق المتعلقة بالأطفال في ملف كرتوني، من صور غير واضحة وبطاقات هويّة موقعة من دولة "الخلافة الإسلامية" التنظيم الإرهابي.

ومثل تحية، تسعى العديد من العائلات الأخرى إلى استرجاع أطفالها الـ140 العالقين في مناطق النزاع ويواجه آباؤهم تهما بالانضمام إلى تنظيمات جهادية سلفية.

وأحصى "المرصد التونسي للحقوق والحريات" بناء على شهادات جمعها من عائلات، 104 أطفال في سورية يعيشون كلهم تقريبا داخل مخيمات. وثلاثة أرباعهم ولدوا هناك وأعمارهم أقل من ست سنوات.

كما يتواجد 36 آخرون في ليبيا تكفلت بهم منظمة الهلال الأحمر أو محتجزين لدى مسلحين.

كان التونسيون بين الجهاديين الأجانب الأكثر عددا في سورية وليبيا والعراق بعد 2011، وتحدثت السلطات في تونس عن ثلاثة آلاف مواطن قاتلوا خارج البلاد ضمن تنظيمات جهادية إرهابية.

وأرسلت السلطات التونسية فرقا مختصة إلى ليبيا للحصول على عينات من الحمض النووي لعدد من الأطفال للتأكد من نسبهم، قبل ترحيلهم إلى تونس.

أطفال في مخيمات النزوح في العراق (أ ب)

وعلى الرغم من معارضة الرأي العام لعودتهم، بادر الرئيس التونسي قيس سعيّد في خطوة بعثت شيئا من الأمل في قلوب العائلات، بإعادة ستة أطفال أيتام من ليبيا في كانون الثاني/ يناير ووعد "بتسريع" إعادة الآخرين.

وقالت الرئاسة التونسية في بيان آنذاك إن سعيّد أكد "أهمية الإسراع باتخاذ كافة التدابير والإجراءات الضرورية" لتوفير "الإحاطة النفسية والرعاية الصحية لهؤلاء الأطفال قبل تسليمهم إلى عائلاتهم".

كما شدّد على الاهتمام بهذا الملفّ من "أجل تيسير عودة بقيّة الأطفال العالقين في ليبيا" لكن الإجراءات توقفت.

وتقول وزارة الخارجية التونسية إن "الإرادة موجودة"، مبررة التأخر بعدم تعاون السلطات الخارجية المعنية وبجائحة (كوفيد-19) التي تسببت في بطء عمليات التنسيق.

ومن جهتها، ذكرت الإدارة الكردية التي تسيطر على جزء من شمال شرق سورية حيث تقع معظم المخيمات التي تضم عائلات جهاديين تونسيين، أنها لم تتلق أي طلب ترحيل من تونس على رغم النداءات التي أطلقتها لإعادة نساء وأطفال إلى بلدهم.

وابن تحية الذي جاء من وسط اجتماعي متوسط في ولاية القيروان (وسط)، كان من أوائل الذين قرّروا الذهاب إلى سورية من أجل الجهاد.

وكان طبّاخا يعمل في البحرية التجارية ونجا من عملية احتجاز بحارة رهائن في الصومال. وقد التحق بمجموعات تقاتل ضد النظام السوري وفتح مطعما في مدينة الرقة معقل تنظيم "داعش" وقُتل في العام 2018 عندما حاول الهرب من ذلك المكان.

ويؤكد شقيقه الذي سافر إلى تركيا، لمحاولة إعادة الأبناء من دون جدوى، أنه "طلب منّي الاعتناء بأطفاله".

(أ ب)

ويعيش الأطفال الثلاثة في مخيّم على الحدود السورية التركية مع والدتهم وهي شابة سورية تزوجت قبل أن تبلغ الرابعة عشر من العمر. وتصف تحية وضعهم، قائلة "فقر مدقع ولا نملك حلولا لإرسال المال اليهم".

وقالت "نتحدث مع بعض كل يومين أو ثلاثة أيام، عندما تسمح الشبكة بذلك، لكن بقينا لأشهر بلا أخبار"، موضحة "لم أتمكن من تقبيلهم يوما".

وتشارك تحية في كل التظاهرات الاحتجاجية التي تنظم غالبا في العاصمة تونس وأمام مقر وزارة الخارجية وتجتمع مع العديد من العائلات الأخرى التي تشعر بمرارة كبيرة لفقدان أفراد منها.

ووضع تحية يشبه حالة فتحية التي تبحث عن أحفادها بعد أن سافرت ابنتها في 2013 مع زوجها إلى سورية للقتال ضد النظام. وقُتلت ابنة فتحية في سورية في قصف منتصف العام 2019 وتركت يتيمين يبلغان من العمر الآن أربع سنوات وست سنوات ويعيشان في مخيّم للنازحين.

وتقول فتحية إنها لم تتلق صورا لهما منذ عامين، مؤكدة أنهما "لا يذهبان إلى المدرسة وبالكاد يجدان أكلًا، وهذا يجعلني مريضة". وتتساءل في حالة من اليأس "كيف باستطاعتنا النوم؟".

أمّا بالنسبة لمحمد فيعيش في حيرة متواصلة على مصير أخته وزوجها بعدما احتجزهما مسلحون في غربي ليبيا. وهو يريد أن تعود إلى بلدها ولو اقتضى ذلك محاكمتها بتهمة الانضمام لجماعات جهادية.

كانت أخته تعمل ممرضة في أحد المستشفيات الليبية وأصبح زوجها متطرفا. وقد حاولت مرات عديدة الهرب في 2016 لكن من دون جدوى. ومنذ كانون الثاني/ يناير 2019 لم يتلق أي اتصال منها. ويقول محمد "لا تستطيع أن تشتكي ولكنها تلمح إلى بعض الأشياء".

ويضيف أن "هؤلاء النسوة والأطفال يعانون. إنهم ضحايا. ولكن الذين انتخبناهم جبناء".

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ