عام على ثورة 17 تشرين: الحراك اللبناني يعيد ترتيب أوراقه المبعثرة

عام على ثورة 17 تشرين: الحراك اللبناني يعيد ترتيب أوراقه المبعثرة
من الاحتجاجات في تشرين العام الماضي (أ ب)

يحيي اللبنانيون، اليوم السبت، ذكرى مرور عام على ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، وانطلاق التظاهرات الشعبية الحاشدة المناوئة للسلطة، حيث خلع الشعب ثوب الطائفيّة والمناطقيّة والانتماءات الحزبيّة ونزل ليَثور على الطبقة السياسيّة الحاكمة في قلب العاصمة بيروت.

ويعتزم اللبنانيون إحياء الذكرى الأولى للثورة، عبر سلسلة تحركات ونشاطات تنطلق من وسط بيروت إلى موقع انفجار المرفأ المروع، في وقت الذي تغرق فيه البلاد في أسوأ أزماتها الاقتصادية.

وفي 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، شكّلت محاولة الحكومة فرض رسوم ضريبية على الاتصالات عبر خدمة الواتساب الشرارة التي أطلقت أولى التحركات. وخرج مئات آلاف اللبنانيين إلى شوارع بيروت والجنوب والشمال والبقاع في تظاهرات احتجاجية غير مسبوقة تخطت الانتماءات الطائفية والحزبية.

ساحة الشهداء، بين حراك العام الماضي وتحضيرات إحياء الذكرى (أ ب)

أدى ذلك إلى شل الحياة وتراجع قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار في السوق السوداء، ما انعكس على أسعار المواد الاستهلاكية الأولية، وتآكل رواتب الموظفين بجميع القطاعات.

وجرى خلال الاحتجاجات إغلاق الطرقات، وحمّل المحتجون الطبقة السياسية الحاكمة مسؤولية التدهور المعيشي في ظل أسوأ أزمة اقتصادية بتاريخ لبنان.

واستمرّت الاحتجاجات الشعبيّة لأشهر متواصلة، طالب المحتجون خلالها بانتخابات نيابية مبكرة، واستعادة الأموال المنهوبة، ومحاسبة الفاسدين، ورحيل ومحاسبة بقية مكونات الطبقة الحاكمة، التي يتهمونها بالفساد والافتقار للكفاءة.

وأرغمت الثورة في 29 أتشرين الأول/ أكتوبر الماضي، سعد الحريري، على تقديم استقالة حكومته، وهي تضم "حزب الله" وحركة "أمل" مع قوى أخرى.

ومنذ ذلك التاريخ، شهد لبنان أزمات متتالية من انهيار اقتصادي متسارع فاقم معدلات الفقر، إلى قيود مصرفية مشدّدة على أموال المودعين، وتفشّي وباء كورونا، وأخيرًا انفجار مرفأ بيروت المروع، الذي حصد أكثر من مئتي قتيل وآلاف الجرحى وألحق أضرارًا جسيمة بعدد من أحياء العاصمة والنشاط الاقتصادي.

"أنا القرار"

وتحت شعار "أنا القرار"، دعت مجموعات مدنيّة إلى التجمّع في وسط بيروت بدءًا من الساعة 15:00 بعنوان "الثورة مكملة لتقضي على منظومة العار".

ومن ساحة الشهداء، التي شكّلت أبرز ساحات التظاهر قبل عام، ينطلق المتظاهرون باتجاه المصرف المركزي ووزارة الداخلية في منطقة الحمرا، وصولًا إلى مرفأ بيروت، حيث تسبّب انفجار قبل أكثر من شهرين بمقتل أكثر من مئتي شخص وإصابة الآلاف، وألحق أضرارًا جسيمة بعدد من أحياء العاصمة والنشاط الاقتصادي في البلاد.

ومقابل موقع الانفجار الذي لم يتعاف اللبنانيون منه بعد، يضيء المتظاهرون عند الساعة 18:07 شعلة في مجسم حديدي تم تصميمه خصيصًا للمناسبة وتم تثبيته مساء الجمعة ويحمل شعار "ثورة 17 تشرين".

وفي مدينة طرابلس التي لُقبت العام الماضي بـ"عروس الثورة" بسبب الاحتجاجات السلمية التي شهدتها لأشهر، شارك عشرات في تظاهرة مساء الجمعة، رافعين الأعلام اللبنانية ولافتات كُتبت عليها شعارات عدّة بينها "ثورة بلا حدود" و"مكملين من أجل ضحايا المرفأ".

وطُرحت علامات استفهام عدّة عن ما حققته الثورة في عامها الأوّل بالرغم من بقاء السلطة السياسيّة في الحكم منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975- 1990)، وانفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس، وسط مساعٍ لعودة الحريري إلى رئاسة الحكومة بعد استقالة حسان دياب، واعتكاف مصطفى أديب.

وفي 31 آب/ أغسطس، أعلن الرئيس اللبناني ميشال عون، تكليف مصطفى أديب تشكيل حكومة، تخلف سابقتها برئاسة حسان دياب، التي استقالت، بعد ستة أيام من انفجار كارثي في مرفأ العاصمة بيروت؛ واعتذر رئيس الحكومة المكلف، مصطفى أديب، في 26 أيلول/ سبتمبر، عن عدم إكمال مهمته، التي كلفه بها عون.

وتزامن تكليف أديب، نهاية آب/ أغسطس، مع زيارة تفقدية لبيروت أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ما دفع أطراف لبنانية إلى اتهامه بالتدخل في شؤون بلادهم الداخلية، وخاصة تشكيل الحكومة، في محاولة للحفاظ على نفوذ باريس في لبنان.

والأربعاء، قرر عون، تأجيل الاستشارات النيابية لتسمية رئيس الحكومة الجديد، أسبوعا "لبروز بعض الصعوبات".

كشف مكامن الفساد

تمكنت الثورة اللبنانية من تحقيق محطات لا يستهان بها، بالرغم من اجتيازها حقول ألغام في بلدٍ يعاني أزمة اقتصادية واستقطابا سياسيا حادا، في مشهد تتصارع فيه مصالح دول إقليمية وغربية، بحسب آراء كتاب وناشطين مدنيين.

ويقول الكاتب والصحافي طوني بولس إنّ "ثورة 17 تشرين كان لها دورًا بارزًا في كشف ملفات استنزاف الدولة اللبنانيّة من خلال كشفها ملفات فساد عدّة في مرافق الدولة".

ويضيف "هذه الثورة أو الانتفاضة جعلت الرأي العام يعي أكثر مكامن الهدر والفساد، وأين تذهب أموال المواطن، ومن أوصل البلاد إلى هذه الأزمة الاقتصاديّة الكبيرة".

ويرى بولس أنّ "الثورة كشفت مدى خطورة سلاح حزب الله، وكيف يكون عائقًا أمام تطور الشعب اللبناني وانفتاحه على الخارج، لأنّ السلاح كان للمقاومة لكنّ في الوقت الراهن بات يشكّل توترات".

وحول النقاط التي أخفقت بها الثورة، يقول إنها "عجزت عن خلق تغييرات كبيرة نتيجة تجذّر هذه السلطة وحماية مصالحها".

ويشير بولس إلى أن "عدم رضوخ السلطة للشعب المنتفض أدّت إلى تدخل الدول الكبيرة (في إشارة إلى فرنسا) ممّا جعل القضية اللبنانيّة مدوّلة"، مشددا على أن "الثورة اليوم تسعى لإعادة ترتيب نفسها بعناوين جديدة وتنظيم نفسها ابتداءً من الذكرى الأولى، والمجموعات الثوريّة تتواصل بين بعضها للاتفاق على عناوين اقتصاديّة واجتماعيّة".

كسر الخوف

أمّا على خطّ الثوار، فيعتبر الناشط جمال ترو، أنّ "الثورة استطاعت كسر الخوف عند المواطن، بالرغم من الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة الحاصلة".

ولم ينكر ترو في أنّ "الثورة أخفقت بأمر واحد فقط، وهو أنّها لم تدخل إلى منازل السياسيين لفضحهم وكشف ثرواتهم"، معتبرًا أنّ "السياسيين في لبنان هم عبارة عن مجموعات متعدّدة لذلك شعر الثوار بالاستنزاف".

الثورة لم تخمد

بدوره، يشير جاد لزّاق من "مجموعة لحقي"، إلى أن "الناس اعتبرت أنّ على الثورة التحرّك، وتقديم بديل جدّي، لكنّ العمل لم ينتهِ بعد وهناك اجتماعات مستمرّة لغاية اليوم بين جميع قوى الثورة لإنتاج بديل عن الطبقة الحاكمة".

وحول اختفاء مظاهر الثورة يقول لزاق إن" المظاهر التي تمثلت بالتحركات في الشارع، وإقفال الطرقات صحيح أنها لم تعد موجودة بسبب فيروس كورونا، وسوء الأوضاع المعيشيّة في ظل سعي الناس لتأمين لقمة عيشها بشكل أساسي، إلا أن الثورة لم تخمد".

عدم توحيد الكلمة

أمّا الناشط والمحامي لؤي غندور فيرى أنّ "الطبقة السياسية الحاكمة لم تكن تتوقع أنّ الشعب سيستفيق بعد أكثر من 40 عامًا، ولاسيّما وأنّها سرقت أموال المواطن ومدخراته ولم تقدّم في المقابل أي خدمة".

ويشدّد غندور على أنّ " الثورة نجحت في تعرية السلطة وفضحها، حتى باتت القوى السياسيّة تتبادل التهم في الفساد وتفضح بعضها البعض".

ويضيف أن "الثورة جعلت من الحكام والسياسيين يخافون من التجوّل في الأماكن العامّة لأنّهم سيُلاحقون من الثوار ويطردون".

ويعتقد غندور بأن الثورة "لم تنجح فقط في توحيد كلمتها"، نافيًا أن "تكون قد توقفت"، ويقول إن "الثورة مستمرّة طبعًا لأنّه لا تقودها أي جهة، إنّما هي حركة شعبيّة عفويّة".

ويعرب غندور، عن الأسف "للوضع الذي وصل إليه لبنان، ولاسيما آخرها تفجير مرفأ بيروت، وما نتج عنه من تداعيات وسط تغلغل الطبقة الحاكمة في مفاصل الدولة من القضاء إلى الأمن".

عجز السلطة

ويلخص الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، بأن "الثورة كشفت الطبقة الحاكمة، وأظهرت على المدى البعيد عجزها (أي السلطة) عن حلّ المشكلات، وبالتالي بات الرأي العالم بمجمله لا يثق بالسياسيين".

ويضيف الأمين أنه "كان لافتا أيضًا حضور العنصر الشبابي والنسوي في الثورة، ومستوى التلاحم الذي حصل بين مناطق مختلفة، وتفاعل بين مجموعات متعدّدة من الشمال إلى الجنوب".

وحول السلبيّات التي يُمكن الإشارة إليها فيما يتعلق بالثورة اللبنانية يقول الأمين: "الانتفاضة لم تستطع أن تبلور إطارًا قياديًّا، أو على الأقلّ نوع من القيادة التي يمكن أن تُعبّر عنها، وتطرح نفسها بشكل واضح ومنظم في مواجهة مشاريع السلطة وعجزها".

لكن الأمين يجزم في نهاية حديثه بأنّ "التغيير آت، والظروف التي يمرّ بها لبنان لن تبقى على حالها".