تقدير موقف: هل ستصمد المصالحة الفلسطينية الجديدة؟

تقدير موقف: هل ستصمد المصالحة الفلسطينية الجديدة؟

في خضمّ تغيرات عاصفة يمر بها الوطن العربي، وقَّعت حركتا "فتح" و"حماس" في القاهرة على الورقة المصرية المعدّلة للمصالحة الوطنية والمجمّدة منذ ثلاث سنوات. بهذا بدأ فصلٌ جديد من اختبار العلاقة بين الحركتين أوّلُه فترةٌ انتقالية هي المدّة المقرّرة لتطبيق جميع بنود الاتّفاق.
يقف هذا الاتّفاق الجديد أمام تحدي تحقيق الوحدة الوطنية أو الانهيار مجدّداً وتكريس ثنائية السلطة الضعيفة في الضفّة الغربية ودولة حماس في قطاع غزّة، وما يتبعه من خيارات شعبية محتملة ستحدّد مستقبل القضية الفلسطينية.


الطريق إلى القاهرة


لم يكن الاتفاق الذي وُقّع في 4 أيار /مايو 2011 داخل مقر المخابرات العامة المصرية برعاية عربية وإسلامية، أول محاولة لإنهاء الانقسام الذي عصف بحركة التحرر الوطني الفلسطيني منذ خمسة أعوام. فقد جرت محاولة أولى برعاية سعودية تُوّجت باتفاق مكّة في 8 شباط /فبراير 2007، إلاّ أنّ الاتفاق انتهى إلى سيطرة حماس بالقوّة على قطاع غزّة في 14 يونيو /حزيران 2007 على إثر اتهامها للسلطة بالسّعي إلى الانقلاب على شرعية الانتخابات بدعم من الولايات المتحدة. وعُرفت المحاولة الانقلابية على الحكومة المنتخبة بمخطّط "كينيث دايتون". كما ساهمت الشروط التي وضعتها اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط أمام أيّ حكومة تشكّلها "حماس" أو تكون طرفا فيها، في أن تعترف بإسرائيل وبالاتفاقيات السابقة وتنبذ العنف، في انهيار اتفاق مكة.


وكرّست سيطرة "حماس" على غزة حالة الانقسام بين الحركتين، خاصة بتطابقه مع انقسام جغرافي، وإقصاء كلّ منهما الطرف الآخر من مناطق نفوذه. وفي ظلّ تلك الأجواء استأنف جهاز المخابرات المصري بقيادة رئيسه السابق اللواء عمر سليمان الوساطة بين "فتح" و"حماس"، واشترط الإسراع في إنجازها لإنهاء الحصار الإسرائيلي على غزة، حيث رفضت مصر فتح المعبر بشكل أحادي ودائم مِنْ دون اتّفاق مصالحة.
وقدّمت مصر في 17 أكتوبر /تشرين الأول سنة 2009 ما عُرف بورقة المصالحة والتي سُمِّيتْ "اتّفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني"، وتضمّنت النقاط التالية:


1. تفعيل منظّمة التحرير الفلسطينية وتطوير ها بالاستناد إلى اتّفاقية القاهرة الموقّعة في مارس /آذار سنة 2005.
2. إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية تتزامن مع انتخابات المجلس الوطني التابع للمنظمة في 28 يونيو /حزيران سنة 2011.
3. إعادة بناء الأجهزة الأمنية وفق أسس مهنية بإشراف مصري وعربي.
4. تشكيل لجان للمصالحة ووقف التحريض بين "فتح" و"حماس".
5. تشكيل لجنة مشتركة لتنفيذ اتّفاقية الوفاق الوطني بمشاركة كلّ الفصائل.
6. الإفراج عن جميع المعتقلين من الحركتين فور توقيع الاتّفاق.

وافقت السّلطة الفلسطينية على توقيع الاتفاق مِنْ دون إدخال أيّ تعديلات وفق الشّرط المصري، في حين اعترضت "حماس" على أربع نقاط رئيسة في الاتفاق تمثّلت فيما يلي:


1. طالبت حماس بتشكيل الأجهزة الأمنية وفق أسس وطنية وليس فقط مهنية، في موقف يبيّن رفضها التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي ورفضها الإشراف الأمريكي على تدريب أجهزة الأمن.
2. رفضت الحركة بند منع تشكيل أيّ وحدات عسكرية خارج إطار الأجهزة النظامية، واعترضت على عدم الإشارة إلى الحقّ في مقاومة الاحتلال.
3. طالبت الحركة بأن تحتفظ بحقّ تسمية رئيس الحكومة الانتقاليّة ورفضت تولّي حكومة سلام فياض مرحلة الإعداد للانتخابات، كما طالبت بمدّة تصل إلى 12 شهراً من تاريخ توقيع الاتّفاق لإجراء الانتخابات.
4. اعترضت الحركة على آليّات تفعيل دور منظّمة التحرير وانفرادها مع الرئيس الفلسطيني بملفّ المفاوضات، وطالبت بتشكيل هيئة قيادية فصائلية إلى جانب اللجنة التنفيذية إلى حين إعادة بناء هيئات المنظمة كافّة.


وانعدمت فرص توقيع المصالحة نظراً للموقف المصري المنحاز للسلطة ضدّ حماس، وبسبب السياسة التي انتهجها الرئيس المخلوع حسني مبارك خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة في شتاء 2008-2009 ومن ثَمّ سلوك السلطة الفلسطينية بعد تقرير "غولدستون" في سنة 2009. وطوال سنة 2010 لم تشهد جهود المصالحة بين الحركتين أيّ اختراق باستثناء جولتيْ دمشق، حيث اتُّفق في 10 نوفمبر /تشرين الثاني سنة 2010 على تسوية جميع البنود الخلافية في الورقة المصرية باستثناء الملفّ الأمني.


إلا أنه مع سقوط نظام مبارك، أعلن الرئيس محمود عباس في 16 مارس /آذار 2011 استعداده للذهاب إلى غزّة من أجل توقيع اتّفاق المصالحة مع "حماس"، وتزامن ذلك مع جولة قام بها مدير المخابرات المصري الجديد اللواء مراد موافي إلى دمشق في 18 آذار /مارس ومن ثَمّ إلى الدوحة في 21 من الشّهر نفسه. ليعلن بعدها في القاهرة في 27 نيسان /أبريل 2011 توقيعًا بالأحرف الأولى على اتّفاق المصالحة والذي تُوّج باتّفاق رسمي في 4 أيار /مايو 2011 بحضور عباس ومشعل.


لم يحسم الاتّفاق الجديد والمعدّل النّقاط الخلافيّة بين الحركتين، وهو ما قد يُفشله، لكنه وضعها جميعها على طاولة البحث، مع إعطاء فترة سنة طالبت بها "حماس" لإنجاز الاتّفاق وصولاً إلى إجراء انتخابات شاملة في الضفّة والقطاع. واعتُبر الاتّفاق خطوةً متقدّمة لأنه تجاوز شروط الرّباعية الدولية، حيث أكّدت السّلطة الفلسطينية أنّ "حماس" غير ملزمة بتحديد موقفها من هذه الشروط المذكورة سابقاً، كما أنّ الاتفاق تضمّن صيغة التّوافق الوطني على ملفّ مقاومة الاحتلال وفق المصلحة الوطنية العليا، إلى جانب قبول "حماس" بتهدئة مشروطة ومتبادلة ومؤقّتة عنْد الوصول إلى اتّفاق داخلي على هذه التهدئة مع إسرائيل. و فور توقيعه على الاتّفاق، أكّد مشعل أنّ حركته "تريد دولة فلسطينية قوية وبلا مستوطنات على أراضي الضفّة الغربية وقطاع غزّة وعاصمتها القدس"، ما يعني قبولا رسمياً ولو مؤقّتاً بدولة على حدود 67 ولكن كاملة السّيادة.

كما شمل الاتّفاق تفاهماتٍ على إنجاز النقاط التالية:

1. توقيع ورقة المصالحة المصريّة وتفاهمات دمشق.
2. تشكيل محكمة انتخابية يتمّ التوافق على اختيار أعضائها الـ 12 .
3. إجراء انتخابات رئاسيّة وتشريعية وانتخابات المجلس الوطني خلال فترة لا تزيد على عام واحد من تاريخ توقيع الاتّفاق.
4. تشكيل لجنة مشتركة لمناقشة إعادة هيكلة منظّمة التحرير برئاسة عبّاس.
5. تشكيل مجلس أعلى للأمن، حيث تنازلت "حماس" عن شرط استبدال المهنية بالوطنية في تشكيل الأجهزة الأمنيّة، وتنازلت "فتح" عن شرط إعادة بناء الأجهزة الأمنية في غزّة، وقبلت بأن تبقى المنظومة الأمنية كما هي مع تدعيمها بثلاثة آلاف عنصر من السّلطة.
6. تشكيل حكومة مؤقّتة مكوّنة من مرشّحين مستقلّين يتّفق عليها الطّرفان.

وسيكون للحكومة الانتقالية ستّ أولويات رئيسة:

1. تهيئة الظروف لانتخابات رئاسية وتشريعية وانتخابات مجلس وطني.
2. الإشراف على تنفيذ بنود الورقة المصرية.
3. تسوية قضايا المؤسسات الأهلية التابعة لحماس في الضفّة.
4. التعامل مع القضايا الأمنية والإدارية النّاجمة عن الانقسام الفلسطيني.
5. توحيد مؤسّسات السلطة في الضفّة الغربية وقطاع غزّة والقدس الشّرقية.
6. مواصلة بذل الجهود التي تهدف لإنهاء حصار إسرائيل لغزّة وإعادة إعمار القطاع.
7. ومن الواضح أن الأمر الرئيس الذي يهم السلطة في هذه البنود هو أوّلها، أي تهيئة الظروف لإجراء انتخابات ،لأن الظروف الحاليّة مازالت تهدد المواطن باستمرار الحصار الدولي إذا لم ينتخب القوى التي تقبل بشروط إسرائيل و الرباعية.


جذور الخلاف


تمثّل حركتا "فتح" و"حماس"، نهجيْن مختلفيْن في الصراع مع إسرائيل وبالتالي في قيادة حركة التحرر الوطني نفسها. فحركة "فتح" ترى أن الحلّ مع إسرائيل يكون عبر المفاوضات، أمّا "حماس" فلا تزال متمسّكة بخيار المقاومة، هذا الخلاف في الرؤيتين برز بشدّة بعد توقيع اتّفاق أوسلو. وتعدّل الوضع مع اندلاع الانتفاضة الثانية ومحاصرة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في رام الله، إذ جرى تقارب بين الحركتين نجَم عن عدوانية إسرائيل تجاه الطرفين. وسمح عرفات بهامش واسع لـ "حماس" في اتّخاذ جميع الأساليب الممكنة لمقاومة الاحتلال. لكن بعد رحيله وانتخاب عبّاس رئيساً للسّلطة، تمّ تغليب الالتزام الحرفي باتّفاقيات أوسلو. وسعى عبّاس إلى اختبار هذا النهج ومنحه شرعيّة عبر الانتخابات، إلاّ أنّ النتائج خالفت توقّعاتِه بفوز "حماس" وما تُمثّله من خيار المقاومة، وعزت قيادة "فتح" الهزيمة الانتخابية إلى انقساماتها الداخلية وليس إلى فشل الخيار التفاوضي، أمّا حركة "حماس" فقد رأت أنّ الانتخابات تفويض صريحٌ لها لقيادة السلطة الفلسطينية وإدارتها. وبين خياريْ الالتزام بنتائج الانتخابات الديمقراطية أو الحسم الكلي لصالح فرض الموقف السياسي الملتزم بأوسلو ،حسم عبّاس لصالح الخيار الثاني، مراهنًا على الدّعم الأميركي له والحصار الدولي لحماس، ما دفع إلى تحوّل الخلاف الفلسطيني إلى شرخ شامل.


وتَشكَّل في السنوات الخمس الماضية نموذجان متعارضان، الأوّل، تمثّله السلطة الفلسطينية بحكومةٍ يرأسها سلام فياض ولا تمثّل عمليًّا حركة "فتح" التي حاولت ترميم نفسها في انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري في سنة 2009. يلقَى هذا النموذج دعماً مالياً مستمرا من دولٍ خليجية والدول الغربية المانحة ويمثّل حاجة وظيفية ومصلحية لغالبية الفلسطينيين في الضفّة، و ليست له استقلالية اقتصادية حقيقية. ويفقد هذا النموذج شرعيته الهشّة باستمرار نتيجة التّوسّع الاستيطاني في الضفّة والقدس الشرقية وتوقّف المفاوضات.


أمّا النموذجُ الثاني، فتمثّله حكومة حماس، في قطاع غزّة المحاصر منذ العام 2006، التي لم تتمكّن من تخفيف الحصار رغم محاولة الحركة تحويل القضيّة إلى قضيّة رأي عام عالمي. ويعاني القطاع بحسب التقرير الإحصائي الفلسطيني للعام 2011 من معدّلات بطالة عالية وصلت إلى 38% مقابل 17% في الضفّة، أمّا معدلات الفقر فوصلت إلى 33 % في القطاع مقابل 17% في الضفّة. وزيادة على سياسة التجويع والعقاب الجماعي التي فرضتها إسرائيل على غزة، فإنّ القطاع دخل في مواجهة متكرّرة مع العدوان الإسرائيلي شبْه متواصلة وصلت ذروتها في يناير /كانون الثاني سنة 2009 وأدّتْ إلى سقوط أكثر من 1440 شهيدًا.


لماذا المصالحة الآن؟
عوامل داخلية


دفعت جملةٌ من العوامل الداخلية والخارجية قيادةَ الحركتين لإنجاز اتّفاق المصالحة والقبول بتوقيع الورقة المصرية. لكن الأثر الأكبر كان للعوامل الخارجية، فهي المتغير المستجدّ. لقد اصطدمت السّلطة على مدى عامين برفض إسرائيلي لوقف الاستيطان مقابل استئناف المفاوضات، وتكشف مع نهاية سنة 2010 نحو 1500 وثيقة غير رسمية للمحادثات مع إسرائيل حملت في طيّاتها تنازلات للطّرف الإسرائيلي بلا مقابل، واتّهم الفريق التفاوضي الفلسطيني "بالخيانة"، وفي المقابل انحسرت خيارات المقاومة أمام حركة "حماس" بعد عدوان الرصاص المصبوب. وتحوّلت الحركة إلى إدارة جموع بشرية محاصرة مع ارتفاع الكلفة البشرية للحرب ومن دون القدرة على فكّ الحصار.


إلاّ أنه في المقابل جرتْ عدّة تطوّرات داخلية سرّعت المصالحة، أبرزها استبعاد تيار محمد دحلان وملاحقته بتهمة محاولة الانقلاب على السلطة، وسعي قيادات من الصفّ الأوّل والثاني في حركة "فتح" إلى تنشيط القواعد الشعبية للحركة، التي تآكلت بشكل كبير في السّنوات الماضية، وذلك لمواجهة الاحتمالات المتزايدة من سيطرة تيّار سلام فياض على السلطة الفلسطينية في المرحلة المقبلة بدعم من الغرب. وتجدر الإشارة إلى أنّ فياض لم يكن على معرفة بالتطوّرات التي أدّت إلى المصالحة بين الحركتين. كما أنّ المصالحة تُبقي فرصة لعباس أو لأيّ قيادة جديدة يتم التوافق عليها من داخل "فتح" للمنافسة في انتخابات الرئاسة المقبلة. وتستفيد السّلطة من المصالحة أيضاً كونها قد تخفّف من وطأة الفشل الذريع في المفاوضات مع إسرائيل والإخفاق في إدانة الاستيطان في مجلس الأمن بسبب الفيتو الأمريكي. كما أنّ عباس يحتاج إلى المصالحة لدعم مشروع الدولة الفلسطينية الموحّدة في الضفّة الغربية وقطاع غزّة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول /سبتمبر.


بالنسبة إلى قادة حماس فإنّ سيطرة الحركة على قطاع غزة فترةً طويلة نسبياً لم يكن مخطّطا لها وإنما فرَضتها المواجهة في العام 2007 مع السلطة والضّغوط الأمريكية والإسرائيلية. وتواجه الحركة ردود فعل شعبية سلبية متزايدة حيث انخفضت شعبيتها في القطاع حسب الاستطلاعات. وتشكّل المصالحة طوق نجاة لها للتخلّص من أعباء الحكم المنفرد في ظلّ الحصار، واستعادة مكانتها بوصفها حركة مقاومة. كما أنّ توقيع المصالحة يُنهي الضّغوط الأمنية التي تمارسها أجهزة السلطة في الضفّة على عناصر حماس، وتؤكّد جديّة الحركة وحرصها على استعادة وحدة الضفّة والقطاع.


كانت هذه العوامل الداخلية قائمة، وقد دفعت الطّرفين إلى التّفاوض عدّة مرّات . ولكن المتغير الخارجي أجبرها على الانتقال إلى الاتفاق فقد تغيّر الوسيط ذاته.


عوامل خارجية


لقد عصفت موجة الثّورات الشعبية العربية بحليفين رئيسين استندت عليهما الحركتان خلال فترة الاستقطاب العربية بين معسكريْ الاعتدال والممانعة، إذ أدّى سقوط نظام مبارك إلى رفع الغطاء الإقليمي عن عباس ومشروع السلطة الفلسطينية كما خفّف الضّغط عن حركة حماس التي كانت طيلة الفترة السابقة ضمن دائرة استهداف النظام المصري الذي لم يكن محايداً في الوساطة بين الحركتين. في المقابل وبدرجة أقلّ أهميّةً تأتي الثورة الشعبية في سوريا التي وضعت قيادة "حماس" أمام المجهول. وبدا أنّ الحركتين في حاجة إلى التقارب لتجاوز عاصفة التغيير في المنطقة.


يبقى العاملُ المصري هو الحاسم في هذا السّياق، إذ أنّ القيادة المصرية الانتقالية برئاسة المجلس العسكري قرّرت حسم ملفّ المصالحة الفلسطينية والقطع مع سياسات النظام السابق بالوقوف على مسافة واحدة من الحركتين والعمل على إنهاء حصار غزّة، وهي المواقف التي أكّدها وزير الخارجية المصري الجديد نبيل العربي في 23 مارس /آذار 2011، برفض مصر مواصلة الاعتداء الإسرائيلي على القطاع ومن ثمّ الالتزام بفكّ الحصار عن القطاع في أقرب وقت.


ولذا، فإنّ عباس لم يكن أمامه إلاّ خياران: إمّا التوقيع على المصالحة وفق تعهّدات بإتمام القضايا الخلافية بإشراف مصري وعربي، أو البقاء في صفّ إسرائيل باعتبارها سنداً وحيداً، وهو انتحار سياسي. أمّا القيادة في غزّة، فرأت أنّ تغير المواقف المصرية يساعد على توقيع الورقة المصرية من دون انتظار تعديلات كانت تراها مستحقّة في السابق، ولأنّ فرصة إنهاء الحصار أصبحت مواتية في ظلّ النظام المصري الجديد.


شكّلت سياسات إسرائيل أيضاً عاملاً مساهماً في إنجاز الاتفاق وبالذات بالنسبة إلى السّلطة، فقد أشارت استطلاعات الرّأي في إسرائيل خلال 2010 إلى أنّ نسبة التصويت لحزب الليكود وحزب يسرائيل بيتينو (إسرائيل بيتنا) بزعامة وزير الخارجية الحالي افيغدور ليبرمان ستبقى مرتفعة، بل أنّ أيّ انتخابات مقبلة سيحصل فيها الليكود على أربعة و ثلاثين مقعداً (حاليا 27) بمعنى أنّ حكومة نتانياهو الرافضة لاستئناف المفاوضات وتجميد الاستيطان ستصمد على أقلّ تقدير حتى سنة 2013، وبالتالي ومع غياب ضغط أميركي على تل أبيب خاصّة في ظروف انتخابات رئاسية فإنّ رهان عباس على المفاوضات أصبح في أدنى مستوياته. خياره الممكن حاليا هو المصالحة وتدعيم رؤيته لمشروع الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية وفرضها واقعا قانونيا على إسرائيل.


الموقف الإسرائيلي والدولي من المصالحة


اعتبرت الحكومة الإسرائيلية أنّ موافقة السّلطة الفلسطينية على إنجاز المصالحة مع "حماس" تعدّ نهاية لـ"عملية السّلام"، مذكِّرةً بأنّ المفاوضات متوقّفة في الحقيقة، وقرّرت حكومة نتانياهو مصادرة أموال الجمارك والضرائب الفلسطينية، معتبرةً أنّ حكومة الوحدة الفلسطينية بمشاركة حماس تشكّل تهديداً لأمن إسرائيل.


واعتبر الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز أنّ الانتخابات المقبلة ستؤدّي إلى سيطرة "حماس" على الضفّة الغربية إلى جانب غزّة، في حين اعتبر وزير الدّفاع الإسرائيلي إيهود باراك أنّ فرص نجاح الاتّفاق ضئيلة، لكنه اعتبر أن لا فرصة لاستئناف المفاوضات ما لم تعلن "حماس" نبذها للعنف، فيما شدّدت زعيمة المعارضة في الكنيست تسيبي ليفني على أنّ اتفاق المصالحة الجديد والحكومة التي ستشكّل على إثره يجب أن تقبل بشروط الرّباعية الدولية، أمّا افيغدور ليبرمان فطالب بقطع كافّة الاتصالات مع السّلطة الفلسطينية بعد توقيع اتّفاق المصالحة ومحاصرة عباس ورئيس حكومة تصريف الأعمال سلام فياض في الضّفة، والضّغط على الولايات المتّحدة لوقف مساعداتها المالية للسلطة.

ويمكن إجمال الموقف الإسرائيلي في أنه استمرار للعب دور الضّحية واستثماره بعد كلّ حدث عربي أو فلسطيني لادّعاء عدم وجود فرصة حقيقية للسّلام لغياب "الشّريك المناسب"، رغم أنّ هذا "الشّريك المناسب" حين كان جاهزا لتنازلات عدّة في المفاوضات، ادّعت إسرائيل أنه ضعيف. ولكنها في الواقع لا ترغب في دفع أيّ ثمن للسّلام.


وتتناغم المواقف الدولية الفاترة من الاتّفاق مع الموقف الإسرائيلي إلى حدّ كبير، فقد شدّدت واشنطن على مواقفها السّابقة بضرورة اعتراف "حماس" بإسرائيل ونبذ العنف وبحثت وزيرة الخارجية الأميركية مع عباس مسألة الدعم المالي للسلطة على إثر الاتّفاق. في حين اعتبرت ألمانيا أنها لن تعترف بالدولة الفلسطينية المقبلة إلاّ في إطار الاعتراف المتبادل، و صرّح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أنّ باريس قد تعترف بالدولة الفلسطينية، من دون توضيح موقفه بشكل حاسم.


الخلاصة والسيناريوهات


تغاضى الاتّفاق الفلسطيني الجديد عن أبرز قضيّتين خلافيّتين، وأرْجأَهما "فنياً" إلى المرحلة الانتقالية التي تستغرق عاما كاملاً، فلم تُحسم قضايا الملفّ الأمني الأساسية وهي: أولاً، طريقة استيعاب العناصر التابعة لـ "فتح" و"حماس" في الأجهزة الأمنية وما يعنيه من مواصلة دور هذه الأجهزة في التّنسيق مع إسرائيل، ثانياً، الحقّ في الإبقاء على سلاح المقاومة بوصفه حقًّا مشروعاً طالما بقي الاحتلال قائماً.


كما تغاضى الاتّفاق عن موضوع تحديد الموقف من المفاوضات، إذ أكّد عباس، قبيْل التوقيع، أمام وفد إسرائيلي في رام الله، أنّ الملفّ السياسي مازال في يديه وأنّ وظيفة الحكومة الانتقالية هي إدارة شؤون السكّان والإعداد للانتخابات، وأنّ المصالحة الوطنية تخدم مسار المفاوضات شريطة وقف الاستيطان. فيما أكّد مشعل، ثناء التوقيع، أنّ المصلحة الوطنية هي معيار استئناف المفاوضات.


ولكن لا يمكن الحكم نهائياًّ على فرص نجاح الاتّفاق بين " فتح" و"حماس" على ضوء فشل تجارب سابقة. إذ أنّ هناك عوامل داخلية وخارجية تتقاطع في تغليب النجاح والفشل في ذات الوقت. والمتغير في المصالحة الجديدة أنها جاءت نتيجة التحوّلات العميقة في الوطن العربي. وهي تجد ذاتها أمام استحقاق شعبي فلسطيني استطاع، وبتأثير من حركة الاحتجاج الشعبي العربية، أن يقود ولو بشكل محدود حركة ضاغطة لإنجاز الاتّفاق. والشعب الفلسطيني متفائل بأنّ الحركتين ستنجحان في تطبيق الاتّفاق على أرض الواقع، إذ ينظر الرأي العام الفلسطيني للمصالحة على أنها طوق نجاة لقضيّة التحرّر الوطني بعد جمودٍ صبّ في صالح تكريس الاحتلال الإسرائيلي. وقد زاد الاحتلال من وتيرة الاستيطان في الضفّة الغربية، وأطلق أكثر من 1350 وحدة استيطانية في القدس فضلاً عن بدء تنفيذ سبعة مشاريع استيطانية كبرى ستفصل المدينة عن الضفّة الغربية نهائيًّا، في إطار خطط الضمّ والتهويد.


يقف اتّفاق المصالحة الجديد أمام عدة مفترقات رئيسة وسيناريوهات:


السيناريو الأول، أن ينجح بالتّوافق على وحدة وطنية تحمي المشروع الوطني الهادف إلى إنجاز مشروع الدّولة الفلسطينية وعاصمتها القدس من خلال الاعتراف الدولي والضّغط على إسرائيل، وبما أنّهما أمْران مستبعدان إلى حدٍّ كبير بناءً على التجارب السّابقة، يبقى الرّهان على الوحدة الوطنية ومشروع إعادة بناء منظّمة التحرير مظلّة رئيسة للشّعب الفلسطيني بديلة عن السّلطة، وفي مثل هذه الحالة ستظهر الحاجة إلى بناء حركة تحرّر وطني وليس سلطة تحت شروط الاحتلال.


السيناريو الثاني، أن ينتهي الاتّفاق إلى الفشل إذا كان محوره الانتخابات. وهو في هذه الحالة قد يفشل إمّا قبل الوصول إلى الانتخابات، أو مع إجراء الانتخابات نفسها. وفي الحالة الأولى قد تخضع السّلطة إلى ضغوط ماليّة تمارسها إسرائيل وواشنطن لإجهاض الاتّفاق وإعاقة إنجاز بنوده، دون تحقيق أيّ اختراق سياسي على صعيد المفاوضات، ما يتسبّب في دفع "حماس" للسّيطرة على قطاع غزّة مرةً أخرى. إذ من المستبعد أن تتخلى الحركة عن تفوّقها الأمني في القطاع من دون إنجاز تقدّم ملموس يُفضي إلى دولة فلسطينية على حدود 1967 تقرّها "حماس" وفق ما أعلن مشعل بعد توقيع الاتّفاق مباشرة. كما أنّ أيّ عملية انتخابيّة في ظلّ سلطة تحت الاحتلال لن تكون نتائجها مقبولة من الطّرف المهزوم سواء كان "فتح" أو "حماس"، وقد جرّب الفلسطينيون الانتخابات قبل تحقيق السّيادة والاستقلال و خبروا نتائجها.


أمّا السيناريو الثالث، فيرى أنّ الموقف العربي الشّعبي الضّاغط والمراقب، إضافةً إلى تضييق هامش المناورة أمام "فتح" و"حماس" لن يعيد سيناريو الفشل كما حدث في اتّفاق مكّة سنة 2007، مع غياب استقطابات عربيّة، وبالتالي قد تلجأ الحركتان إلى إطالة أمد المصالحة، ولو في ظلّ سلطة فلسطينية تحت الاحتلال، إلى أنْ تظهر معطيات جديدة تصبّ في صالح إقامة الدولة الفلسطينية، ولا يستبعد أن تباشر واشنطن في الفترة المقبلة بفتح "حوار رسمي" مع "حماس" في إطار استراتيجيّة الانفتاح على الحركات الإسلاميّة في المنطقة بشكل عام. وسوف تستفيد حماس من تخفيف التضييق عليها في الضفّة الغربية.


إنّ تطوّر موقف القوى الشّعبيّة الفاعلة من المصالحة والقيادات الفلسطينية مرهون بقدرة القيادات من جهة والقوى الشعبية من جهة أخرى على إنجاح بنود الاتّفاق. وإذَا فشلتْ المصالحة فقد تبتكر القوى الشعبية أدوات مقاومة جديدة و تُطوّرها، مستفيدةً من تجارب الثّورات الشعبية العربية، تتصدّر بها المشهد السياسي ليس ضدّ إسرائيل فقط وإنما ضدّ القيادات الفلسطينية. لكن هذا الخيار، يحتاج إلى الوقت والإبداع (مثل فكرة مسيرات العودة المليونية)، لأنّ قواعد المواجهة مع الاحتلال تغيّرت نتيجة انسحاب إسرائيل من قطاع غزّة وتطويقها للضفّة الغربية بجدار الفصل العنصري وابتعادها عن مواقع الاحتكاك المباشرة مع التجمّعات الفلسطينية. فضلاً عن إفساد بعض القوى المناضلة سابقًا، وإنهاك القوى الميدانيّة خلال الانتفاضة الثانية والحصار والحرب على غزّة وسنوات الانقسام الفلسطيني.