تقدير موقف: إيران صراع على السلطة أم على الصلاحيات؟

تقدير موقف: إيران صراع على السلطة أم على الصلاحيات؟

يُشكّل قرار المرشد علي خامنئي وقف تنفيذ موافقة الرئيس أحمدي نجاد على استقالة وزير المخابرات حيدر مصلحي حدثًا مفصليًا في مسلسل التجاذب الحاصل بين أعلى سلطتين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فقد قيل إنّ الاستقالة قُدّمت بناءً على طلبٍ من نجاد.

نَشر موقع وكالة الأنباء شبه الرسمية "فارس" يوم 18 نيسان/أبريل 2011 خبر موافقة أحمدي نجاد على استقالة وزير المخابرات حيدر مصلحي، ثم تعيينه في منصب مستشار  رئاسي في شؤون المخابرات. 

بعدها بساعات نشرت مواقع إخبارية مقرّبة من خامنئي خبر عدم موافقته على قرار الرئيس، وفي اليوم الموالي أي في 19 نيسان/أبريل نشر الموقع الرسمي للمرشد علي خامنئي رسالة موجّهة إلى مصلحي يحثّه فيها على مواصلة عمله على رأس وزارة المخابرات، وبعدها بيوم واحد أعلن أعضاء البرلمان الإيراني دعمهم لقرار خامنئي، مطالبين نجاد بالرّجوع عن قراره ومساندة الوزير حيدر مصلحي.

وتعبيرًا عن استيائه من قرار مرشد الثورة، قاطَع أحمدي نجاد الأنشطة الحكومية معتكفًا في بيته عشرة أيام تقريباً، رافضًا استقبال موفدين من خامنئي جاؤوا لمحاورته، وبموازاة ذلك عرفت الساحة السياسية تراشقًا بين أنصار نجاد وأتباع خامنئي، وصل إلى درجة التهديد وتبادل الاتّهامات، وإغلاق بعض المواقع الالكترونية الموالية للرئيس، في حين تصاعدت نبرة تصريحات رموز الجبهة الدينية الموالية للمرشد، أمثال خطيب الجمعة آية الله أحمد خاتمي والعلاّمة محمد تقيّ مصباح يزدي الذي صرّح بأنّ مخالفة وليّ الفقيه تعادل الشّرك بالله، في حين تحدّث آخرون عن ضرورة توبة الرّئيس من خطيئة التردّد في قبول حكم الوليّ الفقيه.

أمام هذه التطوّرات وجد أحمدي نجاد نفسه مضطرًّا إلى الخروج من بيته لإعلان ولائه وطاعته الكاملة لأحكام مرشد الثورة علي خامنئي وقراراته ، مؤكّدًا في الوقت ذاته على أنه سيحتفظ لنفسه بحقّ الحديث عن أسباب مقاطعته للعمل الحكومي في الوقت المناسب.

إنّ وصول الحدث إلى هذه النّقطة لايعني البتّة توقّف تفاعلاته وانعدام تبعاته، خاصّة أنه وقع في بداية المرحلة الأخيرة من ولاية نجاد الرئاسيّة، وداخل منطقة حسّاسة في بنية النّظام الإيراني، وضمن كتلة كان الجميع حتى الأمس يعتبرها الأكثر تماسكًا وانسجامًا في التركيبة السّياسية الإيرانيّة.

إنّ حدث تثبيت المرشد لوزير المخابرات الإيراني على رأس عمله فرض على المحلّلين والمراقبين أسئلة عدّة تتّصل بحقيقة مايجري في أعلى هرم الحكم داخل إيران: هل هو صراع بين تيّاريْن سياسيّين على مواقع ومصالح؟ وإن كان كذلك فماهي أهداف كلّ طرف فيه ومصالحه؟ أم هو تجلٍّ  سياسي لاختلاف في الرّؤية العقديّة بين أبناء المدرسة والجبهة الواحدة؟ أم أنه تعبير عن خلل بنيوي في آليّات تدبير الحكم داخل نظام الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية؟

سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال المحاور التالية:

1.    الجذور الدّستورية والسّياسية للأزمة.

2.    أحمدي نجاد، مسؤولية الرّئيس ودور الزعيم.

3.    الخاتمة والسّيناريوهات.

 الجذور الدستورية والسياسية للأزمة:

تعتبر هذه المرّة الأولى التي يعترض فيها مرشد الثورة علي خامنئي على قرار إقالة أحد الوزراء، ذلك أنّ الدّستور الإيراني في فصله 135 يرجع قرار قبول استقالة الوزراء أو عدم قبولها إلى نظر رئيس الجمهورية، أمّا الفصلُ 136 فيعطي  رئيس الجمهوريّة صلاحيّة عزل الوزراء.

إلاّ أنّ السّلطات الشّاملة التي أعطاها الدّستور الإيراني للمرشد باعتباره الوليّ الفقيه، تمنحه حقّ التدخّل والفصل في أيّ شأن ديني أودنيوي وفق مبدأ رعاية المصالح العليا للبلد والثّورة. تقول المادّة 57 من الدّستور الإيراني: "السّلطات الحاكمة في جمهوريّة إيران الإسلاميّة هي: السّلطة التشريعيّة والسّلطة التنفيذيّة والسّلطة القضائيّة، وتمارس صلاحيّاتها بإشراف وليّ الأمر المطلق وإمام الأمّة، وذلك وفقاً للموادّ اللاّحقة في هذا الدّستور، وتعمل هذه السلطات مستقلّةً عن بعضها بعضاً".

إنّ ولاية الأمر المطلقة وإمامة الأمّة تجعل من أوامر المرشد وتدابيره أحكامًا دينيّة على الجميع تنفيذُها، وفي هذا السّياق يمكن فهم مبرّر النّقاش الذي دار بين المقرّبين من أحمدي نجاد ورموز تيّار المرشد، بعد أن اتّهم هؤلاء رئيس الجمهوريّة بالتردّد في طاعة أوامر الوليّ الفقيه، فردّ أولئك بأنّ قرار المرشد بتثبيت الوزير في منصبه ليس حُكمًا حكوميًّا أو ولائيًّا، بقدر ما هو وجهة نظر غير ملزمة.

و في هذا السّياق، بإمكاننا استحضارُ النّقاش الذي جرى عام 1987 بين مؤسّس الجمهوريّة روح الله الخميني ورئيس الجمهوريّة حينئذ علي خامنئي، بسبب إجازة الخميني تطبيق قانون العمل دون إتمامه المراحل القانونيّة اللاّزمة.

ويمكن إجمال ذلك الحدث في رفض مجلس المحافظة على الدّستور التّصويت على قانون العمل الذي أعدّه مجلس الشّورى وعدّله ثماني مرّات، بحجّة مخالفته للإسلام، ممّا اضطرّ  وزير العمل إلى الاستعانة بالخميني الذي كان يمثّل أعلى سلطة في البلاد، فأجاز الخميني للوزير تطبيق القانون الذي شرّعه مجلس الشّورى من دون أن يُوافق عليه مجلس المحافظة على الدّستور.

اغتنم وزير العمل فرصة سماح روح الله الخميني له بتطبيق ذلك القانون لِيُبادر بتوسيع صلاحيّاته وتطبيق عددٍ من القوانين التي لم تتمّ إجراءاتها القانونية، ممّا أثار حفيظة رئيس الجمهورية حينئذ علي خامنئي، فخطب في صلاة الجمعة بتاريخ 31 كانون الأول 1987 مُدينًا توسّع وزير العمل بالاستفادة من إجازة الخميني. فغضب هذا الأخير من حديث الرئيس ووجّه له رسالة أكّد فيها على المفهوم المطلق لولاية الفقيه.

وإذا كانت هذه الحادثة تبرز الخلفيّة التاريخيّة للأزمة في الممارسة السياسيّة الإيرانيّة، فإنّ من شأن الظّروف التي رافقت مجيء نجاد إلى ساحة التّنافس على كرسيّ الرئاسة أن تساعد في فهمها، كما أنّ مواقفه طوال السّنوات السّتّ التي قضاها في منصبه كفيلة هي الأخرى بتوضيح المزيد في هذا الإطار.

إنّ الذي ينظر في المرحلة التي سبقت عام 2005، سيلمس بوضوح أنّ المرشد علي خامنئي كان في حاجة إلى شخص له مواصفات أحمدي نجاد، يملأ السّاحة السياسيّة، أوّلاً بمواجهة التيّار الإصلاحي المشتّت، وإعادة المحافظين إلى دواليب الدّولة، وإعادة النّبرة الشّديدة للخطاب السّياسي الموجّه للخارج.

لم تمنع هذه الانتظارات المرشد من تأجيل اختلاف وجهات نظره مع أحمدي نجاد الذي انحاز إلى صفّه بوضوح في انتخابات 2009، مؤكّدًا بذلك على حكمة أنّ لكلّ وقت واجبه الخاصّ.

إنّ دعم خامنئي لنجاد لا يعني موافقته على أسلوب تدبيره للعمل الحكومي، لقد كان الرّجل مستاءً من كثرة إقالات الوزراء واستقالاتهم داخل فريق نجاد الحكومي، سلوك غير مسبوق في تاريخ الجمهوريّة الإسلامية، يعتبره المعارضون هدرًا للطّاقة وإرباكًا للعمل وبرامج الحكومة.

فمنذ تولِّيه منصب رئيس الجمهوريّة عام 2005 أقال أحمدي نجاد اثنيْ عشر وزيرا، كان آخرهم وزير الخارجيّة السّابق منوشهر متكي في 13 كانون الأوّل/ ديسمبر 2010، وهو في مهمّة رسميّة خارج البلاد.

وصل متكي إلى مبنى الخارجيّة بدعم من خامنئي، وقبل فترة قصيرة من إقالته أثْنى خامنئي على أدائه الدّبلوماسي، لذلك اعتبر البعض إقالته المفاجئة إشارةً أقلقت المرشد، وربما كانت دليلاً على تخطِّي نجاد للخطوط الحمراء المتعارَف عليها داخل الجمهوريّة الإسلامية، فكان لزامًا على خامنئي منْع أيّ إقالة أخرى، ومن ثَمَّ إبلاغ الرئيس رسالة مفادها أنّ سلطته لا تخرج عن سلطة المرشد وإرادته.

وفيما يخصّ البعد الخارجي للأزمة، فالطّرفان يختلفان فعلاً حول مجموعة من القضايا الإقليميّة، خاصّةً ما يتّصل بالاستثمار السّياسي للثّورات العربية، فقد عبّر تيّار المرشد عن رفضه التسرّع في استئناف العلاقات الدّيبلوماسية مع مصر، في حين يرى أصدقاء نجاد أنّ الفرصة مواتية الآن للمضيّ في بناء علاقات سياسيّة وديبلوماسيّة مع القاهرة في أفق تعزيز محور الممانعة في المنطقة.

وقد أبرزت الخطوات التي شرع فيها أحمدي نجاد قبل إقالته لوزير الخارجية السّابق منوشهر متكي، بتعيين ممثّلين ديبلوماسيّين في مناطقَ مختلفة في آسيا والشّرق الأوسط، رؤية مختلفة عند الرّجل في التّعامل مع بعض الملفّات الدوليّة. لكن المراقب للشّأن الإيراني لا يشكّ في أنّ القرارات الحاسمة في الدّور الإيراني الخارجي هي بيد مرشد الثّورة علي خامنئي، بينما يكاد يكون فيها دور الرّئيس غائبًا، إلاّ من حيث شرحها أو تنفيذها.

وفي سياق الخلفيّات السياسيّة للتّجاذب الحاصل بين نجاد وخامنئي يمكن الإشارة أيضا إلى رؤية نجاد بخصوص موضوع المهدويّة، والتي كشف عنها فور وصوله إلى سدّة الرّئاسة، وتحديدًا بعد عودته من الولايات المتّحدة الأمريكيّة، حيث ألقى خطابًا أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة عام 2005، فصرّح بأنّ أحد الحاضرين هناك أخبره بأن هالة من نور كانت تحيط به و هو يلقي  كلمته، أثار هذا التصريح موْجةً كبيرة من الانتقادات في إيران، إلاّ أنها لم تمنع أحمدي نجاد من التأكيد في عدّة مناسبات على ارتباط حكومته بالإمام المهدي المنتظر[1]، وأنّ هذا الأخير يدعم برنامجه الحكومي.

لم يكن مرشد الثّورة علي خامنئي ينظر إلى خطاب نجاد الدّيني الشّعبوي بعين الرّضا، فهو في نظره لايخرج عن كلام غير المتخصّص المندفع والمُبالغ، لذلك شكّلت تصريحات نجاد المتكرّرة تعدّيًا على صلاحيّات خامنئي الدّينية باعتباره النّائب الشّرعي عن الإمام المهدي، وقد عبّر عن موقفه في أحد خطاباته عام 2008 قائلاً: "يجب على الناس أن يعلموا أنّ ادّعاء الاتّصال بحضرة الإمام وأخذ الأوامر منه أمرٌ باطل وغير قابل للتّصديق".

أضفْ إلى ذلك إيمان نجاد بنظرية الإسلام الإيراني، التي تقول بالمزج بين عناصر التشيّع الإثني عشري ومقوّمات الثقافة الفارسيّة القديمة، إلاّ أنّ الفقهاء المقرّبين من خامنئي اعتبروا هذه النّظرية استهدافًا لعقيدة النّظام، ومحاولةً لهدم إسلاميّة الدّولة.

وقد ساهم تباين وجهات النّظر بين الرّجلين بخصوص قضايا داخلية في تعميق الخلاف السّياسي بينهما، ونذكر هنا موقف أحمدي نجاد المتسامح بالنسبة إلى حضور النّساء في الملاعب الرياضيّة، وعدم التشدّد في فرض شكل معيّن من الحجاب عليهنّ في الشّوارع والأماكن العامّة، إضافةً إلى الموقف من نائبه السّابق اسفنديار رحيم مشائي[2] الذي يشكّل وفق تيّار المرشد عاملاً أساسيًّا في تدهور العلاقة بين الرّئيس والمرشد.

من خلال تصريحات أحمدي نجاد المدافعة عن رحيم مشائي، يعتبر الرئيس صديقه رجلاً استثنائيًّا، شفّافًا، متخصّصًا، مخلصًا، وصاحب رؤية فكريّة عميقة، بينما يتّهم رموز تيّار المرشد رحيم مشائي بتزعّم تيّار عقدي وفكري منحرف، والتآمر على الثّورة الإسلاميّة والسّيطرة على تفكير الرّئيس، والتّرويج للمهدويّة المنحرفة.

اتّضح إذنْ أنّ تدخّل المرشد المفاجئ لتثبيت وزير المخابرات، هو موقف يجد مبرّراته في الدّستور الإيراني، وتفسّره طبيعة علاقة مرشد الثّورة برئيس الجمهوريّة منذ وصوله  إلى سدّة الرّئاسة.

أحمدي نجاد، مسؤولية الرئيس ودور الزعيم:

كانت الصّورة الإعلامية لأحمدي نجاد مع خامنئي تُظهر الأوّل في وضع الابن المطيع لوالده، خاصّةً و أنّ الرّجلين ينتميان إلى مدرسة سياسيّة وفكريّة واحدة، ومن الواضح أنّ دور خامنئي في حماية نجاد خلال أزمة نتائج انتخابات 2009 كان حاسمًا في محاصرة الطّاعنين في شرعيّة رئاسته، هذه العناصر كلّها أعطت انطباعا لغير المطّلع على تفاصيل البيت الدّاخلي، بأنّ الأجواء صافية بين الرّجلين، وأن لا شيءَ يعكّر صفْو المرحلة.

إذنْ، كيف وصل نجاد إلى المواجهة مع خامنئي، ولماذا؟

يعتقد مختصّون في الشّأن الإيراني أنّ بنية نظام الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانية تحمل في ذاتها جدليّة سيادة الشّعب وسلطة الوليّ الفقيه الذي يؤدّي دور الوصيّ الشرعي على الإرادة الشّعبية، سواءً تجسّدت تلك السّيادة في المجالس المنتخبة أو في شخصيّة رئيس الجمهوريّة الذي يحتاج إلى تزكية من المرشد ليدخل معترك المنافسة الانتخابيّة، ويحتاج أيضا إلى موافقته بعد انتخاب الشّعب له.

إنّ هذه الجدليّة التي نلمسها اليوم في الممارسة السّياسية الإيرانية، ليست إلاّ امتدادًا لنقاش فقهي وسياسي صاحَب تطوّر موقف المذهب الإثني عشري من قضيّة الحكم، خاصّةً ما يتعلّق باجتهادات مدرسته الأصوليّة، التي أكّدت على ضرورة تأسيس دولة يقوم فيها الفقهاء بدور النّيابة إلى أن يظهر الإمام الغائب.

اعترضت المدرسة الإخباريِّة على فكرة تصدّي الفقهاء لمهامّ الحكم لأنها برأيها اعتداء على صلاحيّات الإمام الغائب، وخوض فيما لا يندرج ضمن وظيفة الفقيه واستطاعته ، داعيةً إلى ترك الحكم لأصحابه، والاهتمام بشؤون النّاس الدينيّة ، وانتظار خروج صاحب الأمر.

بناءً عليه يتّضح أنّ سؤال التّقابل بين سلطة الشّعب وسلطة الفقيه متجذّر في الفكر الدّيني والسّياسي الإيراني، وإذا وضعنا هذا المعطى الأساسي نصْب أعيننا نستطيع فهم طبيعة المواقف وأبعادها في معادلة الرّئيس /المرشد.

حاول أحمدي نجاد أن يتجاوز هذه المعادلة عبْر تأكيد الولاء للمرشد علي خامنئي كما تقتضي ذلك طبيعة النّظام، لكنه في المقابل حاول ممارسة مسؤوليّته الكاملة باعتباره رئيسًا منتخبًا من الشّعب، إضافةً إلى ترسيخ شخصيّته داخليًّا وخارجيًّا بوصفه زعيماً عالمياًّ.

تسلّم أحمدي نجاد مسؤوليّة الرّئاسة بعزيمة إعادة الثّورة الإسلاميّة إلى مسارها بعد أنْ حرّفتها ممارسات الإصلاحيّين عن مسارها كما يعتقد، وهكذا بذَل التيّار المحافظ جهوداً كبيرة أخرجت جميع رموز الحركة الإصلاحيّة وأطرها من دواليب القرار السّياسي والحكومي، وفي المرحلة ذاتها امتلأت السّجون الإيرانيّة بالكثير من رموز التيّار الإصلاحي ونشطائه ، بمنْ فيهم نائب الرّئيس الإيراني السّابق محمد علي أبطحي والنّاطق الرّسمي باسم حكومة خاتمي وعدد من الوزراء والمثقّفين والصّحفيّين.

على المستوى الاقتصادي نفّذ أحمدي نجاد مجموعةً من الإصلاحات الاقتصاديّة، كان أهمّها رفْع الدّعم عن البنزين والغاز ومجموعة من الموادّ الاستهلاكيّة، وحاول إلزام المؤسّسات الحكوميّة ببرنامج تقشّفي يستهدف تخفيض النّفقات، وذلك لتحقيق وعوده للفقراء بالاستفادة من أموال البترول.

أمّا خارجيًّا فقد أعاد نجاد إلى الخطاب الدّيبلوماسي الإيراني الموجّه للغرب نبرته المتشدّدة، خاصّةً فيما يتعلّق بالملفّ النّووي ومحاربة إسرائيل، كما اجتهد لاستعادة الأدوار الإيرانيّة التقليديّة إقليميًّا.

يعتبر نجاد هذه الإجراءات والمواقف مكتسباتٍ عظيمةً تحقّقت بفعل مساندة الإمام المهدي الغائب ومباركته، وهي التي أعادت إيران إلى محور الفعل والحدث العالمي بعدما أدخلتها السّياسات الإصلاحيّة إلى متاهات  مرفوضة.

ويبرز توجّه الزّعامة في شخصيّة أحمدي نجاد في خطاباته التي يُلقيها أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، والتي تؤكّد على الدّور الرّسالي للثّورة الإيرانيّة، إضافةً إلى تصريحاته المتكرّرة، والتي ترسّخ كما ذكرنا سابقًا فكرة دعم الإمام المهدي لحكومته وبرامجها.

و يبرز هذا الدّور أيضا من خلال أسلوب نجاد في تسيير الحكومة، و إقالته المتكرّرة للوزراء ومحاولاته للسّيطرة على المواقع المهمّة في هيكل الجمهوريّة، مثل وزارة الخارجيّة ووزارة المخابرات.

إنّ تطلّع الرّئيس أحمدي نجاد إلى وظيفة رئيس الجمهوريّة الكاملة، وإلى دور الزّعيم داخليًّا وخارجيًّا، جلب سخطَ التّيار الإصلاحي وعداءَه ، لأنّه بنظرهم كان أداة مطيعة في تحييدهم من السّاحة السّياسية، وأثار انتقاد الفقهاء لأنّه يظهر بين الفينة والأخرى عدم الاعتبار لمفهوم طاعة وليّ الفقيه، كما أفقده تطلّعه رضا المرشد علي خامنئي ودعمه ، لأنّه ظهر في موقف المنافس له.

الخاتمة والسيناريوهات:

رغم ما صرّح به الرّئيس الإيراني أحمدي نجاد في برنامج تلفزيوني من أنّ العلاقة بينه وبين المرشد جيّدة ولا يعكّر صفوها أيّ شيء، إلاّ أنّ الأيّام الأخيرة من شهر أيار/مايو 2011  تؤكّد على أنّ الأزمة القائمة بين الرّجلين أو بالأحرى التيّارين، مرشّحة للتطوّر والاستمرار.

كما سبقت الإشارة، اعتكف نجاد في منزله وتردَّد في تنفيذ أوامر المرشد، فوُجّهت له تهمٌ بعصيان الوليّ الفقيه ودَعاه بعضُ الفقهاء إلى إعلان توبته، بينما تعرّضت بعض المواقع الالكترونية المؤيّدة له للإغلاق، وتزايدت الدّعوات من داخل صفّ الفقهاء المقرّبين من خامنئي إلى محاصرة التّيار المنحرف والمفسدين المحيطين بنجاد بحسب تعبيرهم، مع دعوته إلى إعلان موقفه الصّريح من هؤلاء.

وفي هذا السّياق اعتُقل حجّة الإسلام عباس أميري فر  و هو أحد المقرّبين من رحيم مشائي ومرشّح نجاد لوزارة المخابرات والسكرتير العامّ لـ"جامعة الوعّاظ الولائيّين"، ورئيس المجلس الثّقافي في رئاسة الجمهوريّة، كما أصدرت المحكمة الإداريّة حكمها بفصل أحمد بقائي مستشار أحمدي نجاد التّنفيذي ومدير مجلس المناطق الحرة عن العمل الحكومي مدّة أربع سنوات على خلفيّة أخطاء إداريّة ارتكبها لمّا كان على رأس مؤسّسة الآثار والسّياحة. وفي السّياق ذاته تمّ اعتقال بريوش سطوتى زوجة حسين فاطمى وزير الخارجية الإيراني في حكومة محمد مصدق، وتعتبر من أنصار أحمدي نجاد ومن المقرّبين من اسفنديار رحيم مشائي.

ويبدو أنّ أحمدي نجاد أجّل إعلان مواقفه بخصوص ما يتعرّض له أنصاره ومساعدوه من مضايقات تيّار المرشد، وفي الوقت نفسه أصرّ على تنفيذ سياساته الحكوميّة التي أثارت استياء معاقل المحافظين ومعارضتهم ، ومن أهمّها: إقالته لثلاثة وزراء بهدف تنفيذ خطّة لدمج الوزارات، بينما تجاهل مصادقة البرلمان على قانون جديد يقضي بتشكيل وزارة الرّياضة والشّباب، في حين أثار تسييره لوزارة النّفط انتقاداتٍ شديدةً بعد أن أقال الوزير المكلّف، وذلك في الوقت الذي تترأّس فيه إيران دورة مجموعة الأوبك.

إنّ هذه التطوّرات في محيط أحمدي نجاد وأدائه الحكومي عمّقت التساؤل حول مستقبل العلاقة بين رئيس الجمهورية من جهة ومرشد الثورة مع المؤسّسات الدستورية الموالية له: البرلمان، مجمع تشخيص مصلحة النّظام، مجلس الخبراء، إضافةً إلى جبهة من الفقهاء.

وفي محاولات لتفكيك التّجاذب بين نجاد وخامنئي تساءل بعضُ المحلّلين عن دور الإيديولوجيا في ما  يحدث، وهل هي دافعٌ أم أداة؟ وهل تمثّل مواقف أحمدي نجاد وأدواره نوعًا من التّبرير للشّرعيّة استنادًا إلى سرديّة معيّنة  للتّاريخ؟

وفي هذا السّياق يرى هؤلاء أنّ شخصيّة نجاد اعتمدت الخطاب الدّيني الشّعبوي الخلاصي، وهي بذلك تضع نفسها مقابل المرشد الذي يؤدّي دور المتخصّص والشّرعي، وفي كلّ الأحوال تبقى شخصيّة نجاد السياسية في بحث مستمرّ عن أدوار تضمن لها الاستمرار بعد الخروج من الرّئاسة، وهو ما اصطلح عليه البعض بـ"النجادية".

ويمكن إدراج موقف خامنئي المعاكس لإرادة نجاد في الدّور التّقليدي للمرشد في النظام الإيراني، وهو الموازنة بين التيّارات السياسيّة ومنع أيّ تيّار أو شخص من تجاوز حجمه في اللّعبة السياسيّة، وبالتّالي الحفاظ على مركزيّة موقع وليّ الفقيه في النّظام، إلاّ أنّ ذلك لن يمنع ،بنظر البعض، عودة النّقاش حول الضّرورة التاريخيّة والوظيفيّة لمؤسّسة الوليّ الفقيه في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة.

وهنا يطرح السّؤال: هل نحن أمام رئيس مات سياسيًّا؟ وهل من سبيل لإخراج الجمهوريّة من هذا المأزق؟ خاصّةً وأنّ المستفيد الوحيد حاليًّا من هذا الانسداد هو التيّار الإصلاحي الذي تعرّض في ولاية نجاد لأشدّ الضّربات، وهل سيبقى نجاد صامتًا أمام التّصفية التي يتعرّض لها رموز تيّاره السّياسي؟

السيناريو الأول:

هنا يدور الحديث عن إمكانيّة إقالة خامنئي لأحمدي نجاد ، ثمّ الدّعوة إلى انتخابات رئاسيّة مبكرة، وهو إجراء يراد به إخراج النّظام من أزمة سياسيّة قد تكون غير مسبوقة بين تيّارين نافذيْن في مؤسّسات الدولة الحسّاسة، لكن تبقى إمكانيّة تحقّق هذا السّيناريو بنظر الكثيرين ضعيفةً جدّا، نظرًا لقرب موعد الانتخابات الرئاسيّة، ولما له من تبعات كبيرة داخليًّا وخارجيًّا في مرحلة حسّاسة من تاريخ المنطقة.

السيناريو الثاني:

يتوقّع لجوء النّظام الإيراني إلى تأجيل الحسم في هذه الأزمة، بتوحيد قوى التيّار المحافظ أمام التّهديد الخارجي، خاصّةً مع تأزّم الأوضاع في سوريا وسير الأحداث بشكل يقلق طهران، فهي تخشى أن يفقدها أحد أهمّ حلفائها في المنطقة. ممّا يجعل التّصعيد في البحرين أمرًا واردًا قد يعيد التّوازن إلى ميزان القوى وفق مبدأ الضغط المتبادل.

السيناريو الثالث:

يرى هذا السّيناريو أنّ أحمدي نجاد يخطّط إلى حسم  نتيجة الانتخابات الرّئاسية المقبلة لصالح تيّاره بترشيح صهره رحيم مشائي، إلاّ أنّ الحصيلة المتواضعة لنجاد خلال سنوات حكمه، إضافةً إلى مشاكله الأخيرة تضعه في موقف الرّئيس الضّعيف في المرحلة الأخيرة من حكمه، لذلك فحظوظ تيّاره في الانتخابات المقبلة تبقى ضعيفةً جدًّا، خاصّةً أمام ما لحق برموزه من اتّهامات بالانحراف العقدي والفساد الاقتصادي والإداري.

وعلى هذا الأساس ستكون أفضل وسيلة لإخراج أحمدي نجاد وتيّاره من السّاحة السياسيّة هي الّلجوء إلى أسلوب الإقصاء التّدريجي ومن ثَمّ العزل السّياسي لنشطاء التيّار من مواقع القرار، إلى أن يصل موعد الانتخابات الرئاسيّة. في هذا السّياق يجب الإشارة إلى أنّ دور المؤسّسة العسكرية سيكون بالغ الأهميّة في حسم نتيجة المواجهة  المتطوّرة داخل المشهد السّياسي الإيراني.

وفي المقابل قد يفتح علي خامنئي المشهد السّياسي لفاعلٍ جديد وبديل يجمع بين الهويّة الإصلاحيّة والولاء للمرشد وتوجّهاته، أي ما يشبه تيّارًا من الإصلاحيّين الجدد الذين لايحسبون على الإصلاحيّين التقليديّين من حيث المواقف والنّشاطات المناوئة للتّيار المحافظ.

الذين يعرفون أحمدي نجاد عن قرب يؤكّدون أنه نادرًا ما يمسك نفسه عن إصدار المواقف وردود الأفعال، لكن بعد هذه التطوّرات، هل سيُقْدم نجاد على تعدّي الخطّ الذي حدّده علي خامنئي بوضوح؟ أو بالأحرى، هل ستكون الجولة المقبلة بين الطّرفين جوابًا عن سؤالنا: هل هو صراع على السّلطة أم على الصّلاحيات؟ نحن نرجّح أنه صراعٌ على الصّلاحيات، ولكن صلاحيّات المرشد بنظر المحافظين هي أكثر من مسألة مبدئيّة وليست إضافة صلاحيّات لمنصب الرّئيس على حساب المرشد.

 ---------------------------------- 

  • [1] - الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري، هو الإمام الثاني عشر في سلسلة الأئمّة المعصومين الذين يعتقد الشيعة الإثنا عشرية بتعيينهم من  الله، ويقولون بولادته في 255 هجرية بصورة سرية، واختفى بعد وفاة والده الإمام العسكري سنة 260 للهجرة، في سامراء.
  • [2] - ولد اسفنديار رحيم مشائي  عام 1960، متخصّص في الهندسة الالكترونية، تدرّج في تشكيلات قوّات التعبئة "البسيج" منذ بداية شبابه، كان له دور فعال في جهاز المخابرات العسكرية، بعد ذلك اهتم بالعمل الثقافي، تربطه بأحمدي نجاد علاقة صداقة قديمة تحولت إلى مصاهرة، ليعيّنه بعد فوزه بالرئاسة عام 2009 نائبا له، إلاّ أن الخامنئي رفض هذا التعيين، ليعيّنه نجاد مباشرة بعدها مديرا لمكتبه، ثم يستقيل من هذا المنصب بداية أبريل 2011