العقد الأخير في تاريخ سورية جدلية الجمود والإصلاح (3/4)../ محمد جمال باروت

العقد الأخير في تاريخ سورية جدلية الجمود والإصلاح (3/4)../ محمد جمال باروت

يناقش الباحث الأستاذ جمال باروت في الجزء الثالث من دراسته أداء الاقتصاد السوري خلال العشرية الأخيرة. ويتجاوز في تحليله المنطق الصوري في عرض حصيلة الاقتصاد السوري، فلا يركز على الناحية الكمية الإحصائية الصرفة التي تشير إلى تحقيق نسبة نمو وسطي جيد في حدود %5.1 خلال الفترة من 2000 إلى 2010 رغم ضغط عوامل مختلفة طبيعية (الجفاف) وجيو- بوليتيكية مقترنة بتبعات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار الغذاء إلى معدّلاتٍ غير مسبوقةٍ، وإنما ينصبّ اهتمامُه على فحْص مدى انعكاس تحسّن أرقام الإطار الكلّي للاقتصاد على واقع التنمية البشرية القائمة أساسًا على دراسة تطوّر معدّلات الفقر والبطالة والعدالة في توزيع الدّخل. ويكشف الباحث في هذا المستوى الاختلالات الكبيرة بين واقع النموّ الاقتصادي الإحصائي وواقع التنمية البشرية، وهو ما يبرز من خلال تراجع نصيب الفرد من الدّخل الوطني، وارتفاع نسبة السكّان تحت عتبة الفقر، وارتفاع نسبة البطالة إلى حدود 16% من السكّان البالغين سنّ العمل عكس ما تشير إليه الإحصاءات الرسمية بتراجع نسبة البطالة إلى %12.3 بناءً على تعريف للبطالة سياسوي متحيّز لإخفاء وجهها الحقيقي والدّعاية لنجاح السّياسات الحكومية.

تتكثف سنوات العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين في سورية على مستوى العوامل الموضوعية والخارجية والداخلية. فعلى مستوى العوامل الموضوعية كان في مقدمتها عامل "المناخ" إذ شهدت سورية خلال سنوات (2006-2009) جفافاً قاسياً لم تشهد نظيراً له من الشدّة إلاّ في أواخر العشرينيات والخمسينيات من القرن العشرين. وعلى مستوى العوامل الجيو- بوليتيكية شهدت خلال سنوات (2003-2005) تساقط آثار الاستراتيجية الأميركية عليها في شكل ضغوطٍ  مكثفةٍ وحادّةٍ ومباشرةٍ لإرغامها على الانغماس في "السرير" الاستراتيجي الجديد للمنطقة. وتمخّض الوفاق عبر الأطلسي عن محاولة احتواء سورية وعزلها باستخدام ورقة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري لإخراج القوّات السورية من لبنان، والرهان على قيام انقلاب داخلي ضدّ الرئيس بشار الأسد، يهدف إلى التخلّص منه وليس تغيير نظامه.

تمفصلت هذه العوامل الموضوعية والخارجية في سنوات (2006-2009) مع انكشاف أزمة الغذاء العالمي، وارتفاع أسعار الغذاء إلى معدلاتٍ غير مسبوقةٍ، وتساقط آثار الأزمة المالية الدولية على سورية بشكل سلبي،  مباشر وغير مباشر، من خلال تراجع الصادرات التي تعتبر أحد أبرز محركات النمو الاقتصادي السوري في مرحلة تراجع الإنتاج النفطي، وإفلاس العديد من المنشآت الصناعية أو توقفها عن العمل أو العمل بشكل جزئي، وتراجع حجم التحويلات الخارجية من المهاجرين.

بين النمو الكميّ والتنمية النوعيّة

على الرغم من ضغط هذه العوامل مجتمعةً على الاقتصاد السوري، وتبادل التأثير فيما بينها، فقد حافظ الاقتصاد السوري على توازن إطاره الكلي في ماعدا ارتفاع معدل التضخم في العام 2008. فحقّق في سنوات العشريّة المنصرمة (2000-2010) من الناحية الكميّة البحتة معدل نمو اقتصادي وسطياً بالأسعار الثابتة قدره 5.1%. ويبدو هذا المعدل في مستواه الكميّ البحت، قريباً من معدل النمو الذي حققه الاقتصاد الوطني في الأعوام (1970-2008)، والذي بلغ نحو 6.3% (1)؛  لكنه يعتبر مضلّلاً، لأنه لا يميز بين المصادر الريعية والكميّة الجديدة للنمو الاقتصادي، والمصادر الريعية والكمية البديلة التي حلّت مكان قطاعيْ الزراعة والنّفط الريعيين المتراجعين، وبين الإنتاجية أو ما يطلق عليه الاقتصاديون مصطلح الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج (TFP)، والتي تكشف عن أثر التقدم التكنولوجي والمعرفي والبشري والتنظيمي في زيادة الإنتاج. ويركّز الاقتصاديون على هذه الإنتاجية عادةً عند احتساب مصادر النمو الاقتصادي، وتبيين هل إن النمو قد تمّ عبر التوسع الكمّي بمدخلات الإنتاج، أم عبر إنتاجية مجمل عوامله.

يختلف سؤال النمو عن سؤال التنمية ويترابط معه بشكل ضروري في آنٍ واحدٍ. ويتمثل الاختلاف في أن معدّل النموّ هو دوماً معدّل كمّي، فالمعدّل يقيس كمّاً أو حجماً لا نوعاً. وقد يتم بشكلٍ كمّي أيضاً نتيجة عوامل توسعية كميّة بمدخلات الإنتاج، كما قد يكون من نمط النمو "الفقاعي". بينما سؤال التنمية نوعي دوماً، ويرتبط من الناحية الاقتصادية بإنتاجية مجمل عوامل الإنتاج. فلا يقود ارتفاع معدل النمو تلقائياً إلى التنمية، لكن التنمية لا يمكن أن تتحقق من دون رفع معدل النمو. ولتوضيح الصورة أكثر بين ما هو كمّي في النمو ونوعي في التنمية، فإنّ التوسع الكمّي ببناء آلاف المنشآت المدرسية والتعليمية والصحّية لا يفضي بالضرورة إلى قيام نظام تعليمي أو نظام صحّي، بل قد يؤدّي، مع ضعف عملية التنمية بما هي عملية مؤسّسية، إلى تآكلها. وتتحقّق التنمية فقط حين يفضي هذا التوسع الكمّي إلى إرساء نظامٍ هيكلي مؤسّسي نوعي جديدٍ للعناصر الكميّة المدخلة فيه، ويدخل العامل البشري هنا بوصفه عاملاً حاسماً في هذه العملية.

وفي منظور مرجعية التنمية البشرية للإصلاح المؤسّسي التنموي فإنّ تحقيق معدّل نمو مرتفع ليس هدفاً في حدّ ذاته إلاّ بقدر ما يجيب،في منظور التنمية البشرية، عن أسئلة من عيار: "ماذا حصل للفقر المطلق؟ ماذا حصل للبطالة؟ ماذا حصل لتوزيع الدخل؟". وليس هناك نموذج واحد لمقاربة هذه المشكلات، لكن دراسات التنمية والفقر تشير إلى أنّ تغيير التوزيع، في حالة الدول ذات الدخل المتوسّط والتي تتمتّع بدرجةٍ كبيرةٍ من اللاّمساواة، وهي المجموعة التي تنتمي إليها سورية، أكثر أهمية من النمو بوصفه عاملا من عوامل تقليل الفقر، بينما يكون النمو في حالة الدول المنخفضة الدخل، والتي تتمتع بدرجة كبيرة من عدالة التوزيع أكثر أهميةً لتقليل الفقر(2).

في ضوء هذا المنظور يمكن القول إنّ معدّل النمو الاقتصادي قد ارتفع من الناحية الكميّة خلال العشريّة الأخيرة، وتساقطت ثماره وآثاره الإيجابية نظرياً على الجميع مفترضةً في الحسابات الليبرالوية خفض مستوى الفقر نقطتين على الأقل. لكن عدد الفقراء وفق خط "الفقر الأدنى" (العميق) أو "الأسود" ارتفع عمّا كان عليه، بل تدهور وضْع من كانوا تحت "خطّ الفقر الأعلى" إلى وضعية الفقر "الأسود" أو "العميق"، وارتفعت معدّلات النموّ الاقتصادي واستحداثات المشاريع.  لكن حجم العاطلين عن العمل ارتفع في تعريفات البطالة عمّا كان قبله.

أ- ماذا حصل لحصّة الفرد من الناتج المحليّ الإجمالي؟

يعتبر انخفاض دخل الفرد السوري من الناتج المحلّي الإجمالي أحد أبرز عوامل تراجع ترتيب سورية في السلّم الدولي للتنمية البشرية. وفي العشرية الأخيرة ارتفعت حصّة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 2.9%، وهي تسمح نظرياً بمضاعفة حصّة الفرد من الناتج المحلّي الإجمالي كلّ أربع و عشرين  سنة في حال استمرار معدّلات النموّ الاقتصادي والسكّاني الحاليّيْن. لكن ما حدث هو تراجع هذه المعدّلات فعلياً، بل تراجعت في السّنوات الأخيرة بشكلٍ كبير لتزداد الفجوة بينها وبين مثيلاتها في دول الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا ودول الدخل المتوسط، ولتقترب بشكلٍ أكبر من حصّة الفرد من الناتج في دول الدخل المتوسط الأدنى(3).

يقدّر خط المعدل الحرج للنمو الاقتصادي بلغة إبراهيم العيسوي بـ 6% في شروط بلدان مثل مصر وسورية، ويتطلب معدلات نمو مستدامة لا تقلّ عن 8%، والاحتفاظ بها على مدى زمني طويل نسبياً يبلغ 25-30 سنة(4). وليس بلوغ ذلك مستحيلاً، فلقد اقتربت سورية منه في السبعينيات، واقتربت منه دول عديدة اعتمدت المنهج التنموي المؤسسي، ومهّدت لذلك بإصلاحاتٍ مؤسسيةٍ تمكينيةٍ بالاعتماد على تحويل "الادّخار الصافي" أو "الأصيل" تمييزاً له عن الادخار التقليدي، إلى استثمار تنموي(5). إن مفهوم الادخار الصافي ليس إلاّ مفهوم التعليم والتنمية المستدامة ووقف التدهور البيئي في مجال الادّخار.

ولعلّ المقارنة تنطوي على معنى التعلّم. فقد كانت مصر وسورية وكوريا الجنوبية في العام 1960 عند المستوى نفسه تقريباً من حصّة الفرد في الناتج المحلّي الإجمالي، أمّا اليوم فإنّ الناتج في كوريا الجنوبية التي ربطت سياسات التمكين بالتحرير يفوق عشرة أمثال الناتج المحلّي المصري. وكانت اقتصادات الجزائر ومصر وسورية والعراق أكثر تقدّماً، أو في موقع لا يقلّ تقدماً عن اقتصادات جنوب شرق آسيا في أواسط الستينيات، لكن أداءَها الاقتصادي الذي أخذ يتطور وفق منهج التوجّه إلى الداخل الذي زاد منهجه في إحلال الواردات بدلاً من الاعتماد على الخارج والانكشاف أمامه، سرعان ما تراجع بأضعاف عن القفزة التنموية الهائلة التي حققتها دول جنوب شرقي آسيا التي أخذت تتطور في إطار منهج سياسات التمكين التي تسمح بالتوجه إلى الخارج(6).

لقد كان ارتفاع الادّخار الصافي الذي نجم عن السياسات التنموية المؤسسية في تلك البلدان أحد أبرز مصادر تمويل الاستثمار، وتطوير إنتاجيته بالقيم المضافة، وتملك التقانة وتوطينها من خلال التمرس بمهارات Reverse Engineering، وإطلاق طاقات معامل التنظيم المؤسسي التي تضيف نقاطاً عدة إلى الناتج المحليّ الإجمالي من دون الحاجة إلى القيام باستثماراتٍ ماديةٍ إضافيةٍ. ولذلك كان الترابط ضرورياً بين الادخار الصافي وبين زيادة حصة الفرد من الدخل. ويتضح أثر الادخار الصافي هنا في زيادة حصة الفرد من الدخل من خلال دوره في زيادة الإنتاجية، إذ تبلغ شدة الارتباط بين ارتفاع معدّل نمو دخل الفرد ونمو إنتاجيّة العوامل 93%. ويشكل رأس المال البشري والمعرفي والتقاني والمؤسسي والبيئي أساس ذلك، بينما يتدهور الادخار الصافي في سورية بعد أن كانت سورية في السبعينيات والثمانينيات مصدراً أساسياً لبعض أهمّ أنواعه إلى البلدان العربية. ولقد ازداد هذا التدهور في العشرية الأخيرة، إذ تراجع من 13% في العام 2000 ليصل إلى 3% في العام 2008، بينما تراجع معدل الادخار التقليدي الإجمالي من 23% في العام 2000 إلى 13% في العام 2008. وبالتالي تراجع حجم الادخار التقليدي الممول للاستثمارات في العام 2008 إلى أقل من نصف ماكان عليه في العام 2000(7).

ب- ماذا حصل للفقر المطلق وتشوهات التوزيع؟

يقوم المنظور الاقتصادي للفقر على أنه مشكلة اقتصادية تتمثل في تدني الدخل قياساً على الاحتياجات الأساسية، وله نتائج اجتماعية وخيمة، وتتكثف هذه النتائج في عمليات "التهميش". وكان الاعتقاد أن السياسات ستجمع بين العمل على رفع معدلات النمو وعدالة التوزيع في وقتٍ واحدٍ، واعتماد نمط تنموي يقوم على النمو "المحابي" للفقراء (pro poor growth)، وإعادة دمجهم في عملية التنمية.

ليست العلاقة بين ارتفاع معدّل النمو الاقتصادي الذي هو شرط للحدّ من الفقر، وبين انخفاض معدل الفقر ضرورية، فقد يرتفع معدل النمو الاقتصادي مع ارتفاع وتيرة الفقر حين تستأثر النخب والشرائح والطبقات القوية بقطف ثماره ولا يتبقى للفقراء إلا التقاط الفتات منها. ولكن حين يكون معدل النمو ضعيفاً فإن الصراع على "الموارد الشحيحة" يغدو هو القاعدة، لأن "الكعكة" صغيرة. ويؤثر ارتفاع معدل النمو في الحدّ من الفقر عبر السياسات العامة التي تعمل على تقليص الفوارق التوزيعية للناتج المحلي الإجمالي أو الدخل القومي بين الطبقات والشرائح الاجتماعية بوساطة أدواتٍ مؤسسيةٍ توزيعيةٍ الأمر الذي يخفّف آثار النموّ السلبية،  في أثناء مرحلة التحول الاقتصادي،  في تشوهات التوزيع، ويجعل النمو محابياً ومناصراً للفقراء، ويمكّن الفقراء من تملك الأصول والاندماج في عملية التنمية. وهذه عملية اجتماعية كاملة، لكن لا تنفي الكلام عن أن مسألة الفقر ترتبط على العموم في كل مكانٍ من البلدان النامية بعاملين أساسيين مترابطين هما: النمو الاقتصادي وعدالة التوزيع.

في سياق عملية اختزال الإصلاح المؤسسي إلى برنامج تحرير اقتصادوي ليبيرالي متهالك على جذب الاستثمارات بأي ثمن، بغية رفع معدل النمو الكمي، ترك توزيع  ثمار النمو لعمل "اليد الخفيّة" (ديناميات السوق)، وبالتالي كان اهتمام السياسات برفع معدل النمو أكثر وأوضح من اهتمامها بعدالة التوزيع. وكان أقصى ما فعلته هو محاولة التدخل بمنهج "الإطفائي" لإصلاح ما يحدث من اختلالاتٍ توزيعيةٍ في مرحلة لاحقة، وعلى نطاقٍ محدودٍ، بينما كان واضحاً، حتى لدى واضعي السياسات أنفسهم، أن الطبقات والشرائح والفئات القوية هي التي تقطف عادةً، ولا سيما في ظروف التحوّل من الاقتصاد المركزي إلى اقتصاد السوق،  ثمار النمو في كل مكان تقود فيه هذه السياسات التحريرية الاقتصادوية عملية التنمية.

لم يكن مفاجئاً، في هذه الحال، ارتفاع نسبة السكان الفقراء (ما تحت خطّ الفقر الأدنى) وفق خط الفقر الوطني من 11.4% يشكّلون 2.043 مليون نسمة في العام 2004 إلى 12.3% في العام 2007، يشكّلون نحو 2.358 مليون نسمة من إجمالي السكان. ولا يمثّل هذا المعدّل المسجّل إلاّ الرأس الظاهر من "جبل الجليد" أو "البركان". ويبدو الفقر ظاهرياً، على مستوى المعدّل الإجمالي، "ضحلاً"، ويخصّ من يتم تصنيفهم "تحت خط الفقر الأدنى" الشديد أو المدقع، بينما يتمثل الجزء الثاني من القصة المؤسية في أن عملية التحولات الهيكلية هدّدت بقذف نحو 22% من إجمالي السكان يصنفون "تحت خطّ الفقر الأعلى"، ويشكّلون 4.218 ملايين نسمة وفق تقديرات العام 2007 أو ما يعادل 4.536 ملايين نسمة وفق تقديرات العام 2010، إلى ما تحت خطّ الفقر الأدنى، ورميهم في بيئةٍ محفوفةٍ بالمخاطر الشديدة، ومفعمة بالحرمان والقلق والاضطراب النفسي والسلوكي والثقافي والاجتماعي ليغدو حجم من هم تحت خط الفقر نحو 7  ملايين نسمة، يمثلون 34.3% من إجمالي سكان سورية(8). وقد تولّت هذه المهمة عمليات خفض الدعم التمويني (صندوق استقرار الأسعار) ودعم المشتقات الوطنية من 16% في العام 2004 إلى 11% في العام 2007، لتتضافر مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والجفاف القاسي وارتفاع معدل التضخم كما سنبين ذلك في فقرة آثار الأزمة المالية الدولية.

مع ذلك يُعتبر الفقر في سورية ذا درجتين: درجة" الفقر الضحل" ودرجة " الفقر العميق". وينتشر الفقر الإجمالي في الأرياف والمناطق العشوائية كلها، لكن تركز الفقر "العميق" يتخذ شكلاً مناطقياً واضحاً. فقد استمرّت المنطقة الشمالية الشرقية، وتحديداً إدلب وريف حلب ومحافظات الرقة ودير الزور والحسكة في الاستحواذ على أكبر عددٍ من الفقراء مقارنةً بالعام 2004، كما ازداد الفقر الشديد  العميق والإجمالي في المنطقة الجنوبية ولا سيّما في ريفها ما يشير إلى ظاهرة شبيهة بتونس، وهي فجوات التنمية المناطقية. وقد يفسّر ذلك أنّ شرارة الاحتجاجات انطلقت، على غرار تونس، من المناطق الأدنى نمواً، وكانت الأشدّ في درعا ومدنها وريف دمشق، بينما  كان يمكن أن تكون أشدّ في المناطق الشرقية ولا سيما في محافظة الحسكة ومنطقة عين العرب في ريف حلب وبعض أحيائها لولا التسوية" المؤقّتة" بين السلطة والقيادات السياسية والاجتماعية الكردية. وفي المنطقة الشرقية وريف المنطقة الشمالية وريف دمشق يتمفصل الفقر المادّي "العميق" مع ارتفاع معدّل الفقر البشري الذي تتكثّف فيه جوانب الحرمان من التنمية البشرية المستدامة. ويشير الشكل( 2-3) إلى أنّ محافظات المنطقة الشرقية تتربع على رأس الأقاليم المنكودة بارتفاع فقرها البشري، والمتمفصل بدوره مع مشكلات ثقافية - أثنية كردية في محافظة الحسكة. ولا يضارعها في ارتفاع معدّل الفقر البشري إلاّ ريف دمشق(9).

ترافقت عملية إنتاج نمط السياسات التحريرية مع ارتفاع وتيرة الاختلالات في عدالة توزيع الدخل الوطني، ما أدّى إلى ازدياد عديد الفقراء. فقد أشار مقياس "جيني" إلى أنّ العشر الأدنى أي 10% من السكان، وحجمهم في العام 2007 يعادل  1,9 مليون نسمة، وهم الذين يقتربون من الواقعِين تحت خطّ الفقر الأدنى (الأسود)، ينفقون ما نسبته نحو 3.5%  فقط من إجمالي الإنفاق، بينما ينفق أغنى 10% نحو 27.3% من هذا الإجمالي، أي ثمانية أمثال ما ينفقه العشر الأوّل تقريباً.

صحيح أنّ مقياس "جيني" يعكس تفاوت التوزيع وليس تفاوت الغنى/الفقر، غير أنّ نتائجه تتمفصل هنا مع ارتفاع وتيرة الفقر. لقد أدّت التحولات في منظور معاملات "جيني" إلى تركّز الدخل، كما يعكسه الإنفاق الاستهلاكي، في شرائح محدودة من السّكان. وصحيح أنّ مسألة عدالة التوزيع تختلف عن مسألة الفقر، حيث يمكن أن تخلو بعض المجتمعات من الفقر، لكن توزيع الدخل فيها متفاوت تفاوتاتٍ عاليةً، فإنّ ما لا يتوقّف عنده "الاقتصاديون" بشكل كافٍ هو حصيلة دروس تجارب الدول النامية، وحصيلة التجربة السورية في عدادها وهي أنّ سوء توزيع الدخل يترافق عموماً مع درجةٍ عاليةٍ من الفقر.

يأتي التضخّم في عداد ألدّ أعداء الفقراء. لقد نجم عن تضافر الآثار الموضوعية والسياسية في العام 2008 ارتفاع معدّل التضخّم في سورية إلى مستوى خطر وصل في العام 2008 إلى 15.15% بعد أن كان 10% في العام 2006. وكان العام 2008 على مستوى التضخّم وآثاره في الإفقار وتوزيع الدخل أسوأ أعوام العشريّة،  فقد  "تراجع  معدّل الاستهلاك الخاصّ (الإنفاق العائلي الخاص على المشتريات من سلع وخدمات باستثناء الأراضي والمباني)  حتى غدا سالباً، بفعل الارتفاع الحادّ في أسعار المواد الغذائية  في العاميْن 2007 و2008 وازديادها في العام 2008  بمعدّل تجاوز  56% عن  العام

2000"(10).  ودفعت ثمنه الفئات الوسطى والفقيرة والضعيفة وملايين من السّكان المحفوفين بمخاطر الانحدار من خط الفقر المدقع إلى الفقر الشديد الذي يصاحب معدلات التضخم المرتفعة عادةً، ويؤكد ما هو معروف وهو أن الفقراء والضعفاء هم الأكثر عرضةً لآثار اختلالات الاقتصاد الكلي التي تنعكس عليهم في شكل قذفٍ إلى بيئة الجوع والهشاشة والاقتلاع، وأن أيّ تغيّر في أسعار هذه السلع سوف يحدث أثراً جسيماً فيهم. وقد ارتفع معدل التضخم نتيجة إجراءات رفع الدعم ورفع سعر الطاقة والمشتقات النفطية وعدد كبير من السلع والخدمات الأخرى،  فلم يلتهم القدرة الشرائية للنقود فحسب، بل صار أداةً خبيثةً لتوزيع الدخل لمصلحة الأغنياء والأقوياء. ويمثل ارتفاع التضخم، بالنسبة إلى معدّل النموّ الاسمي، أحد عناصر الضعف في استقرار الاقتصاد الكلي السوري للفترة المدروسة، أي منذ منتصف التسعينيات حتى العام 2005،  وكان يتراوح بين 3% و 6%، وبين -0.90% في العام 2000 و6% في العام 2005. ويقع وسطيها ضمن وسطيّ معدل التضخم في دول المنطقة والدول النامية المقدّر بين 4% و6.5% على التوالي، وكان يتراجع مع تراجع عجز الموازنة(11).

لكن حساب التضخم والتعيين الدقيق لمصادره وعوامله، وتحديد الوزن الأكبر لهذا العامل أو ذاك بين العوامل النقدية والبنيوية هو من أكثر الحسابات في سورية إثارةً للالتباس جراء انحياز منتجي الأرقام إلى "الأدنى" أي إلى خفض معدل التضخم للإيحاء بــ "قوة" الاقتصاد الوطني. فمن المعروف أن التضخم يرتبط بثلاثة أنواعٍ من الاختلالات: اختلالات الاقتصاد العيني أو الحقيقي، اختلالات المالية العامة، الاختلالات في عرض النقود، وهذه الاختلالات مترابطة التأثير فيما بينها.  وستبرز مشكلة التضخم أكثر مع توجه الكتلة الأساسية من الاستثمارات إلى الاستثمارات الضخمة في القطاع العقاري، والتهامها مورد الأرض المتاح والشديد المحدودية. وقد أدّى نموّها في كافة الدول العربية في فترة "الفورة المالية" النفطية العربية نتيجة ارتفاع العائدات النفطية إلى ارتفاع معدل التضخم(12)؛ وقد أدت هذه الاستثمارات مع نمو القطاع العقاري إلى رفع سعر الإسمنت بنسبة 55% وإلى فتحه أمام الاستيراد(13).

عزّزت السياسات الضريبية تشوهات التوزيع. ففي عملية إصلاحية اقتصادية مؤسّسيّةٍ يمكن أن تجعل عملية إعادة التوزيع من النمو الاقتصادي محابياً أو منصفاً للفقراء وللفئات الوسطى الدنيا والفقيرة عموماً من خلال الضرائب والتحويلات والإنفاق العام الجاري والاستثماري وتوزيع الأصول لتمكين الفقراء من الوصول إلى الموارد، ومواجهة التقلبات التي يكونون عادةً ضحايا لها. لكن ما حدث خلال العشرية الأولى التي انقلب فيها الإصلاح إلى تحرير هو أن السياسة الضريبية قد انطلقت من مرجعية ليبيرالية مشوّهة قامت على خفض الضرائب المباشرة على الأرباح الحقيقية، بينما رفعت نسبة الضرائب غير المباشرة والرسوم التي تتحمّل عبْئَها الفئات الواسعة في المجتمع.

خفضت هذه السياسات الضرائب المباشرة، وهي الضرائب الأكثر إنصافاً في منظور العدالة الضريبية، إلى معدل يعتبر من أدنى معدلات الضرائب في العالم (بين 14% للشركات المساهمة العامة و27% لشركات الأشخاص، ومع ذلك استمرّ التهرب الضريبي مرتفعاً جداً, بينما زادت الضرائب النوعية الأخرى كضريبة الرواتب والأجور أو الضرائب غير المباشرة أو الرسوم الجمركية التي تتحملها فئات الشعب وتؤدّي إلى ارتفاع الأسعار وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني. وتمثلت حصيلة ذلك في تراجع نسبة الضرائب المباشرة إلى مجموع الضرائب من 69% في العام 2001 إلى 42% في العام 2008، كما تراجعت نسبة الضرائب المباشرة إلى الناتج المحلي الإجمالي بأسعار السوق من 13% في العام 2001 إلى 6.5% في العام 2008، في حين تضاعفت نسبة الضرائب غير المباشرة إلى الناتج أكثر من ضعفين خلال ثماني سنوات (2000-2008) حتى بلغت 8.8% في العام 2008 وهي نسبة مرتفعة جداً. بل حقّقت الضرائب غير المباشرة قفزات كبيرة خلال الفترة المدروسة، فقد نمَتْ في العام 2006 إلى 33.6 % وفي العام 2008 ازدادت إلى  35.3%. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا النمو في صورة ارتفاع في مستوى الأسعار وزيادة في تكاليف الإنتاج وضعف الاستثمار وضعف القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، ويعادل التهرب الضريبي ضعفيْ الضريبة المحصلة(14). ولقد أنتجت هذه السياسة توزيعاً مجحفاً للدخل الوطني على مستوى مبدأيْ العدالة والإنصاف الاجتماعي. وشكّل ذلك أحد أبرز مفاعيل عملية التفقير وازدياد الكدح في المجتمع، وارتفاع نسبة من هم تحت خط الفقر.

يقابل ذلك محاباة القطاع الخاص ضريبياً تحت دعوى تشجيعه على الاستثمار. وجميع المكلفين فيه صغاراً أو كباراً متهربون ضريبياً. وهو ما يفسر تناقص الإيرادات الكلية والإيرادات الضريبية بصورة عامة (عدا العام 2006)، وهي معدلات منسوبة إلى الناتج المحلي الإجمالي بسعر السوق، وتدنّيها بشكل يصل إلى 50% عن مستوياتها في الدول الأوروبية التي تتراوح نسبة الإيرادات الكلية إلى الناتج المحلي الإجمالي ما بين40 و50%  في أوروبا الغربية  و60-65% في الدول الإسكندنافية، كما تقلّ عن الدول المجاورة 30-35% (15). أمّا في سورية فعلى الرغم من أنّ مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي بلغت 64.9% في العام 2008 فإن الضرائب المباشرة التي سدّدها القطاع الخاص للخزانة العامة بالأسعار الجارية في ذلك العام لم تتجاوز 1.7% من الناتج، بينما سدد القطاع العام الذي تراجعت مساهمته في الناتج في العام نفسه إلى 35.3% ما يعادل 4.1% (16).

وهذا ما يفسّر أنّ الخطّة الخمسية العاشرة هدفت إلى بلوغ ميزانية الدولة 34% من الناتج المحلي الإجمالي إلاّ أنها لم تتجاوز 27%  منه نتيجة ضعف الإصلاح الضريبي وتأخر الإصلاح الإداري والمؤسسي، وضعف الشفافية والإفصاح، وفساد الجهاز الضريبي، و جمود إصلاح القطاع العام تقريبا(17). 

إنّ العلاقة بين سوء توزيع الدخل وبين الفقر هي، في منظور العلوم الاجتماعية، سيرورة وعمليات اجتماعية تتخطى الأبعاد الاقتصادية البحتة. فبشيء من توسيع مفهوم الاستقطاب بين دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة على مستوى النظام الدولي، يمكن الادّعاء أنّ البرامج والسياسات والمفاهيم الليبرالية الجديدة التي قادت عملية تعولم النظام الدولي، ودفعت كافة البلدان إلى استبطان هذه البرامج في سياساتها التنموية "الوطنية"، قد أنتجت، في كل دولة، نوعاً من مناطقَ شماليةٍ غنيةٍ متدرجةٍ في شماليتها، ومناطق جنوبيةٍ فقيرةٍ متدرجةٍ في جنوبيتها. وينطبق ذلك على سورية، التي عزّزت تشوّهات مساراتها التنموية هذه الفجوة بين تلك المناطق.

يتمثل جوهر فرضيّتنا في أنّ عملية التعولم ما عادت دولية بل غدت داخلية، بل إن تمازج ما هو داخلي مع ما هو خارجي سابقاً هو جوهر عملية العولمة التي يتحول فيها ما هو خارجي إلى داخلي. وهي في ذلك تعبّر عن دينامية مختلفة عن ديناميات العصر الاستعماري وما بعده في وضوح ثنائية الداخل/الخارج. وفي أيّ مكان تمثل العولمة قوى توحيد بقدر ما تمثل قوى انقسام وتفاوت واستقطاب، وهو ما يعني أنّ الاستقطاب هو من صميم منطقها الجوهري. ويتمثل الشكل الأوضح لذلك في الاستقطاب "الكامن" بين العشوائيات التي تلفّ أطراف المدن السورية في شكل أحزمةٍ طرفيةٍ، وأحياء المخالفات والأحياء الشعبية التي صارت تكتسب سمات العشوائيات، وبين أحياء النخب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الراقية والجديدة في الضواحي القديمة أو الجديدة، بما فيها الشرائح العليا من الفئات الوسطى. ويعتبر هذا الاستقطاب استقطاباً كاملاً على المستويات المورفولوجية العمرانية والثقافية والرمزية- السيميولوجية- الثقافية والاقتصادية والكثافية السكانية والخدماتية والغذائية، ما يعني اقتراب هذا الاستقطاب من تبلور مجتمعيْن في دورة حياةٍ اجتماعيةٍ واحدةٍ في الظاهر، مزدوجةٍ في الواقع، ولا ينتج منها إلا نمط المدن المترهلة والهشّة. ويسود كل مجتمع من هذين المجتمعين تنميط للمجتمع المقابل أو الآخر بشكل تمثل فيه عشوائيات الفقراء والمهمّشين  المستوى القيمي الآخر بالنسبة إلى أحياء الأغنياء والأقوياء. فالأحياء الغنية متخصّصة في العلم والتنوّر والنظافة والفضيلة، بينما الأحياء العشوائية متخصصة في الجهل والظلامية والوساخة و"الفلاحيّة" والدعارة والإجرام. وحين يكون معظم سكّان هذه العشوائيات أو قسم كبير منهم ينتمون إلى أقلياتٍ طائفيةٍ، فإن هذه النظرة تلتصق بتنميطٍ قوالبي معياري وترذيلي. وليس نمط الاقتصاد المزدوج السائد في سورية، وكذلك في مصر، إلاّ تعبيرا اقتصادياًّ عن هذا الاستقطاب، فيتولى النوع الأول تلبية حاجات الفقراء والفئات الدنيا من الفئات الوسطى، بينما يتخصّص الثاني في إنتاج السلع والخدمات للأغنياء، من مسح السيّارات إلى شفط قاذورات العمارات.

ج- مشكلة التشغيل/البطالة في سياق ارتفاع حجم القوة البشرية: تحديات راهنة ومستقبلية

تنشأ مشكلة البطالة نمطياً في أيّ مجتمعٍ من مجتمعات الدول النامية من التوتر بين ازدياد عرض قوّة العمل الناشئة عن الزيادة السكانية وانكماش الطلب الاقتصادي. ولا تختلف سورية في ذلك على المستوى الاقتصادي البحت لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ عمّا واجهته تونس ومصر والأردن والبحرين، وتواجهه معظم البلدان العربية التي دخلت في مرحلة التحوّل الديموغرافي، أو في مرحلة انفتاح النافذة الديموغرافية، وارتفاع حجم السكان في سنّ العمل. ويطلق السكانيون على هذا الارتفاع في حجم السكان في هذه الفئة بالنسبة إلى الفئات السكانية الأخرى "الطفلية" (ما دون 15 سنة) و "المسنّة" (ما فوق 65 سنة) مصطلح "النافذة الديموغرافية". وهذه الزيادة إمّا أن تكون "نعمة" تزيد في معدّلات النموّ الاقتصادي، وتشكّل ما يطلق عليه مصطلح "الهبة الديموغرافية"، أو "نقمة" ترفع حجم البطالة، وتوتّر الآثار الوخيمة الناتجة عن ذلك في ظلّ هشاشة شبكة الضمان الاجتماعي. فـ"النافذة الديموغرافية" إمّا أن تنفتح على بستان أخضر أو على بستانٍ بور صوّحت أزاهيره. وتشير الدراسات القياسية لدول شرقي آسيا في هذا المضمار إلى أن التغيرات السكانية ممثلةً بارتفاع عدد السكان في سن العمل قد ساهمت بـِ 40% من النمو الاقتصادي بين العامين (1970-1990) في هذه الدول، بل يذهب بعض الدراسات إلى القول إن 50 إلى70% من هذا النمو قد تمّ بفضل هذه التغيرات المواتية، وارتفع بنتيجة ذلك نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 6% سنوياً، كما انخفضت نسبة السكان الذين يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم إلى 37% (18).

على الرغم من أن ضعف الاقتصاد السوري محبط لجذب أعدادٍ متزايدةٍ ممّن هم خارج قوّة العمل في "القوة البشرية"، حيث لا يزال حجم قوّة العمل بالنسبة إلى حجم القوة البشرية يعادل النصف تقريبا(19)، فإنّ عرض قوة العمل التي يجب استيعابها لا يزال متدنّياً قياساً على قوتها الاحتياطية المتمثلة في من لا يعمل داخل القوة البشرية، ومعدّل البطالة لا يزال مرتفعاً. ويمكن رؤية ذلك من خلال سوء توزيع الدّخل والفقر في كون حجم السكان ممّن هم في سنّ العمل وخارجه، وحجم العاطلين من قوّة العمل يتركّزون في الأحياء العشوائية أو في مناطق "الجنوب" الاقتصادي والاجتماعي والسكني الوطني بسبب ارتفاع الكثافة السكانية، وارتفاع معدّل الخصوبة الكلية للمرأة، وارتفاع أعباء الإعالة العمرية ثم الاقتصادية. ويثير ذلك مسألة العلاقة بين النمو السكاني والتشغيل والبطالة في سورية، وتحدّياتها الراهنة والمستقبلية في وقتٍ واحٍد.

لقد تراجع معدّل النمو السكاني بشكل متدرج منذ العام 2004، ما أوهم بعض السكانيين أن سورية قد تخطّت مرحلة النمو السكاني السريع (الانفجاري) الذي عرفته في الستينيات والسبعينيات إلى غير رجعة. وكان في هذا الوهم كثير من الرغبات وقليل من الحقائق. فما زالت سورية تحتل المرتبة الثالثة والعشرين في العالم على مستوى ارتفاع هذا المعدّل، وبينها 18 دولة تقع في المنطقة الأدنى نمواً وهي جنوب منطقة الصحراء الأفريقية. وتتّسم مشكلتها السكّانية في ارتفاع معدّل نموّها السكّاني متضافراً مع سوء التوزّع الجغرافي المجالي السكّاني في مورد أرضٍ محدودٍ خلافاً لما يعتقده الكثيرون، وتدنّي الخصائص النوعية. كما يزداد حجم سكّان سورية سنوياً في مرحلة تراجع معدّل النموّ السّكاني بأكثر من حجم زيادته في مرحلة النموّ السّكاني السريع، وهذا ما تفسّره في أيّ حال دينامية "الزخم" السكاني (Momentom) التي تتراجع فيها معدّلات الخصوبة الكلية للمرأة بينما تستمرّ الزيادة السّكانية في الارتفاع(20).

لا يمثّل هذا الارتفاع إلاّ الوجه الأوّل من القصّة، بينما يتمثل وجهها الثاني، وهو الأهمّ في منظور سياسات السكّان والتّنمية، في أنّ الحجم الأكبر للزيادة السّكانية يقع في فئة من هم في سنّ العمل  (15-65 سنة)، أو في فئة "القوّة البشرية" التي تنمو بمعدّل أعلى من معدّل النموّ السكّاني، وصولاً إلى اقترابها في العام 2010 إلى نحو 59%، وتوقّع تراوحها خلال الخمسة عشر عاماً المقبلة بين 63و65% من إجمالي السكان، بمعدّل نموّ يفوق معدّل النموّ السكاني ومعدّل نموّ قوّة العمل في وقتٍ واحدٍ. وسيفرض ذلك على السياسات الاقتصادية-الاجتماعية السورية تحدّياتٍ حقيقيةً ستهزّ المجتمع السوري إنْ لم يتم تذليلها، إن لم تكن قد بدأت بالفعل مؤشرات هذا الاهتزاز في قوس الاحتجاجات الذي يعم سورية منذ منتصف آذار/مارس2011.

د- ماذا حصل للبطالة؟

 

انطلقت السياسة الاقتصادية مرجعيا من تعريف متحيز لحالة العاطل/ المشتغل، يقلص حجم العاطلين عن العمل، ويرفع حجم المشتغلين، بهدف خلق انطباع إيجابي عن حجم "الإنجازات"، لأهدافٍ سياسيةٍ متذرّعةً بالتعريف الدولي للبطالة(21). ويحتاج هذا التعريف، في منظور السياسات التنموية التي تتحدّى وضعية "المطمئن" و"النعامة" في إدارة المواقف من تحديات المستقبل، إلى مراجعةٍ جوهرية للمفهوم الليبرالي الجديد لهذا التعريف. يقوم هذا المفهوم للبطالة على الفارق بين عرْض العمل والطلب عليه، حيث يعتمد عرض العمل على الأجر الحقيقي والكسب من غير العمل والشغل "بما في ذلك البخشيش"، واستعمال وقت الفراغ. وبذلك يتغير مستوى البطالة بتغير في هذه المتغيرات، أو بانتقال منحنى الطلب نتيجة تغير بيئة عمل المنشأة الاقتصادية، كما يعتمد الطلب على الأجر الحقيقي أيضاً. ووفق وجهة النظر الليبرالية الجديدة فإن العلاقة ضعيفة بين سياسات الاقتصاد الكلي ومستوى البطالة، وأن تغيير هذا المستوى يتم عشوائياً حول المعدّل الطبيعي عاكساً الصدمات غير المتوقّعة أو أخطاء التوقع(22).

إنّ إعادة النظر في مفهوم البطالة، أو توسيعه بشكل واقعي خارج التحيّزات "السياسوية" ستعطي بياناتٍ مختلفةً بالضرورة. فوفق المعطيات الرّسمية انخفض معدّل البطالة من 12.3% في العام 2004 إلى 8.1% في العام 2009، ويعزى السّبب الرئيس لهذا الانخفاض إلى ضعف الدخول إلى سوق العمل. فعلى الرغم من دخول نحو 1.6 مليون نسمة من السكان إلى القوة البشرية خلال الفترة الممتدة بين العامين 2004 و2009 إلاّ أنّ نحو ثلثهم فقط دخل إلى سوق العمل، وهو ما يقدّر ب 496 ألف مشتغل تقريبا، أي بزيادةٍ سنويةٍ بلغت 99 ألفاً فقط (23). غير أنّ معدّل البطالة يتجاوز، في تعريف مرنٍ ومطابقٍ لواقع الحال للبطالة بوصفها ديناميةً اجتماعيةً أي سيروراتٍ وعملياتٍ، 8.1% إلى  16.5% في العام 2009 يمثلون على مستوى الحجم السكاني 3,4 ملايين عاطل عن العمل(24).

إن ارتفاع معدّل البطالة إلى أكثر من 16% أمر واقعي تؤيّده البيانات، خلال سنوات (2004-2008) التي تساقطت فيها آثار الأزمة العالمية على سورية في شكل إفلاس مئات المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة، وفي تراجع حجم التحويلات إلى النصف تقريباً، وترافق ذلك مع اشتداد الجفاف. وتمثلت خلاصة البيانات في أن قطاع الزراعة خسر  أكثر من 330  ألف  فرصة عمل خلال فترة (2004-2008)،  بينما خلق قطاع الصناعة التحويلية 95 ألف فرصة عمل، تليه التجارة ثم المال والعقارات إضافة إلى قطاعيْ التعليم والصحة(25). وتذهب دراسات تعتمد بيانات مختلفة عن البيانات الرسمية نسبياً إلى أنّ عدد المنخرطين في القطاع الزراعي (مباشرةً أو بشكلٍ غير مباشر) انخفض من 1.4  مليون شخص إلى نحو 800 ألف بين 2002 و2008؛ أي بنسبة 44%. ولم يطل هذا الانخفاض إقليم الجزيرة فقط (-50% مثلاً في محافظة الحسكة)، بل طال أيضاً محافظة السويداء (-67%) وريف دمشق (-60%) ومحافظتيْ إدلب (-59%) وحلب (-54%) وحتّى اللاذقيّة (-28%). وطال الأمر النساء  ( -68%) أكثر من الرجال (-30%)، مع أن النساء  يشاركنَ في العمل في الأرياف أكثر  منه في المدينة(26).  يعني ذلك أنّ معظم من لم يتم استيعابه في قطاعات العمل المنظمة قد ذهب إلى القطاع غير المنظم، أو إلى البطالة، وفي الحالتين إلى قاع الفقر.

لقد تمكّن الاقتصاد الوطني خلال الفترة (2004-2008) من خلق 90 ألف فرصة عمل صافية وهو عدد قليل جداً ويمثل معدّلاً وسطياً لنموّ المشتغلين مقداره 0.5%، بينما وفق تقديرات نموّ القوة البشرية فإنّ الاقتصاد في حاجة إلى معدّل نموّ يتراوح بين 3 و4% سنوياً في عدد المشتغلين(27) وهذه فجوة كبيرة جداً بين العرض والطلب، وكلّ فجوةٍ تعني في شروط معيّنة تحوّل التوتّر إلى انفجار، ولا سيّما أنّ أنظمة الحماية الاجتماعية ضعيفة في سورية، فهناك 60% من قوّة العمل التي ينتمي إليها قسم كبير من العاطلين عن العمل، خارج أيّ نظامٍ معتمدٍ وطنياً للحماية الاجتماعية(28). ويعني ذلك قذف هؤلاء إلى مصيدة الفقر في حال تعطّلهم عن العمل.

تكاد الخصائص النوعية أن ترتسم كبطالة نسويةٍ (البطالة بين الإناث أكبر بأربع مراتٍ من بطالة الذكور)، وكظاهرة شبابية بالمعنى الواسع لفئة الشباب (15-  35 سنة)، وكظاهرةٍ مناطقية، فتتمفصل جهوياً مع المناطق الفقيرة الأدنى نمواً. إنّ نسبة بطالة الشباب مرتفعة وتحتاج إلى إجراءاتٍ تنمويةٍ أكثر فاعلية للاستفادة من الطاقات الشابّة في تطوير الاقتصاد الوطني, إضافةً إلى أنّ آثار النموّ السّكاني والوضع الاقتصادي ما زالت تؤثّر في عدم كفاية فرص العمل للداخلين الجدد إلى سوق العمل، والذين يقدّرون خلال الأعوام الثلاثة الماضية بنحو250 ألف نسمة سنوية(29).

وعلى مستوى الخصائص النوعية التعليمية، يظهر تحليل البيانات الرسمية  تحسناً في اشتغال حملة الشهادات الابتدائية، الأمر الذي تفسّره المستويات التقنية المنخفضة لمعظم منشآت القطاع الخاص، وتدنّي أجور هذه الفئة.  لكن يقابل ذلك ارتفاع في نسبة البطالة في فئة الشباب الحاصلين على تعليم ثانوي وما فوق، ويندرج في عدادهم نسبة لا يُستَهان بها من حملة شهادات العلوم الإنسانية مثل التجارة والحقوق وبدرجةٍ أقل حملة الشهادات العلمية واطّراد تعطّل هؤلاء في الارتفاع المتفاقم طوال سنوات 2004-2009(30)، وتشكيلهم قوام الحركات الاحتجاجية التي شهدتها المدن السورية مؤخرا(31)، إذ  يشكّل هؤلاء جزءاً من الفئات الوسطى الديناميكية الحديثة الأكثر التقاطاً لنبض التغيرات بشكل يدمج بين الحقوق الاقتصادية-الاجتماعية والسياسية.  وبفضل ثورة الاتصالات، تتميز تلك الحركات الاحتجاجية بارتفاع معدل استخدامها للمواقع التواصلية، ولأشكال بـ"التجمع الالكتروني" أو "الافتراضي" القابل للتحول إلى "تجمع فعلي" أو ملموس.

سياسة الاستثمارات وعلاقاتها بمشكلات البطالة والفقر وسوء توزيع الدخل

أ ـ     تمفصلات الفقر والبطالة وسوء توزيع الدخل كسيرورة في دينامية

 يتمفصل ارتفاع معدل البطالة إلى نحو 16.5% في العام 2009 يمثلون 3,4 ملايين عاطل عن العمل، مع ارتفاع حجم من باتوا فعلياً تحت خط الفقر الأدنى (الأسود) أو على حافته إلى 6,7 ملايين نسمة، يمثلون 34.3% من إجمالي سكان سورية. ويتمفصل هذا الارتفاع أيضاً مع تشوهات التوزيع الاجتماعي للناتج المحلي الإجمالي، ومع ضعف حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وهبوطها إلى ما دون "خط المعدّل الحرج" للنمو الاقتصادي في ديناميةٍ اجتماعيةٍ معقّدةٍ تتبادل عملياتها وسيروراتها التأثير فيما بينها. وفي هذه السيرورة تتداخل حالات الفقر مع مساوئ التوزيع، وحالات البطالة مع الفقر خلافاً لما تنص عليه التعريفات المدرسية الصلبة لكل حالة. ويشكل اشتغال هذه الدينامية أبرز عوامل انخفاض معدل الادخار بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي انخفاض الاستثمارات. وهو معدل مقلق وحرج ومتدنٍّ لا يكفي للاستمرار في تحقيق معدّلات النمو التي تم تحقيقها في العشرية الأخيرة.

ب-  تراجع الاستثمار العام وانقلاب الأدوار

حاولت السياسات التحريرية الاقتصادوية أن تجذب أكبر حجمٍ ممكنٍ من الاستثمارات الخليجية والسورية المغتربة والأجنبية كي تعوّض هذا الضعف في معدّل الادخار، ورفعت وتيرة إعادة هيكلة الاقتصاد السوري، واستعدادها للانسحاب من أيّ مجالٍ يستطيع فيه القطاع الخاص أن يستثمر، ما يجعل منه قاطرة النمو. وبالفعل ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من 59.8% في فترة 2000-2005 إلى 64.9% في فترة 2006-2009 لقاء مساهمة القطاع العام بـ 40.2% خلال فترة 2000-2005 و35.1% خلال فترة 2006-2009، وفي هذه الفترة  بلغت مساهمة القطاع الخاص في تشكيل الناتج 61.8% وسطياً،  بينما بلغت مساهمة القطاع العام 38.2%. وفي العامين (2009-2010) بلغت أكثر من 65%. وهذه هي المرة الأولى التي  تنقلب فيها حصة القطاع الخاص في تشكيل الناتج رأساً على عقبٍ منذ نصف قرن تقريباً، وتحديداً منذ العام 1960 في إطار الجمهورية العربية المتحدة حين زادت حصة القطاع العام في تشكيل الناتج على حصة القطاع الخاص.

خفّضت السياسات التحريرية في هذا السياق الاستثمار العام إلى أدنى درجةٍ ممكنةٍ. وخلال 4 سنوات فقط (2005-2008) انخفض الاستثمار العام من 13% إلى 8% من الناتج المحلي الإجمالي، متراجعةً في ذلك عن معدله المخطط الذي قامت عليه الرؤية السياساتية المؤسسية للخطة الخمسية العاشرة والمحدد بـ 14% من الناتج المحلي الإجمالي. وبالمقابل راوح الاستثمار الخاص مكانه في الفترة نفسها مع انخفاض من 12% إلى 11%، والمعدل العام انخفض من 25 % إلى 20% وهو معدل منخفض جداً وينبئ بكارثة اقتصادية في المستقبل غير البعيد، وهو الأخفض نسبياً في تاريخ معدلات الاستثمار العام في سورية منذ العام 1970.

تتميز مساهمة السياسات في هذا التحول الذي انطوى على أكبر عملية إعادة هيكلة ممكنةٍ في الشروط السورية  بضيق نظرها الاقتصادوي، وعدم بناء سياسةٍ تنمويةٍ سياساتيةٍ تضع في حسبانها أن هذه التدفقات الاستثمارية ستتوجه إلى القطاعات السياحية والعقارية والمالية والخدمية السريعة الربح. فلقد كانت اتجاهات الاستثمارات الخليجية والسورية المغتربة واضحةً من خلال المشاريع التي وافقت الحكومة عليها مسبقاً لتأسيس الشركات القابضة، كما كان القائمون عليها يدركون، بشكل مسبق،  أنها لن تتوجه إلى الزراعة مطلقاً أو إلى الصناعة إلا بشكلٍ محدودٍ. ففي العام 2003 كان ملحوظاً ضعف الاستثمارات الصناعية العربية في سورية والتي بلغت وفق آخر البيانات المتوافرة عن العام 2003 نحو 37.8 مليون دولار بينما وصلت الاستثمارات العربية الصناعية في لبنان إلى 382.5 مليون دولار وفي الإمارات إلى 293.4 مليون دولار(32). وهذا ما يفسر أن مساهمة القطاع الخاص في الصناعة التحويلية قد حققت تقدماً متواضعاً من 3% إلى 8.1%  فقط. وتركزت في الصناعات التحويلية كثيفة رأس المال (بما فيها صناعات التعدين والنفط بحسب المعنى الواسع الذي يعطيه البنك الدولي لمعنى الصناعة) ولا سيما الصناعات الهندسية التي تتميز بحجم عمالتها الصغير، بينما تراجعت الصناعات التحويلية الكثيفة العمالة مثل الصناعات النسيجية والغذائية والكيميائية التي كانت تشكل حصةً كبيرةً في الصادرات السورية.

لقد كانت الصناعة والزراعة في آخر اهتمامات المستثمرين في الوقت الذي لم تضع فيه الحكومة أي سياسة لسدّ هذه الثغرة، بل انسحبت كلياً من أي عملية إصلاح للقطاع العام الصناعي راميةً إياه في مصيدة التآكل والهلاك، على الرغم من وظيفته الاجتماعية في إطار ازدواجية الاقتصاد السوري بين سلعٍ منتجةٍ للفقراء وسلعٍ منتجةٍ للأغنياء، ومن كون الصناعة بترابطاتها الخلفية والأمامية هي التي تشكل أساس التغيير الهيكلي الاقتصادي- الاجتماعي، وامتصاص الهجرة الداخلية الريفية، والتمثل الإنتاجي للتقانة، وتطوير الإنتاجية، وخلق فرص العمل.

ج- السير على ساقٍ واحدةٍ

 كان في إمكان السياسات الاقتصادية لو طبقت مشروع الإصلاح المؤسسي في الخطة الخمسية العاشرة أن تسير على ساقين، ففي الساق الأولى يتم استيعاب المشاريع التي أقدمت الاستثمارات وحلفاؤها المحليون في القطاع الخاص السوري على الاستثمار فيها، بما يضع ذلك في مستوى تطوير الخدمات الإنتاجية، وفي الساق الثانية تحافظ على تدخلها في المناطق والقطاعات التي تحجم فيها الاستثمارات عن الاستثمار فيها. وكان من شأن الجمع بين هاتين الساقين تحقيق نوعٍ من التقدم على مستوى القطاعات الثلاثة: الصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية.

كان ما فعلته هذه السياسات على مستوى تنمية المناطق والأقاليم الأدنى نمواً (والأكثر فقراً حيث الفقر فيها عميق وليس ضحلاً) هو مجرد قيامها بعقد مؤتمرات للاستثمار. لقد قامت بالفعل بمحاولات عديدة لجذب الاستثمارات إلى الأقاليم الأدنى نمواً مثل المنطقة الشرقية (الرقة، دير الزور، الحسكة) والمنطقة الجنوبية (درعا، القنيطرة، السويداء)، لكن هذه المحاولات لم تفض إلى أي خطوات ملموسة، وأحجمت الاستثمارات كما هو متوقع عن الاستثمار في تلك الأقاليم. بل توجهت هذه الاستثمارات إلى المدن التي يعتبر معدل النمو فيها مرتفعاً قياساً على معدلات النمو في المناطق الأخرى مثل حلب ودمشق وريف دمشق والبيئة الشاطئية والمرفئية في طرطوس واللاذقية وغيرها. وغابت الاستثمارات في الزراعة كلياً عن هذه الاستثمارات التي تركزت على القطاعات الخدمية السياحية والعقارية والمالية بدرجةٍ أساسيةٍ. ولم يكن مفارقةً أن تشتد فجوات التنمية بين المدن الداخلية والساحلية وبين المدن الطرفية في الأقاليم، أو الأقاليم الأدنى نمواً،  التي لن تستطيع أن تنمو إلا من خلال دور تدخلي تنموي للدولة فيها. ومما لا ريب فيه أن إخفاق الشركات الزراعية المشتركة التي أنشأتها حكومة الدكتور عبد الرؤوف الكسم في منتصف الثمانينيات في سياق دعم رأس المال المنتج كان ماثلاً لدى هذه الاستثمارات، فقد فقدت سورية مع تصفية المستحدثين الزراعيين الكبار الذين عرفتهم في الأربعينيات والخمسينيات، والذين ارتبطت الثورة الزراعية في الجزيرة السورية بهم وفي مقدمتهم شركة "أصفر ونجار"، آخر جيل مستحدث حقيقي في الزراعة لمصلحة "الرأسمالي العام" الذي مثلته الدولة حتى وقت قريب قبل أن تنسحب منها تقريباً، ولمصلحة شريحةٍ بيروقراطيةٍ وسلطويةٍ ريفيةٍ أو مدينيةٍ وضعت يدها على مساحات واسعة من الأراضي أو اغتصبتها، وتمثلت علاقتها بها بنوع العلاقة الريعية لا أكثر ولا أقل.

ما حدث كان العكس، إذ تراجع استثمار الدولة حتى عن النسبة المخطّط لها، وكان ما نفذ من استثمار عام يعادل النصف ونيف تقريباً ممّا خطط له، بل جرى التحول كلياً عن منهج الخطة الخمسية العاشرة في عدم تقديم الأموال إلا للمشاريع المتكاملة المدروسة من الناحيتين الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة ودراسة الآثار الاجتماعية والبيئية المحتملة، إلى اقتصار متابعة الاستثمار العام على "الإنفاق المالي والإنجاز المادي فقط"(33). فكان تقليص الإنفاق الاستثماري العام يتم في ضوء المرجعية الليبرالية الاقتصادوية بينما يتم إنفاق القسم المخطط منه، أو ما تمّ إنفاقه، منه بطريقة منهج التخطيط المركزي البيروقراطي السابق. لقد انطلق برنامج الإصلاح المؤسسي الذي تم اختزاله في التحرير الاقتصادوي، مرجعياً، من التكامل بين دوريْ القطاع العام والقطاع الخاص، وأن الدولة تواصل استثمارها في القطاعات التي يحجم القطاع الخاص عن الاستثمار فيها، لكنها قلصت حتى الإنفاق الاستثماري المخطط إلى النصف تقريباً. ولم تتّعظ السياسات التحريرية من التجربة المصرية. إذ لم يعن تراجع الاستثمار العام تقدم الاستثمار الخاص في المجالات التي انسحب منها الاستثمار العام بقدر ما تراجع الاستثمار الخاص مع تراجع الاستثمار العام. ونتج عن تراجع الاستثمار العام تراجع الأداء الاقتصادي برمّته.

د- انكماش "حجم الحكومة"

ترافق الرهان على القطاع الخاص عموماً، وعلى نخبته العليا المتمثلة في الشركات القابضة خصوصاً، مع تراجع "حجم الحكومة" (الإنفاق العام الجاري والاستثماري الفعلي بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي). ويعبّر حجم الحكومة "عن حجم دور الدولة في الحياة الاقتصادية- الاجتماعية". كان هذا الحجم مرتفعاً خلال مرحلة النموّ "الكبير" في السبعينيات الذي تجاوز عتبة 10%، بفعل قيادة الدولة لعمليّة النمو، وظلّ حتى أوائل الثمانينيات مرتفعاً 48%، وقريباً من معدّله في فرنسا 49%. لكن مع انكشاف الأزمة الاقتصادية- الاجتماعية البنيوية لعملية التنمية في الثمانينيات ولاسيّما في أواسطها، ودخول الحياة الاقتصادية- الاجتماعية- السياسية السورية في أزمة بنيوية "تامة"، أخذ هذا الحجم يتقلص في مسار السياسات الانكماشية التي ارتفعت وتيرتها في مرحلة التحرير الانتقائي المضبوط (حوكمياً) أو "تسلطياً"، والتي أخذت من توصيات صندوق النقد الدولي الاستقرار النقدي من دون إعادة الهيكلة، ما جعل الفئات الاجتماعية الفقيرة والوسطى تدفع ثمناً "باهظاً" لها، وهبط بالفئات الوسطى بشكل خاص إلى درك "التكديح". ففي هذه المرحلة أخذ حجم الحكومة يتقلّص، واستمر هذا الانكماش حتى في فترة النمو السريع الثاني (1991-1994) بل حتى فترة (1991-1997) لينحدر إلى حدود 26% في العام 1997 التي دشّنت مرحلة ركود جديدة في سورية.

شكّل تراجع "حجم الحكومة" في سنوات (2000-2010) أبرز مظاهر السياسات الاقتصادية الليبرالية لتوصيات صندوق النقد الدولي النمطية التي تتركز على مفهوم "حكومة الحدّ الأدنى" الذي يعني مضمونه تقليص دور الدولة في الحياة الاقتصادية- الاجتماعية. وعكس هذا التحول سياسات صندوق النقد الدولي في التثبيت وإعادة الهيكلة أو التكييف التي تستهدف ذلك التصغير بدعوى خفض العجز في الموازنة، وإفساح المجال أمام القطاع الخاص، ومنع مزاحمة القطاع العام والدولة له. بينما كان عجز الموازنة السورية منخفضاً في السنوات التي شرع فيها في التحول من "الإصلاح" إلى "اللبرلة"، وكان الإطار العام للاقتصاد الكلي السوري سليماً، ويمكّن السياسات من مواصلة إصلاح تنموي شامل.

لقد تراوح حجم الحكومة خلال سنوات الخطة الخمسية العاشرة (2005-2010) حول 26.2 (34) من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 31.3% في سنوات (2000-2005)، مسجّلاً تراجعاً قدره 5.1% عن فترة (2000-2005). وتعبّر هذه السنة عن الاتّجاه الذي ستسلكه السياسات الانكماشية الليبرالية تجاه الإنفاق الجاري والاستثماري الفعلي، ففي حين وصل هذا الحجم في العام 2004 إلى 33.66% فإنه تراجع في العام 2005 إلى 29.155% بمعدّل تراجع قدره 4.5% وبنسبة أقلّ من المخطّط  له(35). واستمرّ في تراجعه طيلة سنوات (2005-2010). وكان نصيب التراجع في الإنفاق الاستثماري العام كبيراً، إذ تراجع من 12.7% في العام 2005 إلى 8.4% في العام 2008 بنسبة الثلث تقريباً (قطاع خاص 11.5% وقطاع عام 8.2%)، ليتراجع الاستثمار الإجمالي في العام 2008 إلى ما دون 20% من الناتج المحلي الإجمالي (ما بعد العام 1995 أخذ الاستثمار الإجمالي ينخفض بالتدريج ووصل إلى ما دون20% من الناتج في العام 2005(36).

خلافاً للمنظورات الليبرالية البسيطة ذات المرجعية الليبرالية الجديدة السائدة في أوساط الليبراليين العالمثالثيين وفي عدادهم الليبراليون السوريون، والتي تصدّرها المؤسسات الدولية للعالم الثالث كـ"وصفاتٍ" "سحريةٍ" للتطبيق. " فإن ارتفاع "حجم الحكومة" لا يتعارض مع اقتصاديات السوق، وتتميز

اقتصاديات السوق العريقة والقوية كلها بارتفاع "حجم الحكومة"(37) وبالتالي لم تكن المشكلة متمثلةً في حجم الحكومة السورية بقدر ما تمثّلت في هشاشة هذا الحجم وضعفه وعيوبه المؤسّسية الكثيرة، وتشوّهات وظيفته. وهذا الأمر تحديداً هو ما يعالجه الإصلاح المؤسّسي التنموي.

تساقطات الأزمة" المالية" العالمية

1- نمو الاقتصاد السوري والأزمة

حقّق الاقتصاد السوري خلال الفترة بين منتصف العام 2008 التي تفاقمت فيها أعراض الأزمة المالية العالمية وبين العام 2009 معدّل نمو مرتفعاً قدره 5.9% قياساً على المتوسط  في الدول النامية واقتصادات السوق الناشئة الأخرى التي انخفض معدّل النموّ فيها من 6.1% إلى 2.4% خلال الفترة نفسها(38). وقياساً على معدّل النمو في الفترة نفسها في الاقتصادات العربية الأخرى، التي تراجع معدل النمو فيها بالأسعار الثابتة خلال عام 2009 إلى نحو 1.8% في العام 2009 مقارنة مع نحو 6.6% في العام 2008(39). غير أنّ معدل التضخم ارتفع في سورية إلى مستوى كبير ووصل في العام 2008 إلى 15.9%، بينما انخفضت معدلاته في العالم والمنطقة جرّاء تقلّص الائتمان العالمي وانخفاض قيم الأصول ومنها الأصول العقارية وتراجع أسعار السلع الأولية، وعلى وجه الخصوص أسعار النفط. كما ساهم الركود في الاقتصاد العالمي في احتواء زيادات الأجور وتقلّص هامش أرباح الشركات. وقد بلغ معدّل التضخّم في الدول المتقدمة 0.8% في العام 2009 مقارنة بـِ 2% في العام 2008، كما انخفض معدّل التضخّم في مجموعة الدول النامية واقتصادات السّوق الناشئة الأخرى من 9.3% إلى 5.7% خلال الفترة نفسها(40).

لقد كان تحقيق هذا المعدّل من النموّ دليلاً على قوّة الإطار الكلّي للاقتصاد السوري وتوازنه، لكن لو تمّت السياسات التحريرية في إطار إصلاحي مؤسّسي لعظم الناتج بنقاط إضافية، وكان ما فعلته السياسات التحريرية هو هدر هذه النقاط فيما يمكن تسميته معدل النمو الكامن أو المحتمل في الشروط نفسها في ما لو اضطلعت السياسات بذلك.

2 - الآثار غير المباشرة للأزمة وموقعها بين الأزمات التاريخية الثلاث

 تعرّض الاقتصاد السوري في تاريخه الحديث إلى  ثلاث أزماتٍ ماليةٍ دوليةٍ، كانت االأولى في العام 1929 في فترة الانتداب الفرنسي، وقد تمفصلت آثارها في تدمير الإنتاج الورشي والحرفي الوطني، النسيجي والجلدي وغيره، ووقوع كبار الملاّكين التقليديين وكبار الملاّك المترسملين في ضائقةٍ شديدةٍ  وصلت إلى درجة الإفلاس، والاختناق بديون المصرف الزراعي الباهظة نتيجة انهيار أسعار المحاصيل في السوق العالمية من جهةٍ، وتداعيات موجة الجفاف القاسي التي استمرّت أربع سنوات. فقد ارتبط الملاّكون التقليديون كما الملاّكون المترسملون بالسوق العالمية من خلال الإنتاج الزراعي البضائعي الموجّه إلى التصدير ولاسيّما القطن، أو من خلال شراء الأسهم في البورصات العالمية. وكانت هذه الآثار مدمّرةً  للاقتصاد السوري بسبب اعتماد سلطات الانتداب الفرنسي سياسة" الباب المفتوح"، وانهيار الليرة السورية بسبب ارتباطها بالفرنك الفرنسي، ولم يكن ممكناً الخروج منها من دون تنويع النشاط الاقتصادي، وإعادة هيكلته على أساس انطلاق الصناعة التحويلية السورية التي مهّدت لبزوغ طبقة جديدة في دمشق وحلب. وستحتل هذه الطبقة الجديدة مساحاتٍ كبيرةً من الحيّز السياسي الحزبي والانتخابي والحكومي الذي كان يحتله كبار الملاك التقليديون والمترسملون.

 أمّا الأزمة الثانية فتمثلت في الأزمة المالية الآسيوية في العام 1997، وكانت آثارها محدودةً في سورية، لكنها كانت مؤثرة من خلال انخفاض سعر برميل النفط الذي كان يموّل القسم الأكبر من عملية النموّ بعد انكفاء القطاع الخاصّ عن مواصلة اندفاعته الاستثمارية ( 1987-1996). وهو ما أدّى إلى انكماش الإنفاق الاستثماري والجاري العام وجمود النشاط الاستثماري العام، بينما تساقطت عليه آثار الأزمة الثالثة التي انكشفت  في آب/ أغسطس 2008  وتفاقمت أعراضها في الثلث الأخير من العام 2008، منتقلةً إلى عمق الاقتصاد الحقيقي، ثم امتدت من الدول المتقدمة إلى الدول النامية ومنها الدول العربية، ليدخل عندها الاقتصاد العالمي في فترة من الركود ما زالت تداعياتها مستمرةً  بشكلٍ غير مباشر وأساسي. ولم تبرز آثار مباشرة لحجم الاستثمارات الأجنبية المتدفقة على سورية للاستثمار، لكن برزت الآثار غير المباشرة من خلال ما يلي:

أ‌- تراجع الصادرات وإفلاس المئات من المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة، أو اضطرارها إلى العمل بشكل جزئي، أو خفض قيمة عقودها مع شركائها التجاريين الرئيسين ولا سيما مع الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي وشمالي أفريقيا، ما أدّى إلى تسريح كثير من العمّال، وارتفاع معدّل البطالة. والواقع أن ما فعلته الأزمة كان تسريع انكشاف أزمة الصناعة السورية التي لم يتم تمكينها قبل اتخاذ الحكومة قرارها الاستراتيجي بالتحرير الكامل للتجارة الداخلية، ومحاولة التكيف مع معايير التجارة الدولية، فوجدت نفسها في أسواق منطقة التجارة الحرة العربية (غافتا) وتركيا أمام منافسة شديدةٍ من فيض البضائع ذات شهادات المنشأ المزوّرة لمنتجاتها للاستفادة من الإعفاءات الجمركية، وغزو السلع الصينية الرخيصة الثمن، وارتفاع تكلفة إنتاجها بسبب ارتفاع سعر موادّها الخام والوسيطة، ورفع الدعم عن المازوت الذي لجأت إليه كثير من الصناعات المرخصة على أساس استخدامه لخفض التكلفة.

ب‌- تدنّي تحويلات المهاجرين إلى دول مجلس التعاون الخليجي التي تقدَّر بما بين مليار و 1.4 مليار دولار سنوياً إلى النصف تقريباً، بسبب انعكاس الأزمة على دخولهم وأعمالهم في تلك الدول، وفقدان البعض منهم وظائفه، أو اضطراره إلى العودة إلى سورية، أو إنفاق قسمٍ كبيرٍ من مدخراته، لأن آثار الأزمة العالمية كانت الأشد وطأةً على دول مجلس التعاون الخليجي بسبب اندماجها في الاقتصاد العالمي، وبالتالي انكشافها الاقتصادي الخارجي. وأثر ذلك في حجم طلب المهاجرين في دول مجلس التعاون الخليجي على البضائع السورية لأنها أكبر مستقبلٍ للهجرة السورية، كما أثر سلباً في حجم الطلب الداخلي(41).

3- إدارة آثار الأزمة: الدراما التحريرية

أ -  التمكين والتحرير: من هدر التصنيع إلى محاولة إصلاحه

في الوقت الذي لا تتحمل فيه السياسات التحريرية مسؤولية الأثر الثاني للأزمة العالمية المتمثل في تراجع التحويلات إلى ما يقدّر بالنصف، فإنها تتحمل مسؤوليةً مباشرةً عن الأثر الأول المتمثل في انهيار مئات المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة كلياً أو جزئياً. فمن المعروف أن السياسات التحريرية سرّعت تحرير التجارة الخارجية بأعلى ممّا تتطلّبه التزامات الانضمام إلى المنظومة الأورو- متوسطية أو حتى منظّمة التجارة العالمية في إطار منظورها للنموّ عبر التجارة.

إنّ تحرير التجارة يحفّز النموّ شرط ربط ذلك بقضيّة التنمية البشرية.  فليس تحرير التجارة،  كما معدّلات النموّ، هدفاً في حدّ ذاته، بل الهدف هو تحقيق مكاسب للتنمية. وكما يحدث في العالم حيث الاندماج في الأسواق العالمية يخلق فرصاً لكنه يخلق مخاطر، فإنّ هذه العملية تخلق على المستوى الوطني "المتعولم" خاسرين مهمّشين كما تخلق رابحين، وتفرض تكلفة عالية على التكيّف، ويمكن هذه التكلفة أن تدار بصورة  تؤثّر سلباً في التنمية البشرية. لقد غدت حرية التجارة هي التي تحكم النظر إلى التنمية. ولم تكن الذريعة الليبرالية السورية في النظر "الليبرالي" "البسيط إلى التنمية عبر عدسة "تحرير التجارة" بأكثر قوّة من الذريعة التقليدية التي تدّعي أنّ الحماية مفيدة للنموّ، بقدر ما كانت محاكاةً بسيطةً لبعض سمات ما يمكن وصفه بـ"المكْسكة"، حين قادت المكسيك عملية تحرير التّجارة في العالم(42).

  لقد سبقت عملية التمكين عملية التحرير في كافّة تجارب الاقتصادات الغنية إبان تطوّرها الصناعي، أو بلدان العالم الثالث التي نجحت في الاندماج، وحتى في نمط الدول الليبرالية التّسلطية "الآسيوية"، فإنّ تايوان وكوريا الجنوبية والصين والهند وفيتنام لم تحرّر التجارة إلاّ بالتدريج بعد عملية التمكين التي تمّت من خلال الإصلاحات التي قامت بها. فعلى العكس من الاعتقاد الرائج يرتدّ النجاح في الاندماج العالمي، ليس إلى الاعتماد الليبرالي الاقتصادوي المفرط على آليات السوق بوساطة سلطاتٍ قويةٍ، بل إلى تفعيل سياساتٍ صناعيٍة وتجاريةٍ واجتماعيةٍ داعمةٍ للتنمية ولتدخل الدولة في مشاريع تعمل على تحقيق تغييراتٍ بنيويةٍ ذات شأن في اقتصادها. والحقيقة أنّ تنميتها لم تتحقق بسبب ترويض السوق بل وبفضل توجيه الدولة للأسواق وسيطرتها على تحركاتها(43).

 كان المسيطر على تفكير قيادات السياسة التحريرية هو أنه في الإمكان تمثّل الشروط العالمية للاندماج بشراكة أو من دون شراكةٍ وإنتاجها وطنياً بحيث يمكن بناء اقتصاد عصري له حرية واسعة في قراراته حتى لو لم يستفد من برامج الشراكة. لقد كان التوجه هو تحرير التجارة الخارجية، وكأن هذه الشراكات المؤسسية قائمة. وقد قذف هذا التحرير الصناعة السورية في لجّة" الحرج" بما يشبه "الصدمة"، واضعاً إياها في سؤال التآكل والانهيار إن لم تتمكّن من إعادة بناء قدراتها والتحوّل الجذري من نمطها الإحلالي" المتوجه إلى الداخل" إلى النمط التصديري والتنافسي" المتوجه إلى الخارج"، أو في سؤال النهوض.

إن هذه السياسة التحريرية تنطوي على جانبٍ إيجابي يتمثل في "إحراج التنمية"، وهو الاسم الطيّب لـ     "الصدمة"، إذ تفرض عملية رمي الصناعة السورية في" النهر" أن تتعلم" السباحة" وتجيدها بوصفها فناً، وأن تتحوّل إلى "ملاحٍ"، أو تتعرض للهلاك والغرق. لكن الخلل الجوهري في هذه السياسات هو أن سياسات التحرير، أي سياسات القذف في "النهر" كانت شديدة التباطؤ في عملية تمكين الصناعة السورية لمواجهة التجديف الصعب في موجات النهر الجارف، والمليء بالمنحدرات. بينما لو وضعت هذه السياسات التحريرية في إطار مؤسسي تنموي لكان عليها أسوة بالتجارب "الناجحة" في الاندماج أن تربط ربطاً كاملاً بين عمليتي التحرير والتمكين كي يكون الاندماج صفقة "رابحة" وليس صفعة مؤلمة. إن هذه "الصفعة" لم تمسّ المنشآت الصغيرة الضعيفة تقنياً، والتي شهدت ما يمكن تسميته بالبطالة الهيكلية الناتجة عن عدم التكيف مع السوق ومتطلبات المنافسة،  بل مسّت المنشآت المتوسطة وبعض المنشآت الكبيرة جزئياً.

في مرحلةٍ متأخرةٍ، وبعد أن أخذت الاقتصادات العالمية بما في ذلك اقتصادات القلاع الليبرالية الجديدة  تعود إلى إنعاش الدور التدخلي للدولة بما يشبه كينزيةٍ جديدة في بعض المجالات، تدخلت الحكومة بشكل طفيف في التجارتين الخارجية والداخلية، واتخذت في شباط/ فبراير 2009 حزمة قراراتٍ إصلاحيةٍ للقطاع العام الصناعي تعتبر امتداداً لتلك الأفكار التي طرحت في العامين 2002-2003، لكن بعد  ست سنواتٍ" مهدورة"  كانت كافية لتفاقم مشكلاته غير المحلولة(44). هكذا كانت سنوات الإصلاح "المهدورة" في سورية ثمناً دائماً لسياسات عقليتي "الخوف" من التحرير أو المجازفة" به الاقتصادويتين غير المؤسستين.

ب-  أزمة الزراعة

 تعود أزمة الزراعة السورية إلى ما قبل انكشاف الأزمة المالية العالمية وانتقالها إلى الاقتصاد الحقيقي بسنواتٍ عديدةٍ على الأقل، ولكن السياسات التحريرية قامت بتأزيمها في شروط الأزمة العالمية. وتعني هذه الفرضية أنّ الصقيع أو الجفاف بحسب موسمية المحاصيل ليس العامل المهم الوحيد في أزمة الزراعة، بل إن الأزمة هي بنيوية. وترتد هذه الأزمة إلى دخول المجتمع الزراعي السوري في مرحلة تطوره التاريخية الكبرى الثالثة.

كانت المرحلة الأولى (من خمسينيات القرن التاسع عشر إلى العام 1958) قد اتسمت بهيمنة الملكية الكبيرة لكبار الملاّكين المدينيين "الغائبين" عن هذا القطاع، ودخول الأرض في الأربعينيات والخمسينيات في مرحلة رسملة الزراعة ومكْننتها في إطار الثورة الزراعية التي قادها عددٌ من كبار المستحدثين كان من أبرزهم "أصفر ونجار"(45).  

أمّا المرحلة الثانية (من العام 1958 الذي طبق فيه الإصلاح الزراعي إلى العام 1973 الذي توقفت فيه عملية توزيع الأراضي على الفلاحين)، التي تمّت لدواعٍ اجتماعيةٍ لا لدواعٍ إنتاجيةٍ، فقد تميزت بسيادة الملكية الصغيرة والمتوسطة للأرض. ومثلما ترتبط أزمة كل مرحلةٍ بالمخرج من أزمة المرحلة التي سبقتها، فلقد ارتبطت أزمة المرحلة الثالثة بتذرّر الملكيات الصغيرة والمتوسطة، بسبب الإرث، والصراع العائلي بين أفراد العائلات الفلاحية التي تتسم نساؤها بخصوبتهن المرتفعة، وعدم الجدوى الاقتصادية لهذه الملكية المتذرّرة في ظل ارتفاع معدل النمو العائلي الحائز هذه الأرض.

 وترافقت هذه الأزمة مع ارتفاع آثار التلوث بما فيها التصحر وتملح الأرض وهجرانها، والزحف العمراني والاقتصادي على الأراضي الزراعية، وارتفاع قيمة الأرض المرتبطة بذلك النشاط، وتموضع العشوائيات في الأراضي الزراعية الأكثر خصباً، وتحوّل الموارد المائية من مرحلة الوفرة إلى مرحلة الندرة، وارتفاع وتيرة تمدين الريف السوري، وتحوّل الزراعة في الأراضي الصغيرة والمتناهية في الصغر إلى نمط حياة أكثر ممّا هو نمط إنتاج له عائدية تغطّي تكلفة الحياة الأساسية. وتمثّلت المشكلة في أنّ الأراضي المتذرّرة وهي أراضي الإصلاح الزراعي كانت من أخصب أنواع الأراضي في سورية، وأكثرها عائديّةً، بينما حلّت الدولة كـ "رأسمالي عام"(46) مكان طبقة المستحدثين الزراعيّين الرائدة التي ضربها الإصلاح الزراعي في تحديد خطّة الإنتاج والتّسويق قبل تحريرها في سياق عمليّة التحرير الثّالث في سورية.

  كان تقدّم القطاعات الأخرى على المستوى القطاعي أحد أبرز عوامل تراجع الزراعة، ففي بداية العام 2002 كانت الزراعة تتقاسم المرتبة الأولى مع الصناعة والتعدين في ترتيب القطاعات المولّدة للدّخل القومي، وفي نهاية 2009 تراجعت الزراعة إلى المرتبة الثالثة بعد الصناعة والتعدين وتجارة الجملة والمفرق، لكن بالأسعار الجارية ظلت قيمتها مرتفعة.

ولكن الصحيح أنّ  تراجع معدل نموّ القطاع الزراعي من 10.7% في العام 2006 إلى 13.5% ثم    -6.8% في العامين 2007- 2008 على التوالي جاء بشكلٍ أساسي بسبب "لعنة" الجفاف الذي أصاب سورية(47)، وتسبب ذلك في تفاقم الهجرة. كانت الهجرة الداخلية إلى المدن بدافع ديناميكيات التمدين وقانونياتها أبرز عوامل تراجع عدد العاملين في الزراعة، طيلة فترة (2003-2009) بشكلٍ سالبٍ، فقد خسر قطاع الزراعة في هذه الفترة أكثر من 330 ألف فرصة عمل خلال الفترة نفسها(48). وتراجعت قوّة العمل الزراعية بشكل تدريجي ومستمرّ من 20% في العام 2005 إلى 16% في العام 2009 في كافة المحافظات(49)

تأزيم أزمة الزراعة: العمى التحريري الاقتصادوي ومأساة الحسكة

 

تختلف" أزمة" الزراعة العائدة إلى عوامل موضوعية مناخية أو بشرية، مثل تنوّع القطاعات الاقتصادية وتقدّمها، وارتفاع وتيرة التمدين و غيرها، عن سياسة "تأزيم الأزمة"، في أنّ هذه السّياسة الأخيرة منظّمة وصادرة عن إرادة سياساتية مسبقة، وبالتالي كان يمكن تجنّبها أو تخفيف جرعتها فيما لو أخذ في الاعتبار الرؤية التي تسأل: من أنا؟  ماذا يمكن أن يحدث؟ ماذا أملك؟ ماذا يمكن أن أفعل؟ كيف أفعل؟ وهي الرّؤية المعروفة في منهجيات الاستشراف الاستراتيجي في معرفة ماذا يمكن أن يكون عليه المستقبل، والقائمة برمّتها على الفرق بين ( preactive) وموقف (Proactive)؟(50)

تعرّضت الزراعة السورية، بعد أن مرّت بها محنة الصقيع، إلى أسوأ موجة جفاف مرّت بها منذ خمسة عقود على الأقل. واستمرّت هذه الموجة طيلة فترة ( 2006-2009)، وبلغت ذروتها في العامين (2007-2008)، أي في العامين اللذيْن انكشفت فيهما الأزمة المالية العالمية. فقد كان المعدّل المطري ما بين تشرين الأول/أكتوبر 2007 وأيار/مايو 2008 أقلّ من المعدّل العام بكثير، وتراوح بين 25% و 85% من المعدل التراكمي. واستوردت سورية القمح في العام 2008 لأوّل مرّة بعد النقص الذي تسبّبت فيه السنة الثانية من الجفاف. وقدّرت منظّمة الأغذية والزراعة FAO انخفاض محصول القمح والشعير في سنتي 2007 و 2008 بحدود 47% و67% على التوالي مقارنةً بالسنة السابقة(51). وكانت سورية مع مصر من أبرز الدول استهلاكاً للقمح، وكانت طيلة العقود الأربعة المنصرمة مستوردةً صافيةً للغذاء بمعناه الأوسع من القمح(52). وفي أواسط الثمانينيات اشتدّت وطأة القحط على الأمن الغذائي السوري إلى درجة لم يكفِ احتياطي القمح أكثر من طحنتين، وشارفت سورية على الدخول في مجاعةٍ حقيقيةٍ، ولم يكن ممكناً تفادي النقص الهائل في ثروتها الحيوانية نتيجة جفاف المراعي وتصدير الأغنام في وقتٍ واحدٍ لولا لحوم الأضاحي واللحوم المستوردة التي كسرت ارتفاع السعر والندرة(53).  لقد كانت سورية في القرن العشرين بلاداً زراعيةً بدرجةٍ أساسيةٍ، ولكن مواسم الجفاف وضعتها  في معظم مراحل تاريخها الحديث في موقع الأزمة الاقتصادية عمومًا، والأزمة الغذائية خصوصاً، وكانت وما زالت وستبقى معرّضةً لمخاطر القدرة على توفير غذائها(54) وكانت الحياة الاقتصادية- الاجتماعية السورية معتمدةً بشكل كلي على إنتاجها الزراعي والحيواني.

 الواضح أنّ الجفاف كان عاملاً رئيساً في انخفاض الناتج المحلّي الإجمالي بمقدار 3.24%، وترتبط 1.5% منها بانخفاض القيمة المضافة في الزراعة، بينما تساهم الصناعات الأخرى التي تعاني الآثار السلبية غير المباشرة في -1.74% الباقية. ومن المنتظر أن يكون للجفاف شأنٌ سلبي في سوق العمل السورية، إذ قد يتسبّب في زيادة البطالة نحو 39.5% حيث انخفض الطلب على العمل في جميع القطاعات المأزومة خاصّةً في القطاع الصناعي -6.6% والخاص -6% والخدمات الحكومية         -4.6% ويؤدّي انخفاض المنتجات الزراعية المتاحة، بعد الانخفاض في مكوّناتها النباتية 8.3% ومكوّناتها الحيوانية 6.6%،  إلى رفع أسعارها المحلّية. فقد ارتفعت الأسعار المحلية للسلع الزراعية والمنتوجات الحيوانية إلى 7.8% و8% على التوالي في سنتيْ 2007 و 2008. وفي النتيجة الرقم القياسي الإجمالي لأسعار المستهلك نحو 0.9%. ويؤثر هذا بطبيعة الحال في القوّة الشرائية لمجموع الأسر السورية، حيث ينخفض استهلاكها الحقيقي 4.3% في المتوسط. وقد ينخفض الطلب على الاستثمار أيضاً نحو 8.4%. ومن شأن هبوط الطلب الإجمالي أن يؤثّر في السلع المحلية والمستوردة أيضاً، وفي الحقيقة سينخفض حجم المستوردات نحو 4.6% (55).

 يتمثّل السؤال هنا في ما يلي: هل كانت السياسات التحريرية على درايةٍ بتاريخ سورية المناخي- الاقتصادي هذا، وبتجاوب الأجيال السابقة في تجاوز الأزمة؟ وهل فكّرت في وضع الزراعة حين فكّرت في تحرير أسعار المشتقات النفطية ولا سيّما مادّة المازوت ؟ وهل كان في إمكانها بلوغ مآربها من دون سحب هذا الدعم الأساسي للزراعة؟ إنّ الإجابة ستكون حكماً سلبية. فالسياسات التحريرية المسكونة بهاجس التجارة والخدمات، والتي تنظر شزراً إلى الصناعة والزراعة تاركةً إياهما وفق "جدول الأعمال كالمعتاد" لم تكن على درايةٍ حقيقيةٍ بذلك، بقدر ما سيطر على تفكيرها الحلّ الليبرالي الجديد "المكتبي" لعجز الموازنة، والوصول إلى "موازنة الموازنة"، فكان تفكيرها مالياً محاسبياً جبائياً بحتاً. ولكن هل كانت الموازنة في عجزٍ كبيرٍ يستحقّ هذه المجازفة، وهي إلحاق الدمار بالزراعة في شروط الأزمة العالمية؟

تمثّل المفتاح في هذه" المجازفة" في التخلص من الدعم العام الذي يشكل دعم المحروقات وحواملها نسبةً  تصل إلى ما يقارب 9.3% من أصل 11،% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية(56). أخضع موضوع رفع الدعم إلى نقاش معمّق في مؤسّسات النظام السياسي، وحصل كلّ فريق على دعم سياسي لطرح وجهة نظره، لكن تقرّر رفع الدعم في النهاية، ثمّ التراجع عنه جزئياً إزاء "الكارثة". وحصل هنا "تأزيم الأزمة". وكان ذلك كله جراء الرؤية التحريرية الاقتصادوية المحاسبية لتوازن الموازنة وليس رؤية الزراعة ورؤية القطاعات الأخرى التي تعتمد عليها في نشاطها ونموّها وفي مساهمتها في الناتج المحليّ الإجماليّ.

  لقد كانت عملية تحرير أسعار المشتقات النفطية من دون تمكينٍ مسبقٍ لها عبارةً عن امتثال "بسيط" لتوصيات بعثة صندوق النقد الدولي، مع أنّ هذه التوصيات ليست ملزمةً للحكومة السورية التي لم توقّع أيّ اتفاقية مع الصندوق. لكنها عملت وكأنها وقّعت مثل هذه الاتفاقية.  وقد تجاهلت السياسات الليبرالية السورية، وهي تفكر في رفع الدعم عن المشتقات النفطية، أنّ الدّعم المباشر الذي تقدّمه الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي لقطاعاتها الزراعية يفوق، على الرغم من نشوء منظمة التجارة العالمية، ما كان يقدّمه الاتحاد السوفياتي لدعم زراعته. وغاية الدعم المباشر إبقاء الأسعار المحلّية أقلّ من مستويات الأسعار العالمية وتساوي قيمة ثلث الإنتاج الزراعي، بل يصل الدعم في اليابان إلى 56% من قيمته(57). بل إنّ خطّة إعادة هيكلة دعم القطاع الزراعي وترشيده في استراتيجيات الاتحاد الأوروبي (2003-2013) تقوم على زيادة الدعم وفق معايير معيّنة ترتبط بتطوير هذا القطاع وليس تقليصه، وبدعم زراعته بالسّعر المتحرّك للسوق، ويضمن منافستها الدائمة، بينما لا يتجاوز دعم الزراعة السورية في مختلف أشكاله أكثر من 10%  تقريباً من قيمة الناتج الزراعي، كما لا تتجاوز حصّة القطاع الاستثمارية في ميزانية وزارة الزراعة 4-5% كحدّ أقصى، وفي المجمل لا تتجاوز قيمة دعم الزراعة في مطالع فترة التحوّل من الإصلاح إلى التحرير 50-55 مليار ليرة سورية سنوياً، ويشكل دعم المازوت في العام 2005 قبل تحرير سعره القسط الأعظم من هذا الدعم حيث يعادل 35 مليار ليرة سورية بين سعر الشراء وسعر المبيع الداخلي المدعوم على افتراض أنّ المازوت المخصّص للزراعة مستورد(58)، وقد تآكل هذا الدّعم وتراجع إلى أدنى مستوى. ولم يكن في عجز الموازنة المعتدل والمقبول في سورية يومئذ، والذي لا يزال حتى العام 2010 محدوداً ما يستوجب سياسة "الصدمة" التي وقعت على رأس القطاع الزراعي من دون أيّ تمكين مؤسّسي وفنّي مسبق، بل جاءت محاولة التمكين بعد أن تمّ إنزال ضربة "التحرير" بطريقة "الصدمة" التحريرية. لكن رفع الدعم عن المشتقات النفطية، وبشكل خاصّ مادة المازوت شكّل في الوقت نفسه خاتمة عملية ٍتحريريةٍ تدريجيةٍ لكنها متسارعة للقطاع الزراعي من أواخر مرحلة دعم الدولة القويّ له، قلّصت فيه الدولة مجالات "الرأسمالي العام" للزراعة. فلقد استمرّت سياسات تحرير القطاع الزراعي وتعزيز رسملته منذ النصف الثاني من الثمانينيات من القرن الماضي وحتى العام 2005، وتمّ في هذه المرحلة رفع الدّعم تدريجاً عن مستلزمات الإنتاج وصولاً إلى إلغائها بشكلٍ كاملٍ على كافة المستلزمات باستثناء دعم المحروقات (المازوت)، مع العودة إلى التدخّل والدعم في حالات استثنائية، وتخلّي الدولة تدريجاً عن وظيفة "الرأسمالي العام" في القطاع الزراعي من خلال السير في اتجاهات التخلّي عن سياسة التوريد الإجباري للمنتوجات الزراعية وحتى الرئيسة منها، عدا المحاصيل التي تعود ملكية المعامل المصنعة لها إلى الدولة (قطن، شوندر، تبغ)، وقصر تدخّل الحكومة في مساحة المحاصيل الزراعية الرّئيسة حيث يترك للمنتجين اختيار المحاصيل الثانوية، أمّا المساحات التي تكون حيازتها أقلّ من 0.5 هكتار فلا تتدخّل الحكومة في تحديد نوع المحاصيل فيها حتّى الاستراتيجية منها. علاوة على اعتماد التخطيط التأشيري ووضع المؤشّرات من القاعدة إلى القمّة بدلاً من الطريقة السابقة التي تمثّلت في وضع الخطّة مركزياً من القمّة إلى القاعدة، حيث لحظت سياسة التخطيط تعديلاً آخرَ في عام 2004 من خلال الانتقال في التخطيط من مستوى المحصول إلى مستوى المجموعة النباتية بحيث يتمكّن المنتج من زراعة المحصول الملائم له. وعلى سبيل المثال تتضمّن الخطة بقوليات ويمكن للمنتج الاختيار بين مجموعة من المحاصيل البقولية (عدس، حمص، فول، بازلاء وغيرها).

 في هذا الإطار تمّ السماح للقطاع الخاصّ بتصدير المنتوجات الزراعية عدا المحصور تسويقها بالدولة إضافةً إلى محصول القمح، واعتبار الأسعار المحدّدة تأشيرية بالنسبة إلى السلع غير المحصور تسويقها بمؤسّسات الدولة،  وأنّ الأسعار المحدّدة هي ملزمة للراغبين في البيع لهذه المؤسّسات. وإعفاء كافة المنتوجات الزراعية من ضريبة الإنتاج الزراعي عند التصدير منذ العام 2001، وتعزيز ذلك بتعديل التعرفة الجمركية على المستوردات بحيث تضمّنت أقلّ التعريفات بالنسبة إلى مستلزمات الإنتاج وأعلى تعريفات على المنتوجات الزراعية والسّلع الكمالية. وبالتالي لم  تكن الإجراءات التحريرية كلّها سلبية، لكن عماها تجلّى، لأسبابٍ محاسبية، في رؤية النموّ عبر التجارة والخدمات في رفع الدعم.

لم يكن العجز البسيط للموازنة يستدعي عملية تحرير أسعار المشتقات النفطية، فقد كان يمكن الحصول على معظم حصيلة رفع الدعم عن هذه المشتقات، و التي قدّرتها بعثة صندوق النقد الدولي، من خلال منع التهريب من دون الامتثال لتوصيات تلك البعثة. لقد لجأت الحكومة إلى الحلّ الليبرالي السّاذج وهو رفع الدعم وليس إلى الحلّ المؤسّسي الذي يربط بين خفضٍ تدريجي للدعم وبين وقف التهريب، أو وقف التهريب الذي كان من شأنه أن يوفّر 3.1% من إيرادات الموازنة و1.2% من الناتج المحلي الإجمالي(59). وقد أدّى ذلك إلى  تسريع انخفاض معدّل نموّ القطاع الزراعي بشكل سالب،  وألحق ذلك كوارثَ حقيقيةً بالقطاع الزراعي، ورفع تكلفة الإنتاج الزراعي بشكلٍ برزت فيه ظاهرة هجران زراعة الأرض التي تتخطّى نتائجها البعيدة المدى في حال استفحالها حدود تقدير الاقتصادويّين التحريريين السوريين، ذلك أنّ هجران الأرض في سورية يعيدها إلى التصحّر باعتبارها مساحات تمّ استصلاحها واستثمارها بالاقتطاع من البادية، بينما هي تتحوّل في أوروبا حين هجرانها إلى غابات بسبب المناخ المطير. وبالتالي شكّل هجران الزّراعة عنصراً معزّزاً لعملية التصحّر التي تواجه الأراضي السورية بمخاطرَ جديةّ حقيقية.

حدثت في هذا السياق الصعب الذي تتضافر فيه آثار الأزمة العالمية مع القحط ورفع الدعم عن المشتقات النفطية مأساة سكّان ريف محافظة الحسكة. كانت نواة هذه المدينة قد تأسّست في عشرينيات

القرن العشرين لأسباب سياسية - عسكرية، وفكّرت سلطات الانتداب الفرنسي في تحويلها إلى "كانتون" مستقلّ ذاتياً عن الداخل السوري على أساس استغلال تدفّقات الهجرتين الكردية والأرمنية والسريانية إليها من تركيا في المرحلة الأولى للكمالية في العشرينيات، وهي المرحلة التي حملت خصائص سمات التهجير العرقي في التاريخ الحديث للدولة التركية الحديثة.

 توزَّع سكّان محافظة الحسكة  في لحظة دراما الهجرة على نحو 141 ألف أسرة يقطنون في 2000 قرية. وتعرّضت المحافظة في سنوات (2006-2009) إلى القحط الذي أثّر سلباً في محاصيلها الصيفية أو الشتوية. وقد هاجرت 35 ألف أسرة  و210 - 215 ألف نسمة بتأثير ذلك إلى محافظات أخرى أو إلى الخارج للعمل. وتركّزت الهجرة إلى محافظات دمشق وريفها ودرعا والسويداء واللاذقية وطرطوس، وتجمّعت على شكل "مخيّمات" متلاصقة في أطراف هذه المحافظات، بينما اندمج قسم منها في النسيج الخدمي للمدن (مطاعم، عتالة، معامل، ورش، أسواق الهال... إلخ). وتراوحت نسبة الهجرة في القرى المنكوبة بين 50-75% (60).  وشكّلت هذه الهجرة التي تحمل بعض سمات" الهجرة البيئية" (ناتجة من الجفاف) الفصل الأكثر إيلاماً في تاريخ هذه المحافظة التي أهملتها من الناحية التنموية الحكومات كلها منذ الانتداب الفرنسي حتى الآن.

منهج الإطفائي

انطلق الإصلاح المؤسسي في مجال النموّ وتقليل الفقر من الجمع بين هدفيْ النموّ وعدالة التوزيع، بينما قام الاختزال الليبرالي الاقتصادوي لهذا الإصلاح على التركيز على النموّ في المقام الأول، ثم معالجة خلل التوزيع والفقر الناتج من ذلك بإجراءات تعويضيّة لاحقة. وفي إطار هذا المنهج، وبدلاً من أن تعوّض تدفّق الاستثمارات ضعف الادّخار المحلّي الإجمالي والمتراجع في وقتٍ واحدٍ، وتوجّهه إلى المجالات التنمويّة المستدامة، فقد وجّهته إلى القطاعات السياحية والعقارية، وأهملت الزراعة إهمالاً كلياً.

بعد سحب الدّعم الأكبر عن المحروقات وانكشاف الكارثة في الزراعة والاقتصاد الوطني والبشر المهاجرين، اضطرّت الحكومة السورية إلى مواجهة هذه التحدّيات. وواجهتها بعقلية الإطفائي الذي يصل بعد أن يشتعل الحريق. وأسّست بعض صناديق الدعم التي عوّضت جزئياً آثار هذه السياسات المجازفة. وقد استفاد الفلاّحون الكبار والمتوسّطون من الدعم جراء توسّع حيازاتهم أكثر ممّا استفاد منها الفلاح الصغير الذي كانت السياسات الزراعية تعمل ضدّه تاريخياً. ولم تتجاوز حدود هذا الدعم حتى أوائل العام 2011 نحو 9 مليارات ليرة سورية لبعض المحاصيل مثل البطاطا والبندورة بحسب وحدة المساحة والترخيص، والحمضيات (14 ألف ليرة للهكتار)، والتفّاح (10 آلاف ليرة  للهكتار)، والزيتون (5 آلاف  ليرة للهكتار). وقد حصل الفلاحون المتوسطون والكبار على الحصّة الأكبر من هذا الصندوق، بينما لم يحصل الفلاّحون الصغار إلاّ على نزرٍ يسير منه بسبب صغر مساحات ملكياتهم(61). لقد كان ذلك جزءاً من منهج الإطفائي الذي يطفئ الحريق وليس جزءاً من منهج المستبق المؤسّسي الذي يستعجل التحولات، ولكنه يمكّن نفسه قبل أيّ شيءٍ آخر لملاقاتها.

خلاصة تركيبية

كانت محصلة النموّ الاقتصادي على المستوى الإجمالي للعشرية الأخيرة إيجابيةً في منظور الشروط والسياقات والتجارب المقارنة، وبوصفها حقبة توتّر وضغوط جيو-بوليتكية على سورية والإقليم، وحقبة صقيع وجفاف في وقتٍ واحدٍ. وقد تساقطت آثار هذا النموّ بشكل أساسي في أيدي الطبقات والفئات والشّرائح الاقتصادية- الاجتماعية القوية، ولا سيّما رجال الأعمال ورجال الأعمال الجدد بشكل خاصّ الذين جرت عملية إعادة تشكيلهم في سياق إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني على أساس اقتصاد متوجّه إلى الخارج وقابل للتعولم حيث يعتبر قطاع الخدمات الإنتاجية قاطرته الأساسية.

 ويمكن القول في ضوء مقاربة أدبيات التنمية الأكثر حداثةً عن الناتج المحلي الإجمالي المحقق والناتج المحلي الإجمالي المحتمل(62)، والتي تحتلّ أهمية منهجية في دراسات الاستشراف الاستراتيجي، إنّ في الإمكان أن تكون معدّلات النموّ المحقّقة أعلى من ذلك لو تفادت الدولة المجازفات التحريرية، وربطت التمكين بالتحرير، ورفعت عنصر المعامل المؤسّسي. فلقد بيّنت التجارب المقارنة  أنّ من خلال كفاءة الإدارة والتنظيم التي يمكن قياس أثرها في النموّ بـ "معامل إعادة التنظيم"، والتي تعتبر أحد عناصر الإصلاح المؤسّسي الرئيسة، يمكن اكتساب نقطة مئوية أو نقطتين تضافان إلى معدّل النموّ السّنوي للناتج المحلّي الإجمالي بفضل النجاح في تحسين أساليب الإدارة والتنظيم من دون القيام باستثمارات مادية ملموسة على نطاق واسع(63).  

 لقد نجحت السياسات التحريرية الاقتصادوية في ضوء هذا النموذج في حماية  توازن الإطار الكلّي للاقتصاد السوري وسط عشرية الضّغوط الجيو-بوليتيكية والجفاف،  لكنها أنقصت معدّل النموّ المحتمل بما لا يقلّ عن ثلاث نقاط. وبذلك كان يمكن لمعدّل النموّ أن يتراوح بين 7و 8%. ويصدر هذا "الهدر" أو "الفاقد" عن طبيعة هذه السّياسات المحكومة بإطار تنموي تسلّطي  يفضّل التحرير على الإصلاح المؤسّسي، ويحمي الاحتكار وفق "المنافسة الاحتكارية" التي تمسك بها القوى "الضاربة" في الجهاز البيروقراطي السياسي - لا القوى المتنافسة ضمن "المجال المستوي"  للعب "فلسفة الملعب المبسوط". وكان العائق  في ذلك، عن عمْدٍ أو غير عمدٍ، تحوّل الإصلاح المؤسّسي إلى إصلاح ديموقراطي، تنبثق وشائجه من التنمية والديموقراطية بدلاً من التنمية والتسلطية.

حافظت السياسات التحريرية التسلطية على الإطار الكلّي المستقرّ للاقتصاد السوري على حساب نموذج النموّ المناصر للفقراء الذي تبنّته الرؤية المؤسّسية للخطّة الخمسية العاشرة، والتركيز على قطاع الخدمات على حساب القطاعات الإنتاجية،  وأنتجت مزيداً من البطالة، وتعميق الفجوات في الدّخل، ورفعت معدّل الفقر، واختلّت عملية التنمية لمصلحة إنعاش المراكز وتهميش الأطراف، وتعزيز نموّ المدن المليونية وشبه المليونية بينما ظلّت المدن المئة ألفيّة مهمّشة، وتسودها حالات الفقر المادّي والبشري. وتمثّل الإخفاق التّنموي الأخطر منذ الاستقلال حتّى الآن في العجز عن ردم الهوّة التنموية بين المدن المليونية والمدن المئة ألفية، بين المركز والأطراف خلق فجوات التّنمية المناطقية في سورية.

  حصدت المدن المليونية "ثمار" النموّ بينما حصدت المدن المئة ألفية لفألفوالصغيرة "أشواكه". ويولّد مثل هذا الوضع بطبيعته ديناميات الاستقطاب الاجتماعي- السياسي. لكن إجمالي المرحلة برمّتها ولّد أمراً جديداً في المجتمع السوري، هو نويات عملية التغيير والتحوّل من التسلّطية إلى الديموقراطية، وبالتالي تعريف التنمية على أساس مفهوم التنمية البشرية وليس على أساس الإقصاء. وفي هذا السّياق كان الإصلاح المؤسّسي يمثّل دينامية واقعية ومحتملةً للتحوّل الديموقراطي، لكن هذه المحاولة هدرت وضاعت بشكلٍ ما عاد فيه ممكناً النّظرُ إلى المنهج الإصلاحي المؤسّسي إلاّ بمفاهيمَ ديموقراطية خالصة.

----------------------------- 

  • (1) ربيع نصر، "الحالة التنموية في سورية خلال الفترة 2004-2009: تقييم أوليدمشق: مشروع دعم الخطة الخمسية العاشرة، 2010، ص7. استناداً إلى بيانات المكتب المركزي للإحصاء، المجموعات الإحصائية (2004 حتى 2009) وتقدير المكتب المركزي للإحصاء للعام 2009.
  • (2) جودت عبد الخالق،  مصدر سابق، ص7.
  • (3) ربيع نصر، "الحالة التنموية في سورية خلال الفترة 2004-2009"، ص7، ومحمد جمال باروت (مؤلف رئيس)، "التقرير الوطني الثاني للسكان: النافذة الديموغرافية والتنمية"، دمشق: الهيئة السورية لشؤون الأسرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان، 2011 (غير منشور)، ص91.
  • (4) العيسوي، ص170.
  • (5) معدل الادخار التقليدي هو المعدل الذي تعارف عليه الاقتصاديون زمناً طويلاً وعلى الرجوع إليه عند مناقشة مصادر تمويل الاستثمار، وقد أدخلت مؤشرات البنك الدولي للتنمية الدولية للعام 2005 مفهوم معدل الادخار الصافي أو الأصيل، أو معدل الادخار الصافي المعدل كما سمي في الإصدارات الأخيرة. ويقوم على إضافة الإنفاق على التعليم إلى الادخار القومي الصافي، وتحديد المقابل لاستنفاد الطاقة والموارد المعدنية والغابات وقيمة الضرر الناتج عن تلوث الهواء (العيسوي، ص248-249). انظر أيضاً البنك الدولي:
    Katharine Bolt, Mampite Matete, and Michael Clemens "Manual for Calculating Adjusted Net Savings"  World Bank, (PDF 2002).
  • (6) انظر: محمود عبد الفضيل، "العرب والتجربة الآسيوية: الدروس المستفادة"، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000، ص19 و ص 115.
  • (7) فضل الله غرز الدين وآخرون، ص93 و96. تم في الآونة الأخيرة قيام نخبة من الاقتصاديين السوريين الذين يشتغلون في وضع السياسات بإدماج مؤشر الادخار الصافي في حسابات الادخار، مع بعض النواقص المتعلقة ببيانات قيمة التلوث التي جرى احتسابها بالتقدير. وتقديرات تكلفة التلوث في سورية متفاوتة، وتتراوح بين 3% و6%، مما يصعب الاعتماد عليه، بينما التقدير الدولي هو1-1.5% من الناتج المحلي الإجمالي. وهؤلاء الاقتصاديون هم فضل الله غرز الدين ونبيل مرزوق ورفعت حجازي. وقد شكلوا حلقة أساسية في فريق البحث الذي أداره الباحث حول السكان والتنمية في سورية.
  • (8) أغلق التقرير الوطني الثاني عن الفقر وعدالة التوزيع صفحاته على بيانات ما قبل العام 2008 أي قبل رصد نتائج الأزمة المالية الدولية، وتفاقم آثار ارتفاع سعر الغذاء، وتطور آثار الجفاف. وقد قام الباحث بتحديث الأرقام واستنتج، في ضوء فرضية المتابعة بأسلوب الملاحظة والمعايشة وفق النمط البحثي الأنثروبولوجي، أن ارتفاع معدل التضخم بشكل كبير جداً يفوق 15% في العام 2008، وآثار الأزمة الدولية والجفاف وتراجع الصادرات وإفلاس كثير من الورشات والمنشآت الصغيرة... إلخ؛  قد دفعت ذلك كله، من هم تحت خط الفقر الأعلى في الحضيض. انظر: هبة الليثي وخالد أبو إسماعيل، "الفقر وعدالة التوزيع في سوريةدمشق: هيئة تخطيط الدولة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، شباط /فبراير2010، ص17.
  • (9) تشمل مؤشرات دليل الفقر البشري النمطية  ما يلي: نسبة السكان الذين لا يستخدمون مصادر مياه مأمونة، ونسبة الأطفال دون الخامسة الذين يعانون نقص الوزن، ومؤشر الحرمان من المعيشة اللائقة، ونسبة السكان الذين لا يتوقع أن يعيشوا حتى الأربعين، ونسبة الأمية بين البالغين.
  • (10) تم تحديد القيم الكمية  وتعميق ترابطاتها استناداً إلى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، "النمو الاقتصادي الشامل لمحاربة الفقر وزيادة التشغيل"، ورقة عمل، دمشق، 2010، انظر: سمير العيطة،"استراتيجيات الاستثمار في قطاع الاتصالات والمعلومات في سورية في ظل الأزمة العالمية"، وزارة الاتصالات والتقانة في الجمهورية العربية السورية، دمشق: أيار/مايو 2009، ص 20. والاستهلاك الخاص هوالإنفاق الخاص للقطاع العائلي الأفراد) والمؤسسات الخاصة التي لا تبغي الربح) على سلع الاستهلاك الجاري مثل المشتريات من جميع أنواع السلع باستثناء الأراضي والمباني والخدمات مطروحاً صافي المبيعات من السلع المستعملة، زائداً صافي قيمة الهدايا العينية التي يتحصل عليها الأفراد من بقية أنحاء العالم.
  • (11) انظر في شأن معدلات التضخم في المنطقة والدول النامية خلال سنوات 2000-2004 (IFS) IMF, Washington D.C. October 2005 IMF, International Financial Statistics. والتقرير الاقتصادي العربي الموحد للعام 2006، حيث يحدد وسطي معدل التضخم في المنطقة بـ 6.5%. لكن بعثة دائرة الشرق الأوسط وصندوق النقد الدولي إلى الجمهورية العربية السورية، في إطار مشاورات المادة الرابعة مع صندوق النقد الدولي للعام 2006 نقحت نسبة التضخم ورفعته إلى 7.2% في العام 2005 مقارنةً بـ 4.5% في العام 2004، ولاحظت ترافق ارتفاع معدل النمو الاقتصادي مع ارتفاع التضخم. انظر: البيان الختامي للبعثة، دمشق، أيار/مايو 2006، ص7.
  • (12) جاسم المناعي، "تأثير ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاديات العربية: الإيجابيات والإشكاليات والإصلاحات المطلوبة"، الكويت: صندوق النقد العربي، أيار/مايو 2006، ص6.
  • (13) تقرير خبراء صندوق النقد الدولي في إطار مشاورات المادة الرابعة، المرفق الثاني: الإصلاحات منذ آخر مشاورات في إطار المادة الرابعة، ص54.
  • (14) حسين القاضي، "السياسة الضريبية في سورية"، (محاضرة)، دمشق: جمعية العلوم الاقتصادية، 1/ 3/ 2011، ص17-21.
  • (15) المصدر السابق، ص17.
  • (16) بيانات وزارة المالية للعام 2010.
  • (17)  ربيع نصر، "الحالة التنموية في سورية خلال الفترة 2004 - 2009"، مصدر سبق ذكره، ص16.
  • (18) اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، تقرير "السكان والتنمية: النافذة الديموغرافية فرصة للتنمية في البلدان العربية"، العدد الثاني، نيويورك: منشورات الأمم المتحدة، 2005، ص1-2 و35-36.
  • (19) شهدت الفترة السابقة معدّلات نمو لفاقد قوة العمل أكبر من معدلات نمو قوة العمل نفسها. إذ نما مجموع القوة البشرية خارج قوة العمل بمعدّل نمو سنوي بلغ نحو 4.2% خلال الفترة الممتدة بين العامين 2004 و2009، بينما نمت قوة العمل بمعدّل نمو سنوي بلغ 2%. انظر: باروت وآخرون، التقرير الوطني الثاني للسكان، ص150، استناداً إلى المجموعة الإحصائية لعام 2005، الجدول 4-2، والمجموعة الإحصائية لعام 2009 الجدول11-2. المكتب المركزي للإحصاء، دمشق. ومع ذلك علينا أن نتعامل مع هذه المسألة بحذر، فالدراسات الوطنية لم تستطع حتى الآن أن تحلّ هذه المشكلة دراسياً، كما أن قناعتها ضعيفة بحدود ما تسمح به البيانات المتاحة في أن الهجرة الخارجية هي التي تفسّر الفجوة.
  • (20) ناصر جاسم المانع ومحمد عدنان وديع، "التعليم وسوق العمل في الأقطار العربية"، الكويت: 2003، ص44.
  • (21) تتبنى السياسات السورية تعريف "حالة البطالة" بـ"حالة الشغل"، فالمشتغل هو الذي يعمل بنشاط اقتصادي خلال فترة المسح (على الأقل ساعة واحدة في اليوم)، وطبيعي أن هذا التعريف يميل إلى تضخيم عدد المشتغلين وتقليص عدد المتعطلين.
  • (22) المانع ووديع، مصدر سبق ذكره، ص113-114.
  • (23) التعداد العام للسكان والمساكن للعام 2004 دمشق: المكتب المركزي للإحصاء، 2005، ومسح سوق العمل للعام 2009، دمشق: المكتب المركزي للإحصاء، 2009.
  • (24) لقد تمّ خلال هذه الفترة إحداث 659944 فرصة عملٍ، أي بمتوسط سنوي قدره 130 ألف فرصة عمل، في الوقت الذي فقد فيه القطاع الزراعي نحو 169.5 ألف فرصة عمل خلال السنوات 2005-2009. ولو افترضنا أن قوة العمل نمت بمعدّل نمو القوة البشرية، أي مع الاحتفاظ بالنسب نفسها للعام 2004 من مساهمة المرأة في قوة العمل والنشاط الاقتصادي، والحفاظ على المعدلات نفسها للالتحاق بالتعليم ما بعد الأساسي (على الرغم من تراجعها في مرحلة التعليم الثانوي كما شاهدنا سابقاً)، والمحافظة على النسب الأخرى المتعلقة بفاقد قوة العمل، لكان حجم قوة العمل للعام 2009 مساوياً لـ 5984845  عاملاً، وعندها يكون معدل البطالة 16.5% في العام 2009 (باروت وآخرون، التقرير الوطني الثاني للسكان، ص151). قامت مجموعة نبيل مرزوق وفضل الله غرز الدين ورفعت حجازي بإنتاج المعدل الأكثر واقعيةً لحجم البطالة بالنسبة إلى الرقم الرسمي. وتم ذلك استناداً إلى التعداد العام للسكان والمساكن للعام 2004 ( دمشق: المكتب المركزي للإحصاء، 2005) ومسح سوق العمل للعام 2009 (دمشق: المكتب المركزي للإحصاء، 2009).
  • (25) ربيع نصر، الحالة التنموية، ص15.
  • (26) سمير العيطة، "العمل والبطالة في سورية"، دمشق: جمعية العلوم الاقتصادية،12/4/2010، ص 4-5. والعيطة، "الأزمة الاجتماعية والتخطيط الإقليمي في المنطقة الشرقية" دير الزور:  ندوة تنمية المنطقة الشرقية، 12/1/2010، ص3-4.
  • (27) ربيع  نصر، "الحالة التنموية في سورية خلال سنوات 2004-"2009، ص15.
  • (28) التقرير الوطني الثاني للسكان، ص135.
  • (29) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، "النمو الاقتصادي الشامل لمحاربة الفقر وزيادة التشغيل"، دمشق: ورقة عمل داخلية، 2010، ص7.
  • (30) التقرير الوطني الثاني للسكان، استناداً إلى بيانات المكتب المركزي للإحصاء (2009)، و "مسح سوق العمل"، الجدول رقم 4، ص127.
  • (31) تبين نتائج مسح سوق قوة العمل للعام 2009 تراجع معدلات بطالة فئة العمال الحاصلين على تعليم ابتدائي فما دون إلى 45.5% بعد أن كانت 68.5% من إجمالي العاطلين عن العمل في العام 2004، في الوقت الذي ازدادت نسبة الحاصلين على تعليم ثانوي بين العاطلين عن العمل من 11.4% في العام 2004 إلى 19.8% في العام 2009، وازدادت بطالة الحاصلين على تعليم معهد متوسط من 4.9% في العام 2004 إلى 12.5% في العام 2009، وازدادت بطالة الحاصلين على تعليم جامعي خلال التاريخين المذكورين، من 2.6% إلى 6.7%. انظر: المكتب المركزي للإحصاء (2009)، و "مسح سوق العمل"، الجدول رقم 4.
  • (32) "مسح المسارات الاقتصادية الكلية،" ص283 استناداً إلى ورقة خلفية لوزير الصناعة السابق محمد غسان طيارة.
  • (33)  ربيع نصر، "الحالة التنموية في سورية خلال الفترة 2004-2009"، ص5. كان الباحث شاهداً على كيفية تخصيص الإنفاق الاستثماري مع مديري التخطيط في الوزارات، وقد رد في هذا السياق مشاريع عدة لوزارتي الخارجية والداخلية بسبب هشاشة دراسة الجدوى.
  • (34) هذا المعدل مبني على الجدول رقم (5) في تقرير خبراء صندوق النقد الدولي في إطار مشاورات المادة الرابعة للعام 2009. دمشق: شباط/فبراير 2009، ص22. وتشمل أرقامه للعام 2008 بيانات أولية، كما تشمل في العامين 2009 و2010 توقعات البعثة. ولا تغير الأرقام النهائية حين يتم تثبيتها حقيقة الاتجاه الذي تعبر عنه، وهو تراجع حجم الحكومة بفعل السياسات الليبرالية التي تستجيب لتوصيات صندوق النقد الدولي النمطية في الوصول إلى" حكومة الحدّ الأدنى"، ص255.
  • (35) "مسح المسارات الاقتصادية الكلية"، ص253-256.
  • (36) جداول مديرية الحسابات القومية في المكتب المركزي للإحصاء، 2009.
  • (37) كان "حجم الحكومة" السورية طيلة سنوات (2000-2005) أعلى من "حجم الحكومة" المصرية التي طبقت برنامج التثبيت النقدي منذ العام 1991، والبالغ 6.7% من الناتج، فإن هذا الحجم في الدول العربية المتلبرلة أو السائرة في طريق التلبرل هو أقل من نظيره في الدول الليبرالية: في بلجيكا وهولندا 43.2% من الناتج المحلي الإجمالي، واليونان 45.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وفرنسا 48.1% من الناتج المحلي الإجمالي، وإسرائيل 51% من الناتج المحلي الإجمالي. انظر: العيسوي، ص358.
  • (38) راجع: نظرة عامة إلى اقتصادات الدول العربية خلال عام 2009، التقرير الاقتصادي العربي الموحد، 2010، ص i.
  • (39) المصدر السابق، ص iii.
  • (40) المصدر السابق، ص i.
  • (41) قارن مع فؤاد اللحام، "آثار الأزمة الاقتصادية العالمية على الصناعة السورية"، دمشق: إصدار خاص، 2010 ص20.
  • (42) تقرير التنمية البشرية للعام 2005، "التعاون الدولي على مفترق طرق: المعونة والتجارة والأمن في عالمٍ غير متساوٍ"، نيويورك: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2005، ص119-121.
  • (43) العيسوي، ص652. انظر: عصام الزعيم، "اقتصاد السوق الاجتماعي خيار سورية الاستراتيجي: الأبعاد التاريخية والاقتصادية والسياسية"، دمشق: المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، 2005، ص47-49.
  • (44) في شباط/فبراير 2009  اتخذ مجلس الوزراء مجموعة من القرارات المهمة المتعلقة بالقطاع العام الصناعي.  من أهم قرارات هذه الحزمة : نقل العمالة الفائضة مع الشاغر إلى الجهات العامة الأخرى، و إلغاء احتساب الاهتلاكات عن الأصول المستهلكة دفترياً، و إيقاف العمل في الشركات والخطوط الإنتاجية المتوقفة كلياً أو جزئياً والتي ما زال عمّالها يتقاضون أجورهم، وتوسيع السلطات الإدارية واللامركزية والتعاقدية لمجالس إدارة الشركات الإنتاجية العامة، وبحث سبل احتفاظ الشركات بفوائضها كوحدات مالية، وإصدار قانون بحل التشابكات المالية التي تعتبر أعقد مشكلات إصلاح القطاع العام، وبيع منتجاته بالأسعار التي يقررها، وشمول بعض مشاريع القطاع العام بقانون الاستثمار رقم (8)، و إعطاء صلاحية لمجالس الإدارة بإجراء عقود إدارة واتفاقيات تسويق مع شركات خاصة لإدارة  كل أو جزء من الشركات... إلخ ( اللحام، ص27-28).
  • (45) عائلة نجار عائلة سريانية (أرثوذكسيةً) هاجرت من ماردين،  واندمجت في الطينة السورية، فوقف عميدها يعقوب النجار ضد الحركات الانفصالية في الجزيرة. وارتبطت عملية  تطوير الثورة الزراعية في الجزيرة السورية بها، حيث استصلحت الشركة الأراضي، ومكننت الزراعة، وبنت نظاماً تعاونياً متطوراً، وأنشأت نظام القرى النموذجية،  وقامت بثورة حضرية  من خلال تحويل البدو إلى فلاحين، وتميزت بشكل مبكر جداً بمراعاة قواعد الإنصاف الاجتماعي في العلاقة مع الفلاحين. إسكندر داود، "الجزيرة السورية بين الماضي والحاضر"، دمشق: مطبعة الترقي، 1959، ص322.
  • (46) هذا المصطلح ثمرة لحوارات معمقة في مشروع (سورية 2025) وتمت بلورته تحت تأثير أفكار الدكتور فائز الفواز أحد الباحثين في المشروع.
  • (47) مع انحسار موجة الجفاف ارتفع معدل نمو القطاع الزراعي إلى 12.8%، ليقترب معدل النمو خلال سنوات 2006-2009 من 18% مقابل 3.47% في فترة 2000-2005 (المجموعة الإحصائية السورية للعام 2011)، غير أن قيمة هذا القطاع  زادت. ولا تغير زيادة القيمة المرتبطة بالسوق حقيقة التراجع، بل تؤكد زراعية بلدٍ مثل سورية.
  • (48) نصر، الحالة التنموية، ص15.
  • (49) مشروع بيانات المجموعة الإحصائية الزراعية للعام 2011 بالاستناد إلى بيانات المكتب المركزي للإحصاء (2009).                    
  • (50)  انفرد مشروع سورية 2025 الذي موّله برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وشارك فيه360 باحثاً وصاحب رأي واختصاص من شتى الاتجاهات العلمية والاجتماعية والسياسية عن سائر مشاريع الاستشراف التي تمت في البلدان العربية والإقليم باعتماد مقاربة منهجية الاستشراف الاستراتيجي التي تضبط عملية الاستشراف بالتفاعل مابين الحرية العلمية في رؤية المشاهد المحتملة وبين الاستراتيجيات الأساسية الممكنة لمواجهة تحديات تلك المشاهد. وللاطلاع على هذه المنهجية المرتبطة باتجاه ميشيل غوديه يمكن العودة إلى مرجع متاح بالعربية هو: ميشال غوديه وقيس الهمامي، "الاستشراف الاستراتيجي: المشاكل والمناهج"، كراس ليسبور، العدد20، باريس، 2005.
  • (51)"آثار الأزمة الاقتصادية العالمية على الاقتصاد السوري: عدالة التوزيع والفقر"،  دمشق: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة تخطيط الدولة 2009، تقرير غير منشور، ص22.
  • (52) حيدر غيبة، "الزراعة والصناعة وعلاقتهما بالتجارة الخارجية"، دمشق: جمعية العلوم الاقتصادية، دمشق،  أيار 1990، ص3.
  • (53) غيبة، ص68.  وتقرير خاص لعطية الهندي إلى مشروع ( سورية 2025)، "غير منشور".
  • (54) ارتفع مخزون سورية من القمح في العام 1990 بتأثير تلك الأولوية من مليونين و100 ألف طن إلى 4.5 ملايين طن في العام 1995، لكن ذلك تم على حساب الموارد وبشكل أساسي على حساب المياه الجوفية. تقرير "التحولات السكانية والمجالية،"  ج2، في مشروع (سورية 2025) استناداً على ورقة خلفية لعطية الهندي،  ص151.
  • (55) آثار الأزمة الاقتصادية العالمية على الاقتصاد السوري، عدالة التوزيع والفقر، مصدر سبق ذكره،  ص22.
  • (56) تتحمل المالية العامة عبء العجز الناتج عن الدعم أكان هذا العجز تموينيا (صندوق تثبيت الأسعار) أم دعماً للمشتقات النفطية وحوامل الطاقة على العموم. فقد بلغ الدعم التمويني 1.3% من مجموع الناتج المحلي للعامين 2006 و2007، يضاف إلى ذلك عجز صندوق تثبيت الأسعار الذي وصل إلى 0.3%، بينما وصل دعم مادتي المازوت والفيول إلى 12.6% منها 5.9% يعود إلى المستوردات من المادتين. وعلى الرغم من الإجراء الذي اتخذ في 1/5/2008، والذي ظل أثره محدوداً، أكان من ناحية الهدف الأساسي أي جعل توزيع الدعم أكثر عدالة، وبالتالي المساهمة في الحد من تفاوت توزيع الدخل،  أم الأهداف الأخرى ومنها تخفيف العبء عن موازنة الدولة، إذ أن البيانات تدل على أن متوسط دعم سعر لتر المازوت المباع منذ بداية العام 2008 وحتى 30/6/2008 لم يتجاوز 9.5 ليرات سورية. وفي العام 2009 وصل دعم المواد البترولية (المازوت والفيول والغاز والإسفلت) بالإضافة إلى الكهرباء إلى ما يقارب 9.3% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية، وبالتالي فإن مجموع الدعم المقدم يبلغ نحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2009  (بيانات وزارة المالية، الموازنة العامة للدولة، بيانات الشركة العامة لتوزيع المحروقات وحسابات هيئة تخطيط الدولة للعام 2010)
  • (57) تقرير التنمية البشرية للعام 2005،  نيويورك:  برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2005، ص132-133.
  • (58) "مسح المسارات الاقتصادية الكلية"،  مصدر سبق ذكره، ص 222.
  • (59)  قام فريق مشروع ( سورية 2025) بالتحقق من ذلك عبر الحصول على البيانات الداخلية لمؤسسة "محروقاتومراجعة المكتب المركزي للإحصاء، والبحث معه في طريقة إنتاج رقمه، والمقارنة الميدانية مع أشكال تهريب المازوت وشبكاته، وأسعاره في البلدان المجاورة.. وتمت مناقشة بند صادرات القطاع الخاص من الوقود مع نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، الذي أكد أن كلمة "الصادرات" هي الاسم الرسمي للتهريب من دون ذكر ذلك بسبب الحرج. وفي ضوء عملية بحث شاقة تمّ إنتاج الرقم أعلاه. انظر:" مسح المسارات الاقتصادية الكلية"، مصدر سبق ذكره،  ص292-295.
  • (60) دراسة خاصة بوزارة الزراعة عن أثر القحط واتجاهات الهجرة ( غير منشورة).
  • (61) أحدثت الحكومة صناديق الدعم المالي المباشر للمتضررين، مثل" صندوق المعونة الاجتماعية" للعائلات الأكثر فقراً، و"صندوق دعم الإنتاج الزراعي"، وهو خاص بدعم مزارعي القمح المروي والقطن والشمندر السكري، وهي المحاصيل التي لا تزال الدولة تضطلع بوظيفة "الرأسمالي العام" الذي يدعم المحاصيل الأخرى في ضوء تضررها بحسب ما يطرحه الاتحاد العام للفلاحين. في العام 2010 قدم الدعم إلى القطن وسددت دفعات  في هذا السياق، لكن لم يقدم الدعم إلى القمح، أما صندوق دعم الصادرات فلم يفعّل.
  • (62) عن تمييز أدبيات التنمية بين الناتج المحلي المحقق والناتج المحلي المحتمل، انظر، قسطنطين زمان، "مراجعة الاقتصاد السوري"، نشرة الاتجاهات الاقتصادية في سورية، العدد الأول،  تشرين الأول/ أكتوبر 2006، دمشق: 2006، غير منشور، ص 106-109.
  • (63)  محمود عبد الفضيل، العرب والتجربة الآسيوية: الدروس المستفادة،  مصدر سبق ذكره، ص115