تقدير موقف: اليمن ما بعد علي عبد الله صالح

تقدير موقف: اليمن ما بعد علي عبد الله صالح

يصاب المتابع للمشهد السياسي في اليمن بنوع من التوجّس هذه الأيام، خاصّةً حينما يقارن الوضع الحالي بطابع "الثورة الشبابية" في اليمن ووعودها. فمع انفراط هيبة الدولة يتواصل التصعيد في مدينة زنجبار التي أحكم مسلّحون من تنظيم القاعدة السيطرة عليها قبل أكثر من أسبوع، أمّا مدينة تعز فقد خضعت لسيطرة عناصرَ محسوبة على الثورة بعد أيام من المواجهات بينهم وبين عناصر من الحرس الجمهوري. كما تعرّض الرئيس اليمني علي عبد الله صالح إلى محاولة اغتيال، وتبيّن أنّ إصابته أشدّ خطورةً ممّا أعلن في البداية؛ إذ أنه تعرّض لحروق بالإضافة إلى نزيف في الدماغ وإصابة الجزء الأعلى من جسمه بجروح بليغة؛ لكن نجله "أحمد" ما زال يقيم في القصر الرئاسي، كما شارك في الاجتماع الأمني الذي عقده نائب الرئيس لكبار قادة الأجهزة الأمنيّة بصفته قائداً للحرس الجمهوري، رغم غيابه شبْه التام عن المشهد الإعلامي منذ اندلاع الاحتجاجات.
 
وتزامنت هذه الأحداث مع تأكيد واشنطن دعوتها إلى انتقال سلمي ومنظّم للسلطة، معتبرةً أنّ القيام بذلك على الفور سيخدم مصلحة الشعب اليمني. كما قام سفير الولايات المتحدة في صنعاء "جيرالد فايرستاين" والدبلوماسيون الأوروبيون بجولة على عددٍ من السياسيّين والعسكريّين اليمنيين خلال الأيام الماضية، ومن بينهم نائب الرئيس وكذا قائد الفرقة الأولى مدرع "علي محسن الأحمر".
 
أمّا في الميدان، فقد شهدت صنعاء مسيرةً حاشدة للشباب توقّفت عند منزل القائم بأعمال الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، جدّد فيها المتظاهرون دعوتهم لتشكيل مجلس انتقالي لإدارة شؤون البلاد. وحملوا  لافتاتٍ تقول إنّ "الثورة يمنية لا خليجية ولا أميركية".
 
وإذا ما عدنا بالمشهد إلى الوراء قليلاً، فإنّنا نجد أنه بعد ما لحق التركيبة السياسية في كل من تونس ومصر من تغيير جذري مع الإطاحة بكل من بن علي ومبارك، كان شباب اليمن أوّل من حاول اللحاق بركب التغيير واستثمار الزخم الثوري في المنطقة لإحداث تغيير مماثل يأتي ببديل لصالح وابنه (وريثه المحتمل).
 
صحيح أنّ بداية الحركة الاحتجاجية شهدت عدداً من التنازلات السياسية من قبل النظام الحاكم، والتي لم ترْق في مجملها لمطالب المتظاهرين، إلاّ أنّ هذا الموقف سرعان ما تحوّل إلى عنادٍ وممانعة وقمع للمتظاهرين، كاشفاً عن بنية للنظام السياسي تختلف في شكلها وطبيعتها عمّا كانت عليه الحال في تونس ومصر. ولم يعد عسيرًا على الملاحظ الوقوف على حقيقة أنّ من يحكم في اليمن إنّما هي جماعة أو جماعات زبائنية ذات أذرع في مجالات الحياة السياسية، خاصةً في أجهزة الأمن والحزب، وفي اقتصاد الفساد. وهو اقتصاد يقوم على المساعدات الخارجية وشركات الدولة وعطاءاتها، وعلى تجارة السّلاح أيضا. وبالتالي يغيب مشهد دولة المؤسّسات في التعاطي السياسي مع الحالة اليمنية، وتحلّ محلّها المراوغة والمساومة التي تميّز الجماعات الأهلية، ويجري استخدام الدستور والقانون -بشكل انتقائي- كأداة  في خدمة المجموعة الحاكمة، لا كأساسٍ لسلوك نظام يدير دولة.
 
كانت المبادرة الخليجية واحدة من المحاولات الجادّة لإيجاد مخرج لانسداد أفق الثورة في اليمن. وقد أعلنت المعارضة موافقتها عليها. وكان يفترض بموجبها أن يسلِّم صالح السلطة إلى نائبه خلال ثلاثين يوماً، يليها تنظيم انتخابات رئاسيّة خلال شهرين من تاريخ تنحّيه، ويتم تشكيل حكومة وحدة وطنية تحت رئاسة أحد زعماء المعارضة، تدير البلاد حتى تسلّم الرئيس الجديد مقاليد السلطة. كما اشتملت المبادرة على منْح صالح ومساعديه حصانة من الملاحقات القضائية والجنائية. وقد أفسد الرئيس صالح المبادرة بعنادٍ ومراوغة ملفتيْن بكلّ المقاييس. والنتيجة تأزّم شديد في الموقف تلته محاولة مجهولة المصدر لاغتيال الرئيس اليمني - يعالج إصاباته على إثرها في المملكة العربية السعودية - وتولّي نائبه سدّة الحكم وفقاً لأحكام الدستور.
 
وقد كشف هذا التطور بحدّ ذاته عن صراع داخل أروقة الجماعة الحاكمة يبحث في إطاره الجهاز الأمني الموالي للرئيس وأقاربه عن الاستمرار في لعب دوره المهيمن على مقاليد الحياة في اليمن، سواء بطريقة مباشرة كما كانوا يفعلون في ظلّ حكم الرئيس صالح، أو بطريقة غير مباشرة من خلال وجود رئيس "جنوبي" يحقّق إجماعاً وطنياً؛ أو على الأقلّ يخفّف من حدّة التوتّر لدى الجنوبيّين الذين تتصاعد لديهم النزعة للانفصال؛ بشرط ألاّ يكون هذا الرئيس الجنوبي مهيمنًا سياسياً، وهي الحال مع شخص نائب الرئيس الحالي.
 
 الخطر الذي يحمله هذا التصدّع الداخلي في الجماعة الحاكمة - لا سيّما في شقّها الأمني - يتمثّل في إمكانية اللجوء للعنف لحسم الصّراع مع الثورة وأحزاب اللقاء المشترك والعشائر، وهو ما قد يفجّر الموقف بالنظر لتركيبة المجتمع اليمني شديدة التعقيد  - خاصة مع الوجود النشط لتنظيم القاعدة في البلاد والتمرّدات في شمال اليمن وجنوبه.
 
لطالما كانت الأحزاب السياسية والنظام الحاكم والقبيلة والجيش والتنظيمات الأخرى فاعلين رئيسِين تقليديّين في الساحة السياسية الداخلية اليمنية، ولذلك فإنّ أهمّ ما يميز الثورة اليمنية هو دخول الشباب كفاعل جديد في المشهد اليمني، كقوّة اجتماعية سياسية فرضتها الأجواء السياسية الجديدة في الوطن العربي بعد ثورتيْ تونس ومصر. ويتمثل التجديد في تجاوز الحدود العشائرية والمعارضة التقليدية وفي النّضج المعرفي والأداء السلمي والعمل الدقيق والمتضامن والحضاري لإحداث التغيير المنشود في اليمن. فقد سمح طول أمد الثورة اليمنية قياساً بالثورتين التونسية والمصرية بظهور تكتّلات شبابيّة أثناءها، تنسّق المظاهرات والشعارات وتعقد الندوات والحوارات. ولكن الأهم من ذلك كلّه أنّ الثورة مكّنت من تشكيل تكتّلات شبابية تتجاوز الفاعلين التقليديّين. وإذا ما تحوّلت إلى فاعل سياسي منظّم في الحياة اليمنية، فسوف تؤسّس هذه التكتلات لحلّ أزمة الهوية للشباب اليمني وتعميق الانتماء الوطني على حساب أيّ انتماء فرعي آخر، من أجل بناء وطن جديد قائم على النظام والقانون والمؤسسات الحديثة في دولة مدنيّة يسودها العدل والمواطنة المتساوية، وتتّجه نحو التطوّر والحداثة، وتتخلّص من أعباء الماضي وتخلّفه.
 
وبشكل عام، تختلف تحوّلات المجتمعات والبلدان من حيث مدى تأثيرها في الوحدة الوطنية، فمنها ما يعزّز الوحدة الوطنية في هذه المجتمعات والبلدان، ومنها ما تكون له آثار سلبية في بعض الأحيان على هذه الوحدة. في الحالة الأولى، تكون الثورة تعبيراً عن تيار واضح من أغلبية متعدّدة الهويات؛ أمّا في الحالة الثانية، فحتى حين تكون الثورة  تعبيراً عن أغلبية المجتمع، يبقى معارضوها غير هامشيّين. وقد يتمكّن هؤلاء المعارضون من استدعاء تدخّل دولي لمصلحتهم. هكذا يصبح المجتمع أسيراً لاستقطاب سياسي حادّ بين فريقين لا يستطيع أحدهما أن يحقّق بسهولة النصر على الآخر. وعلى الرغم من أنّ توازن القوى يستمرّ في الرجحان لصالح الطّرف المناوئ لنظام علي عبد الله صالح، إلاّ أنّ التدخّل السعودي والأميركي قد يفتح الطريق أمام تسويات ما بين الأحزاب السياسية والقوى الأخرى التقليدية من جهة وما تبقّى من نظام علي عبد الله صالح من جهة أخرى، وذلك على حساب أهداف الثورة ومطالب الشباب بحجّة تجنيب البلاد مخاطر حرب أهليّة.
 
 لقد عاش اليمن تجربةً مماثلة لهذا الواقع بعد الثورة اليمنية عام 1962 والتي طلبت دعماً عسكرياً مصرياً مستبقة بذلك تخوّفات من وحي الخبرة اليمنية السابقة التي تفيد أنّ كلّ محاولة للتغيير في اليمن كانت تواجه بتدخّل سعودي مضادّ. وبالفعل قدّمت مصر في تلك الفترة الدّعم العسكري المطلوب للثورة في الوقت الذي دعمت فيه السعودية القبائل التي ظلّت على ولائها للنظام الملكي بالمال والسّلاح، وكانت النتيجة تورّط المجتمع اليمني في حرب أهلية مدة ثماني سنوات انتهت بتسوية حافظت على صيغة النظام الجمهوري وإن أدخلت رموز النظام الملكي من غير أسرة حميد الدين في المؤسّسات الجمهورية كأفراد.
 
ينطلق التشكيك في الدّور السعودي من خوف المملكة من نجاح الثورة اليمنية بالشكل الذي تمّت به الثورتان المصرية والتونسية. وهي تخشى من جمهورية يمنية يصعب التحكم فيها عبر قادة العشائر، كما تخشى أن يمتدّ زخمها إلى الدّاخل السعودي. ومن هنا تعمل السعودية على ضبط الأوضاع في اليمن لضمان قدوم نظام مُوالٍ لها، والحيلولة دون حدوث عملية تحوّل ديمقراطي تجهل نتائجها.
 
لطالما دعمت السعودية كلاً من النظام الحاكم والأطراف المعارضة مادياً ومعنوياً وبوسائلَ مختلفة، أهمّها دعم زعماء القبائل والعشائر، لكنها كانت دائماً تقف في وجه أيّ عملية تغيير في اليمن مستغلّةً العامل القبلي في ذلك. وهنا قد يبرز دور الشّباب بالانقلاب على المفهوم التقليدي للقبيلة وتحويله من عنصر مثبط للتغيير إلى عنصر يجمع المواطنين تحت سقف الوطن، ولا يفرّقهم كانتماء فوق الدولة، لأنّ ذلك يخالف كل عوامل التحوّل الديمقراطي.
 
إذا افترضنا أنّ علي عبد الله صالح لن يعود إلى اليمن وسيبقى في المملكة العربية السعودية، سواء للعلاج أو بموجب المبادرة الخليجية، فإنّ ذلك لا يعني سقوط النظام الذي يحكم اليمن عن طريقه، فعائلته تتوزّع في 42 منصباً سياسياً وعسكرياً حساساً جداً في الدولة، كما أنّ بنية النظام اليمني تختلف عن بنية النظاميْن المصري والتونسي كما أشرنا سابقاً، أي أنّ سقوط رأس الهرم لا يعني انهيار النظام، فهناك جماعة وعصبية حاكمة مازالوا موجودين. وفي هذا المشهد يظهر أنّ القبيلة هي من اقترب من حسم الموقف، وهي ليست مؤسّسة فردية كما أنها ليست مؤسّسة دولتية مدنية. وتساور المراقب شكوكٌ حول مدى نفوذ القبيلة وتدخّلها في عملية التحوّل الديمقراطي التي من المفترض أن تكون قادمة.
 
يعيش اليمن حالياً صراعاً بين النّخب الحاكمة في السلطة والمجتمع اليمني تصطفّ فيه ركائز النظام الموالية لصالح ضدّ المؤيّدين للثورة. ومن البديهي أن تحاول النخبة المتبقّية من نظام صالح الاستمرار في السلطة من خلال صورة شكلية لنائب الرئيس. وهو الذي قد ينحاز للثوار في أيّ لحظة تضعف فيها قوّة الأجهزة الأمنيّة داخل النظام. وربّما تتراجع هذه النخب المتبقّية لاحقًا لتقبل أن تبقى عنصرًا فاعلاً في السلطة المقبلة.  ولا يتعارض هذا مع توجّهات المملكة العربية السعودية في محاولتها الحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف وتقديم الدعم لها بأشكال مختلفة. ومن المرجّح استبعاد فكرة الحرب الأهلية نظراً للحالة الثورية التي نشأت عند الشباب اليمني أثناء الثورة حتّى تحوّلت مسألة سلمية الثورة إلى تحدٍّ لا يمكن التّفريط فيه، إضافةً إلى الضّغط الأميركي على النخبة الحاكمة للحفاظ على استقرار اليمن، لأسباب أمنيّة منها المناخ الذي قد يوفّره عدم الاستقرار لنشاط القاعدة في خليج عدن. والملفت للانتباه هو تحرّك السفيريْن الأميركي والسعودي بعد أشهر من الثورة للعب دور الوسطاء الذين يمكنهم الجلوس مع الأطراف كافّةً. والحلّ المطروح من قبلهم كتسوية تجنّب البلد الحرب الأهلية وتحقيق المطلب الديمقراطي في الوقت ذاته هو فصل الأمن عن السياسة، بحيث يبقى النّفوذ الأمني بيد أصحابه وتشارك المعارضة في السلطة السياسيّة عبر الانتخابات. غير أنّ هذه المعادلة تجعل السّلطة السياسية في هذه الحالة سلطة وهميّة.
 
 ولكن يبقى السّؤال الجوهري أين الشباب من هذه المعادلة؟ هل يقبلون أن تتحوّل المبادرة إلى "الوسيط" الأميركي الذي لا تهمّه سوى التبعيّة الأمنية؟ لقد خرج الشباب من أجل مجتمعٍ يمني أفضل ودولة ديمقراطية ذات سيادة. ويجري الآن استغلال غياب الرئيس من أجل ترتيب تقاسم للسلطة بين النّخب القديمة بوساطةٍ سعودية أميركية. ولكن ما سوف يساعد الشّباب وقيادات الجيش المتحالفة معهم على استعادة دورهم هو أنّ احتمال التوصّل إلى مثل هذا الترتيب الذي يهدف إلى إجهاض الثورة هو احتمالٌ ضئيل.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019