دوافع وآفاق حركة الاحتجاج في إسرائيل

دوافع وآفاق حركة الاحتجاج في إسرائيل

1.  مقدمة

شهدت إسرائيل منذ أواسط تموز/ يوليو 2011 حركة احتجاج اجتماعية غير مسبوقة، لا من حيث حجمها أو استمراريتها، ولا من حيث نوعية القوى المشاركة فيها.

وابتدأت حركة الاحتجاج بنصب الخيام في أحد الميادين الرئيسة في تل أبيب احتجاجا على غلاء أسعار الشقق، سواء للشراء أو الاستئجار؛ وما لبثت أن انتشرت الخيام في ميادين المدن والبلدات الإسرائيلية الأخرى، ليصل عددها إلى 3383 خيمة[1].

وتوسع الاحتجاج من رفض غلاء الشقق إلى مواضيع عدة تعاني منها شرائح الطبقة الوسطى والشرائح الفقيرة في المجتمع الإسرائيلي.

وأحصت حركة الاحتجاج في شهرها الأول تنظيم تظاهرات عدة في المدن الإسرائيلية، شاركت فيها أعداد كبيرة من المتظاهرين، الذين بلغ عددهم في أحد أيام الاحتجاج نحو 300 ألف متظاهر.

وبخلاف حركات الاحتجاج الإسرائيلية السابقة؛ التي قامت بها الشرائح المسحوقة من اليهود الشرقيين على خلفية التمييز الإثني ضدهم، مثل تظاهرات "وادي الصليب" في حيفا في سنة 1959، وتظاهرات الفهود السود في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، والتي اتسمت بمحدودية المشاركين فيها وباستخدام العنف سواء من قبل المتظاهرين أو الشرطة؛ فإن شرائح من الطبقة الوسطى الإسرائيلية هي التي بادرت وقامت بحركة الاحتجاج الراهنة، وما انفكت تقودها وتهيمن عليها رغم انخراط شرائح من الفئات الفقيرة فيها.

ومن الملاحظ أن مختلف وسائل الإعلام في إسرائيل، من راديو وتلفزيون وصحف ومواقع انترنت، أيدت حركة الاحتجاج ووضعتها طيلة أسابيعها الأولى على رأس جدول أعمالها، وهو ما ساهم في تعزيزها وتعاظم تأييد الرأي العام لها، حيث بلغت نسبة مؤيديها 87% من الإسرائيليين[2].

 ------------------------------

  • [1] أمير أورن، "الشرطة تستعد لإخلاء خيام الاحتجاج بالقوة"، هآرتس، 12 - 8 - 2011. ويستثنى من إجماع وسائل الإعلام في تأييدها المتحمس لحركة الاحتجاج وسائل إعلام كل من المستوطنين وحزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة وزير الخارجية ليبرمان، وحزب شاس. http://www.haaretz.co.il/hasite/objects/pages/PrintArticle.jhtml?itemNo=1237896
  • [2] سيفي رخلفسكي، "الحمير تنبت أجنحة"، هآرتس، 8 - 8 - 2011.http://www.haaretz.co.il/hasite/objects/pages/PrintArticle.jhtml?itemNo=1237475

  

2. أسباب انطلاق حركة الاحتجاج


 يعتبر غلاء المعيشة في إسرائيل بصورة حادة من أبرز الأسباب التي قادت إلى ظهور حركة الاحتجاج، فقد شهدت إسرائيل في السنوات الأخيرة موجات ارتفاع متتالية في تكاليف المعيشة، في مختلف متطلبات الحياة الأساسية والضرورية المتعلقة بالمسكن والمأكل والملبس والمشرب والمواصلات والاتصالات والكهرباء والبنزين والسيارات، والمواد الاستهلاكية الأخرى الضرورية.

وقد بلغ غلاء المعيشة حداً لم يعد فيه دخل شرائح واسعة من الطبقة الوسطى يكفي لتغطية مصاريفها إلى غاية نهاية الشهر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مستوى معيشتها كطبقة وسطى.

ونتيجة لغلاء المواد الأساسية بشكل كبير، باتت أسعارها تفوق أسعار نظيرتها في أوروبا وأميركا، فقد زاد مثلا سعر منتجات الألبان المختلفة في إسرائيل عن سعر نظيرتها في أوروبا الغربية والولايات المتحدة بنسبة 50% إلى 80%. وكذلك ارتفعت إيجارات الشقق بشكل حادا في الفترة الأخيرة في إسرائيل.

وبلغ سعر استئجار شقة صغيرة من غرفة واحدة في تل أبيب 1000 دولار، في حين يتراوح ثمن استئجار شقة متوسطة الحجم بين ألفين وثلاثة آلاف دولار. وأدى ارتفاع إيجارات الشقق إلى عجز جيل الشباب من شرائح واسعة من الطبقة الوسطى، ناهيك عن الشرائح الفقيرة، من شراء شقة لهم، فثمن شقة متوسطة في تل أبيب ارتفع في السنوات الثلاث الماضية بنسبة 64%.

وقد أصبح ثمن الشقة المتوسطة في تل أبيب يبلغ مجموع رواتب 143 شهر للموظف من الطبقة الوسطى، وذلك قبل احتساب وخصم الضريبة المفروضة على الراتب؛ أي ما يعادل مجموع دخل 12 سنة عمل وما يقارب 16 سنة إذا تم احتساب وانتقاص الضريبة على الراتب[3].

تعود الأزمة التي تعاني منها الطبقة الوسطى والشرائح الفقيرة في إسرائيل إلى السياسة الاقتصادية - الاجتماعية التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية منذ أكثر من عقدين، والتي تمثلت في التخلي عن "دولة الرفاه" وانتهاج "الاقتصاد الحر" والخصخصة وتقليص الإنفاق على الخدمات العامة كالتعليم والصحة والسكن.

 

"
مختلف وسائل الإعلام في إسرائيل، من راديو وتلفزيون وصحف ومواقع انترنت، أيدت حركة الاحتجاج ووضعتها طيلة أسابيعها الأولى على رأس جدول أعمالها
"
وفي بداية الثمانينيات، كانت نسبة الإنفاق على الخدمات العامة في إسرائيل تبلغ 70% من ميزانية الحكومة، غير أن هذه النسبة انخفضت في سنة 2011 إلى 43%، وهي نسبة تشبه معدل نظيرتها في دول "منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي" (OECD).

ولكن نسبة الإنفاق على الأمن في إسرائيل تزيد بكثير على معدل دول "منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي"، لذلك فإن نسبة الانفاق على الخدمات العامة في إسرائيل تبلغ أقل من نظيرتها في دول "منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي" بنسبة 5%، ما يضع إسرائيل في أسفل سلم هذه الدول في الإنفاق على الخدمات العامة[4].

يتفق المحللون والمختصون الإسرائيليون على أن الطبقة الوسطى في إسرائيل والتي يشكل اليهود الأشكناز عمودها الفقري، هي التي تحمل عبء معظم الاقتصاد الإسرائيلي. ومنذ اندلاع حركة الاحتجاج الحالية في إسرائيل، كثرت الكتابات حول دور هذه الطبقة في الاقتصاد والمجتمع والدولة.

وعبّرت صحيفة هآرتس عن رأي سائد في المجتمع الإسرائيلي، وخاصة في وسط ويسار الخريطة الحزبية في إسرائيل، عندما شبهت -في افتتاحيتها- الطبقة الوسطى في إسرائيل بالحمار الذي يحمل فوق ظهره معظم أعباء الاقتصاد الإسرائيلي، علاوة على حمل عبء قطاعات غير منتجة وتستهلك خدمات الدولة التي تمولها الطبقة الوسطى، مثل المتدينين "الحريديم" وقطاع المستوطنين، وأعباء الأمن[5].

وتناول بالتحليل كثير من المحللين والمختصين، بمن في ذلك الذين جاؤوا من صلب المؤسسة الإسرائيلية، المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد الإسرائيلي، والتي زادت الأعباء على الطبقة الوسطى وفاقمت وضعها إلى تلك الدرجة التي لم يعد بمقدورها تحملها. وعدّد هؤلاء العوامل الفاعلة في الاقتصاد الإسرائيلي التي زادت من حدة أزمة الطبقة الوسطى، وأهمها[6]:

1 - تقليص الإنفاق والسياسة الضريبية:

اتبع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، سياسة تخفيض نسبة الإنفاق على الخدمات العامة بصورة حادة، لاعتقاده أن خفض الحكومة نسبة الإنفاق على الخدمات العامة سيمكنها من تقليص الضرائب، وهو ما يؤدي إلى زيادة النمو. علاوة على ذلك، ألحقت سياسة نتنياهو الأذى بشرائح الطبقة الوسطى والفقيرة في المجتمع الإسرائيلي، فقد خفض من ضريبة الدخل والضريبة المفروضة على الشركات، اعتقادا منه أن ذلك يشكل المحرك الأساس للنمو الاقتصادي؛ فاستفاد من ذلك كبار رجال الأعمال وأصحاب الشركات.

وفي الوقت نفسه، زاد نتنياهو الضرائب غير المباشرة، التي يدفعها في نهاية المطاف عامة الناس، وخاصة شرائح الطبقة الوسطى، مثل الضريبة على القيمة المضافة وضريبة الشراء والجمارك، وأنواع كثيرة أخرى من الضرائب غير المباشرة، والتي تزيد بكثير على نظيرتها في الدول المتطورة، ما قاد إلى زيادة الأعباء على شرائح الطبقة الوسطى.

2 - المشاركة في سوق العمل:

لا يشارك جزء هام من المواطنين في سوق العمل، وخاصة في صفوف اليهود المتدينين الحريديم والعرب. ويعود انخفاض نسبة مشاركة اليهود المتدينين الحرديم في سوق العمل إلى أسباب دينية - ثقافية، وعزز ذلك قوة الابتزاز التي تتمتع بها أحزابهم السياسية التي تحصل لهم على مخصصات وامتيازات من الدولة وعلى حساب ميزانيتها.

أما انخفاض نسبة العرب المواطنين في إسرائيل في سوق العمل، فيعود إلى عدم تفور فرص عمل في مناطقهم المهمّشة نتيجة لسياسة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي تمارس التمييز ضدهم ولا تستثمر ولا تشجع الاستثمار في مناطقهم، علاوة على منعهم من العمل في الكثير من الشركات الحكومية والخاصة وتلك التي تعمل في مجالات الصناعات المتطورة والـ"هاي تك" والتي عادة ما تكون مرتبطة بصورة مباشرة وغير مباشرة بالأمن.

3 - عبء الأمن:

لا تزال ميزانية الأمن مرتفعة للغاية في إسرائيل، وتعد نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي واحدة من أعلى النسب في العالم. ويأتي الانفاق على الأمن على حساب الميزانيات التي من المفروض أن توجه إلى الخدمات العامة كالتعليم والصحة والبنى التحتية، علاوة على دور هذه الميزانية في رفع الضرائب.

4 - وجود احتكارات وكارتيلات اقتصادية في إسرائيل، سواء الخاصة التابعة إلى "تايكونات"(tycoons) العشرين عائلة الغنية في إسرائيل، أو إلى الكارتيلات الحكومية، التي تحد من المنافسة وتفرض أسعارا باهظة على المستهلك، قياسا حتى بدول مثل فرنسا.

5 - الدعم الحكومي السخي المقدم للمستوطنين في جميع المجالات، وصب الأموال الحكومية الكثيرة على البنى التحتية للمستوطنات وعلى الخدمات التي تقدم فيها.

6 - الفروقات ما بين المركز والأطراف في إسرائيل، وهو ما يعزز الفجوة الاجتماعية.

-----------------------------

  • [3] نحميه شتراسلر، "يطلقون النار على أرجلهم"، هآرتس، 26 7 - 2011. http://www.haaretz.co.il/hasite/objects/pages/PrintArticle.jhtml?itemNo=1236028
  • [4] أنظر مقال المدير العام الأسبق لوزارة المالية الإسرائيلية، آفي بن بساط، "حكاية السمين والنحيف"، هآرتس، 3 - 8 - 2001. http://www.haaretz.co.il/hasite/objects/pages/PrintArticle.jhtml?itemNo=1236922
  • [5] افتتاحية هآرتس، "خطر على الاستقرار الاقتصادي"، هآرتس، 2 - 8 - 2011.http://www.haaretz.co.il/hasite/objects/pages/PrintArticle.jhtml?itemNo=1236801
  • [6] أنظر مقال المسؤول الأسبق عن الميزانيات في وزارة المالية الإسرائيلية، رام بلنيكوف، "كيف التحول إلى اقتصاد معافى مع مستوى أسعار منخفض"، ذي ماركر، 8 - 8 - 2011. أنظر كذلك في: آفي بن بساط، مصدر سبق ذكره.
3. الحالة التنظيمية لحركة الاحتجاج

لم يتجاوز عدد أفراد مجموعة الشبان والشابات، الذين كانوا في بداية العشرينات من أعمارهم، وبادروا في 12 تموز / يوليو إلى نصب الخيام في شارع روتشيلد، 15 شخصا لم يسبق لهم أن انتموا لأحزاب سياسية. وخلال فترة وجيزة من نشاط حركة الاحتجاج، ظهرت عدة آلاف من الخيام في 40 مدينة وبلدة إسرائيلية.

ولم تكن لحركة الاحتجاج الإسرائيلية عند بدايتها، كأي حركة احتجاج من هذا النوع، أي حالة تنظيمية. ولكن، تشكلت مع مرور الأيام عدة مؤسسات لحركة الاحتجاج، من أجل قيادة هذه الحركة التي تعاظمت بسرعة لم يكن يتوقعها أحد. وتقف على رأس هرم حركة الاحتجاج، البؤرة الصلبة من الناشطين المبادرين، وتدعى "هيئة حركة الاحتجاج". وتجتمع هذه الهيئة كل يوم مرة على الأقل، وهي التي تحدد الاتجاه العام لحركة الاحتجاج.

وهناك أيضا "مجلس الخيام القُطْري"، الذي تشكل من مندوبي الخيام؛ إذ يحق لكل خيمة إرسال مندوبين اثنين عنها إلى هذا المجلس؛ ويتم فيه نقل صورة عن الرأي السائد في الخيام المختلفة والقضايا الهامة التي يتم مناقشتها في الخيام، وتتخذ القرارات في هذا المجلس بالإجماع. إلى جانب هذين الهيكلين، يعقد اجتماع مشترك يضم "الهيئة" وممثلين عن الخيام وممثلين عن منظمات كبرى انخرطت في حركة الاحتجاج مثل اتحاد الطلاب الجامعيين القُطْري وحركة شبيبة "درور يسرائيل" المنبثقة عن حزب العمل والمنظمات الاجتماعية الكبيرة المختلفة المشاركة في حركة الإحتجاج.

 

"
تعود الأزمة التي تعاني منها الطبقة الوسطى والشرائح الفقيرة في إسرائيل إلى السياسة الاقتصادية - الاجتماعية التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية منذ أكثر من عقدين، والتي تمثلت في التخلي عن "دولة الرفاه" وانتهاج "الاقتصاد الحر" والخصخصة
"
وتناقش في هذا الاجتماع القضايا الهامة مثل القرارات حول التظاهرات الكبرى، وتتخذ القرارات بالإجماع. ومن أجل الحفاظ على صورتها كحركة احتجاج مستقلة، وبشكل خاص عن الأحزاب السياسية، حرصت حركة الاحتجاج على رفض التبرعات التي يكون مصدرها من أحزاب وهياكل سياسية أو من رجال الأعمال، واعتمدت على جمع التبرعات من المشاركين في حركة الاحتجاج والجمهور العام[7].

ولا يمكن لأي مراقب تجاهل تأثر الناشطين بالثورة في ميدان التحرير بالقاهرة، من حيث عملية نشوء هذه الحركة، والشكل الذي اختارته للتنظيم والتجمع، وطبيعة القوى المشاركة، ودور أحزاب المعارضة الداعم وغير القائد. ويصرح بعض الناشطين بشكل واضح بتأثير مشاهد ميدان التحرير فيهم. ولكن الحديث هنا طبعا ليس عن ثورة ولا عما يشبه الثورة على نظام الحكم، بل عن حركة احتجاج اجتماعية تسلّم بالنظام السياسي القائم ولا تعترض عليه سياسيا، ولا تحيد حتى عن إجماعه الأيديولوجي الصهيوني.

4. رد فعل الحكومة على حركة الاحتجاج

حاول نتنياهو وحكومته في بداية الاحتجاج التشكيك في دوافع وأهداف حركة الاحتجاج والإيحاء بأن قوى حزبية تقف وراءها وبأن لها أجندات سياسية. ولكن بعد اتضاح مدى الشعبية التي تحظى بها حركة الاحتجاج ومدى إقرار معظم مكونات المجتمع الإسرائيلي ونخبه بعدالة مطالبها، غيّر نتنياهو موقفه وموقف حكومته تجاه حركة الاحتجاج، وأخذ شيئا فشيئا يقر بعدالة مطالب حركة الاحتجاج وبتقصير حكومته والحكومات المتعاقبة في معالجة ما تعاني منه شرائح الطبقة الوسطى.

وأرسلت الحكومة الإسرائيلية العديد من الوزراء إلى خيام المحتجين للتفاوض معهم من أجل إنهاء حركة الاحتجاج، بيد أن إصرار قادة حركة الاحتجاج على مطالبها والتأييد الشعبي الذي حظيت به، خاصة بعد مشاركة أكثر من 300 ألف متظاهر في أحد أيام الاحتجاج، أرغم الحكومة الإسرائيلية على التحرك بتشكيل لجنة خبراء لدراسة مطالب حركة الاحتجاج وتقديم توصيات للحكومة بشأنها، وأوحت الحكومة أنها ستلتزم بتوصيات اللجنة.

5. محدودية حركة الاحتجاج

منذ انطلاقها وحتى اليوم، يصر قادة حركة الاحتجاج الرسميون وكذلك هيئاتها الرسمية -بعناد متشدد وثبات مستمر- على حصر مطالب حركة الاحتجاج في القضايا الاجتماعية - الاقتصادية فحسب، وعلى عدم التطرق إطلاقا إلى القضايا السياسية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وقد امتنعت حركة الاحتجاج الرسمية عن لفظ كلمة الاحتلال طيلة فترة الاحتجاج، خشية من أن يؤدي ذلك إلى الإخلال بالإجماع في صفوف الحركة وإحداث انقسام عميق فيها وتحويلها إلى حركة احتجاج سياسية حزبية، وإنهاء "شهر العسل" بينها وبين وسائل الإعلام وفقدانها لدعمها، فتنفض عنها جراء كل ذلك قطاعات واسعة من المحتجين والمؤيدين الموالين لليمين في مواقفهم السياسية، وتتلاشى شعبيتها وقوتها.

ومن هنا انحصر اهتمام قادة حركة الاحتجاج وهيئاتها بالجوانب الاقتصادية - الاجتماعية لسياسات الحكومات المتعاقبة في الفترة الأخيرة، وخاصة حكومة نتنياهو؛ وانتقدوا تحالف السلطة السياسية والثروة، و"ملوك" رجال الأعمال "التايكونات"، المتمثلين في رؤوس العشرين عائلة التي تتحكم في الاقتصاد الإسرائيلي.

-----------------------------

[7] عوفر أدرت، "مجلس الثورة" ، هآرتس، 12 - 8 - 2011.http://www.haaretz.co.il/hasite/objects/pages/PrintArticle.jhtml?itemNo=1237892

6. مطالب حركة الاحتجاج

بعد أن حسمت حركة الاحتجاج موقفها بعدم تقديم لائحة مطالب موضعية محدودة ومحددة، وإنما المطالبة بإحداث تغيير جذري شامل في سياسات الحكومة الاقتصادية - الاجتماعية؛ صاغت حركة الاحتجاج الإسرائيلية وثيقة جاءت على شكل "إعلان حقوق" المواطن، وضّحت فيها رؤيتها العامة والشاملة والتي تشتق منها مطالبها المختلفة.

الوثيقة التي جاءت تحت عنوان "العدالة الاجتماعية - نحو برنامج عمل اقتصادي - اجتماعي جديد"، هاجمت بشدة سياسات "اقتصاد السوق" و"السوق الحر" الفظة والمنفلتة العقال، وسياسة الخصخصة التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في العقود الأخيرة. وطالبت بتغيير الطريقة الاقتصادية - الاجتماعية التي اتبعتها هذه الحكومات والعودة إلى اتباع سياسة "دولة الرفاهية" القائمة على العدالة الاجتماعية.

 

"
لم تكن لحركة الاحتجاج الإسرائيلية عند بدايتها، كأي حركة احتجاج من هذا النوع، أي حالة تنظيمية
"

وشدّدت الوثيقة على ضرورة تجديد الميثاق بين المواطن الإسرائيلي ودولته، وهو الميثاق الذي يضمن لكل مواطن الحقوق والحريات المدنية الأساسية والعدالة والمساواة والحق في العمل والأمن الشخصي.

وأضافت الوثيقة أن "هذه الأسس القيمية والأخلاقية هي ذاتها التي قامت عليها إسرائيل"، وهي نفس "أسس المجتمع النموذجي الذي تأسست الصهيونية من أجل تحقيقه، ورغم إزاحته جانبا لعدة عقود، ها هو يعود وينهض مثل طائر الفينيق الذي يعود ويجدد طيرانه"[8].

لقد صيغت الوثيقة كأنها وثيقة مشروع لتجديد الصهيونية وبعث قيمها. ودعت الوثيقة، كما دعت التصريحات المتكررة لقادة الحركة الرسميين[9]، إلى تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وتقليص الهوة الاجتماعية - الاقتصادية بين شرائح المجتمع الإسرائيلي، وإلى خلق تماسك اجتماعي متين قائم على الاستجابة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للطبقة الوسطى والشرائح الفقيرة والضعيفة في المجتمع الإسرائيلي.

وطالبت كذلك بمحاربة الغلاء وفرض رقابة حكومية على أسعار المواد الأساسية، وجعل الإسكان في متناول شرائح المجتمع المختلفة، ورفع مستوى الحد الأدنى للأجور، وفرض التعليم الإلزامي المجاني ابتداء من سن الثالثة. وشددت الوثيقة بشكل خاص على ضرورة إعطاء الأولوية للتعليم في جميع مراحله، وعلى الرعاية الصحية ومختلف البنى التحتية التي تمس حياة المواطنين، وتخصيص الميزانيات الملائمة لها. وأكدت على ضرورة إعادة توزيع شكل الضرائب بما يضمن زيادتها على الرأسماليين و"ملوك" رجال الأعمال (التايكونات) وعلى الشركات، وتخفيض الضرائب غير المباشرة التي يرزح تحت وطأتها الجمهور العام، وخاصة على السلع الاستهلاكية.

------------------------------

  • [8] هيله راز وليؤور دطل، "رؤساء الخيام في أنحاء البلاد"، ذي ماركر، 8 - 8 - 2011.http://www.themarker.com/misc/article-print-pages/1.679929
  • [9] إيلان ليؤور، "قادة الاحتجاج يطلبون"، هآرتس، 8 - 8 - 2011.http://www.haaretz.co.il/hasite/objects/pages/PrintArticle.jhtml?itemNo=1236834
  7. إنجازات حركة الاحتجاج

لا تزال حركة الاحتجاج الإسرائيلية ماضية في نشاطها، وهي تهيمن على الحديث والجدل العام في إسرائيل، ولا يمكن التنبؤ حتى الآن متى وكيف ستنتهي. ولكن، يمكن القول إن حركة الاحتجاج، التي تميزت بحجم المشاركة الشعبية الواسعة فيها وباستمراريتها، حققت مع دخولها الشهر الثاني من عمرها، مجموعة من الإنجازات لم يسبق لأي حركة احتجاج إسرائيلية أن حققتها. ويمكن إيجاز أهم هذه الإنجازات في النقاط التالية:

1 - غيرت حركة الاحتجاج أولويات وأجندة المجتمع الإسرائيلي بشكل كبير وغير مسبوق، حيث أحلت القضايا الاجتماعية - الاقتصادية مكان القضايا الأمنية - السياسية على أجندة النقاش السياسي؛ التي كانت دوما تهيمن على أجندة المجتمع الإسرائيلي، خاصة في مرحلة تتسم بانسداد الأفق السياسي والعملية السياسية مع الفلسطينيين والدول العربية، وعشية مرحلة هامة تترقبها إسرائيل منذ شهور والمتمثلة في طرح قضية الإعتراف بالدولة الفلسطينية بحدود سنة 1967 على هيئة الأمم المتحدة، وما يرافقها من تظاهرات وحركة شعبية في المناطق الفلسطينية المحتلة.

2 - أُرغمت الحكومة الإسرائيلية على إيلاء حركة الاحتجاج الأهمية القصوى وعلى الاعتراف بارتكاب أخطاء في سياساتها السابقة، وعلى تشكيل لجنة خبراء برئاسة البروفيسور مانويل طرخطنبيرغ، لدراسة مطالب حركة الاحتجاج، على أن تقدم هذه اللجنة تقريرا للحكومة خلال فترة زمنية لا تتعدى شهرا ونصف الشهر. ووعد رئيس الحكومة بأنه سيسعى إلى تطبيق توصيات اللجنة.

 

"
غيرت حركة الاحتجاج أولويات وأجندة المجتمع الإسرائيلي بشكل كبير وغير مسبوق، حيث أحلت القضايا الاجتماعية - الاقتصادية مكان القضايا الأمنية - السياسية على أجندة النقاش السياسي
"
3 - أعادت حركة الاحتجاج الاعتبار لقيم ومطالب كان الرأي العام السائد في المجتمع الإسرائيلي، بتأثير النخب الحاكمة، قد حطّ من شأنها. وفي مقدمة هذه القيم العدالة الاجتماعية و"دولة الرفاهية". إلى جانب ذلك، تم في الأسابيع الأخيرة الحد، إلى درجة كبيرة، من طغيان مقولات "اقتصاد السوق" و"الاقتصاد الحر" التي كانت قد تغولت وطغت على عقول النخب والعامة في إسرائيل في العقدين الأخيرين.

4 - حركت حركة الاحتجاج شرائح واسعة من الطبقة الوسطى ودفعت بها للنشاط والاحتجاج في القضايا العامة. وكانت هذه الشرائح تتسم بالخمول وعدم المبالاة في ما يخص الشأن العام، وتنأى بنفسها عن النشاط المنظم وتقل نسبة المشاركة في صفوفها في الانتخابات العامة. فخلال عقدين ماضيين ونيف انحسر وتضاءل نشاط شرائح هذه الطبقة الوسطى، التي يشكل اليهود الأشكناز عمودها الفقري، وأخذت أجزاء واسعة منها تميل أكثر للتصويت لصالح حزب الليكود بدل حزب العمل.

في مقابل ذلك، تعاظم في العقود الثلاثة الأخيرة نشاط ودور قطاعين آخرين كان لهما التأثير الكبير على السياسة والحياة العامة في إسرائيل، وهما قطاع المستوطنين وقطاع اليهود المتدينين الحريديم. والسؤال الذي يبقى مطروحا هو: إلى أي درجة يمكن لحركة الاحتجاج دفع شرائح الطبقة الوسطى ذات الأغلبية الأشكنازية إلى أخذ دورها في السياسة والقضايا العامة مقابل قطاعي المستوطنين والحريديم؟ وهل سيستمر جزء هام من شرائح الطبقة الوسطى الأشكناز في التصويت لحزب الليكود بزعامة نتنياهو أم سيتجه نحو أحزاب أخرى في المعسكر المناوىء لمعسكر حزب الليكود؟

5 - رغم أن هيئات حركة الاحتجاج الرسمية وقادتها الرسميين لم يتطرقوا إلى القضايا السياسية، وركزوا جل مطالبهم في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن واقع حركة الاحتجاج فتح جدلا داخلها وفي الرأي العام الإسرائيلي، حول القضايا التي تهم المجتمع الإسرائيلي، ومن ضمنها الاحتلال والاستيطان. وما زال هذا الجدل دائرا منذ بداية حركة الاحتجاج وحتى اليوم، فالعدالة الاجتماعية و"دولة الرفاهية" التي تطالب بها حركة الاحتجاج، بحاجة إلى أموال من ميزانية الدولة وإلى إعادة ترتيب أولويات صرف الأموال والمخصصات التي تنفقها الحكومة. وأكدت الكثير من المقالات وآراء المختصين أن هذه الأموال لابد أن تأتي من أربعة مصادر وهي:

  • أ‌- إلغاء التسهيلات التي يتمتع بها "التايكونات" من رجال الأعمال، وفرض ضرائب تصاعدية على دخلهم.
  • ب‌- تخفيض المخصصات والدعم المالي للمستوطنين.
  • ج‌- تخفيض الدعم والمخصصات التي يحصل عليها قطاع الحرديم.
  • ه‌- تخفيض ميزانية الأمن.

وأدى هذا الجدل وصراع الأفكار الدائر في شأن هذه القضايا، إلى تعرض قطاعات واسعة من الإسرائيليين إلى أفكار وآراء لم تكن في الماضي توليها اهتماما، أو لم تكن أصلا على استعداد لسماعها. والأهم من ذلك، الربط السياسي الذي جرى داخل حركة الاحتجاج وفي وسائل الإعلام (وليس بالضرورة في هيئات الحركة أو في أوساط قادتها) بين هذه الأفكار والآراء من ناحية والواقع الذي عانت وتعاني منه شرائح الطبقة الوسطى والشرائح الفقيرة في المجتمع الإسرائيلي من ناحية أخرى. وشارك في هذا الجدل والحوار، الذي ما انفك يدور يوميا في وسائل الإعلام الإسرائيلية فئات واسعة من الصحافيين وممثلي الحركات الاجتماعية وأساتذة الجامعات والخبراء المختصين وممثلين عن الأحزاب السياسية.

وقد هيمنت الأفكار والآراء النقدية ضد سياسات الحكومة على هذا الجدل والحوار وعلى المشهد العام في إسرائيل. ووضعت سياسات الحكومة الإسرائيلية في موقف ضعيف كان من الصعب الدفاع عنه، ما أدى إلى انخفاض شعبية نتنياهو وشعبية حكومته بصورة حادة. وكانت قاعدته الاجتماعية تبدو صلبة لا تتزعزع، فقد أظهر استطلاع للرأي العام في إسرائيل أجراه "معهد ديالوج" بعد مرور شهر على بداية الاحتجاج أن شعبية نتنياهو قد انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ توليه رئاسة الحكومة وبلغت نسبة المؤيدين له 29% فقط، في حين كانت هذه النسبة في بداية شهر حزيران / يونيو الماضي 50%[10].

ولا شك أن هذه الحركة قد أعادت الروح إلى أحزاب المعارضة من يمين الوسط مثل "كاديما" وحزب العمل بعد أن بدا أنها فقدت أي مبادرة في الاعتراض على سياسات الحكومة في القضايا السياسية. فقد استفادت الحكومة كثيرا من الأوضاع الفلسطينية والعربية والتراجع الأميركي أمامها، وبدت سيدة الساحة في السياسة. ومن هنا، فإن نقل الأجندة إلى القضايا الاجتماعية فتح فسحة جديدة لأحزاب المعارضة للعمل ضد الحكومة.

------------------------

[10] رڤيڤ دروكر، "انخفاض حاد في شعبية نتنياهو: فقط29% يؤيدون نتنياهو"، موقع نعنع، 14 - 8 - 2011.http://news.nana10.co.il/Article/?ArticleID=822149&pid=54

   8. الخاتمة

ينحصر أفق حركة الاحتجاج الإسرائيلية في الحالة اليهودية الصهيونية الإسرائيلية، فهي حركة نابعة من مجتمع تشكّل تاريخيا من هجرة واستيطان، وبنى ذاته على حساب الغير، وتسود فيه روح العنصرية وعدم الاحساس بآلام ومعاناة ضحاياه، ولا يزال يخوض صراعا مباشرا ضدهم، سواء في المناطق المحتلة في سنة 1967 أو في داخل الخط الأخضر.

وعليه، فقد حصرت حركة الاحتجاج نفسها في مجتمعها وبنت بينها وبين الفلسطينيين "جدارا" في مخيلتها ليحجب عنها رؤيتهم والتطرق إلى معاناتهم، وهي تطالب بالعدالة والمساواة والرفاهية لمجتمعها وفي الإطار الصهيوني.

ومع ذلك، تبقى حركة الاحتجاج هامة، وتشكل تحديا هاما لحكومة نتنياهو واليمين المتطرف وتحمل بين ثناياها إحداث تغييرات داخلية في المجتمع الإسرائيلي قد تقود إلى تبلور اصطفافات سياسية وحزبية في إسرائيل تؤدي إلى إضعاف تحالف الليكود والمستوطنين والحريديم وحزب ليبرمان، إلى تلك الدرجة التي تمكن من فوز المعسكر المناوئ لهم في الانتخابات المقبلة.

ويعتمد هذا على قدرة الحركة في الاستمرار في احتجاجاتها والحفاظ على تماسكها والاستمرار في أخذ زمام المبادرة. والجديد في الأمر أن قادة حركة الاحتجاج من أبناء الطبقة الوسطى في المركز السكاني والاقتصادي، يطالبون بحلول في مناطقهم وليس عبر الاستيطان في مناطق أخرى مثل الجليل والنقب، فضلا عن الضفة والقطاع.

ولذلك تسعى حركة الاحتجاج إلى حل مشاكلها وضائقاتها -وخاصة ضائقة السكن- في داخل مدنها وقراها في داخل الخط الأخضر، في حين تسعي الحكومة بتحالفها اليميني إلى استغلال الاحتجاج ضد الضائقة السكنية تحديدا من أجل دفع الفئات المتضررة من الطبقة الوسطى للبحث عن حل عبر الاستيطان في المناطق الفلسطينية المحتلة، بقدر ما تتسامح أو تتماشى الإدارة الأميركية مع ذلك.