تقدر موقف: بروتوكول أديس أبابا: علاجٌ أم مُسَكِّن؟

تقدر موقف: بروتوكول أديس أبابا: علاجٌ أم مُسَكِّن؟

وقَّع وفدا التّفاوض لجمهوريّتي السودان وجنوب السودان برئاسة رئيسي البلدين، المشير عمر حسن أحمد البشير، والفريق سلفا كير ميارديت، عددًا من الاتفاقيّات في العاصمة الإثيوبيّة أديس أبابا في السابع والعشرين من شهر أيلول / سبتمبر المنصرم، ضمن بروتوكول لحلّ القضايا العالقة بين البلدين. ولقد قامت القنوات الفضائيّة والصحف بتغطيات عديدة، وحواراتٍ متنوّعة، عكست آراء الخبراء والمختصّين بشأن هذه الاتفاقيّات. وعلى الرّغم من التّرحيب الواسع الذي قوبل به الاتّفاق من مختلف قطاعات الشعب السودانيّ - بما في ذلك قوى المعارضة - إلا أنّ بعض المعلّقين أبدوْا قدرًا من الحذر تجاه مستقبل هذا البرتوكول ذي الوجوه المتعدّدة. إذ أشار كثيرٌ من المعلّقين إلى أنّ أهمّ مشكلتين مهدّدتين لاستدامة السّلام بين البلدين الجارين لم تشملهما هذه الاتفاقيّة، وهما منطقة أبيي المتنازع عليها بين الدولتين، والحرب الدائرة في إقليمَي جنوب كردفان، وجنوب النّيل الأزرق. ورد أيضًا في بعض التّقارير، أنّ الرّأي العامّ في دولة جنوب السّودان، استقبل البروتوكول بشيءٍ من الفتور والتشكّك.

ظلّت حكومة السودان تتّهم حكومة جنوب السودان بدعم متمرّدي الحركة الشعبيّة قطاع الشمال الذين استقلّوا عن الحركة الشعبيّة الأمّ عقب الانفصال، مردّدةً أنّ جارتها الجنوبيّة تمدّ المتمرّدين في هاتين الولايتين بالسّلاح، وبغيره من موارد الدّعم اللوجستي، خاصّةً وأنّ هاتين الولايتين لهما حدودٌ طويلة جدًّا مع جمهوريّة جنوب السودان. وموقف حكومة السودان الذي عبّرت عنه مرارًا، وبحدّة شديدة، أنّها لن توقّع أيّ اتّفاقٍ مع حكومة جنوب السودان ما لم يجر الاتّفاق على حلٍّ نهائيٍّ للملفّ الأمنيّ الذي تُمَثِّل الحرب الدائرة في جنوب كردفان، وجنوب النّيل الأزرق، قطب الرّحى فيه. ولقد سبق أن ألغى الرّئيس البشير اتّفاقًا وقّعه مستشاره الدكتور نافع علي نافع، سُمِّي حينها باتّفاق الحرّيات الأربع. والآن، يبدو أنّ حكومة جمهوريّة السودان تراجعت تحت مختلف الضّغوط عن موقفها المعلن الذي سبق أن رفضت به اتّفاق الحرّيات الأربع، ورضيت أن توقّع هذا البروتوكول ذا الجوانب المتعدّدة، على الرّغم من أنه لم يشتمل صراحةً على أهمّ عناصر الملفّ الأمنيّ المهدّدة للسّلم والاستقرار بين البلدين.

تداعيات إغلاق أنبوب النّفط:

        عقب خلافٍ بشأن رسوم عبور نفط جمهوريّة جنوب السودان عبر أنبوب نفط جمهوريّة السودان المتّجه إلى ميناء التصدير على ساحل البحر الأحمر، ولجوء حكومة السودان إلى أخذ رسوم العبور عينًا من نفط جنوب السودان العابر لأراضيها، أوقفت حكومة جمهوريّة جنوب السودان ضخّ النّفط نهائيًّا عبر أنبوب الشّمال. أغضب هذا الإجراء جمهوريّة السودان، فأعلنت في ثورة غضبٍ عارمة، أنّ نفط الجنوب لن يمرّ مطلقًا عبر أراضيها، وعلى حكومة جنوب السّودان أن تبحث عن طريقٍ آخرَ تصدّر نفطها عبره. نجم عن هذا الإجراء دخول البلدين في أزمةٍ اقتصاديّةٍ بالغةِ الحدّة. فالصّادرات النفطيّة تمثّل مصدر جمهوريّة جنوب السودان الوحيد تقريبًا للعملة الحرّة. أمّا شمال السودان، فقد خسر بانفصال الجنوب ثلثي عائداته من العملة الحرّة بذهاب ثلثي البترول المنتج إلى دولة الجنوب الوليدة. وكان المسؤولون في جمهوريّة السودان يعوّلون في تعويض نقص العائدات من العملة الحرّة على فرض رسومٍ عاليةٍ على النّفط العابر من جنوب السّودان، مستغلّين واقع أنّ الجنوب لا يملك خيارًا سوى استخدام أنبوب الشّمال. ولمزيدٍ من الضّغط، قامت حكومة السودان بإغلاق الحدود بين البلدين، لمعرفتها أنّ أهالي جمهوريّة جنوب السودان، ظلّوا يعتمدون في حياتهم اليوميّة، اعتمادًا شبه كلّي، على السّلع الضروريّة التي تأتيهم من جمهوريّة السودان، وتكل حال الولايات المتاخمة لجمهوريّة السودان خاصّة، وهي ولايات ذات كثافة سكانيّة عالية. وهكذا دخل البلَدان في مباراةٍ لتحمل الاختناق الاقتصاديّ، في لعبةٍ هي أشبه ما تكون بلعبة عضّ الأصابع. فانهار سعر الجنيه في جمهوريّة السودان، أمام الدولار الأميركيّ، حتّى وصل، في بضعة أشهر، إلى أقلّ من نصف قيمته السّابقة. كما ارتفع معدّل التضخّم في جمهوريّة السودان أيضًا، فوصل إلى 40%. وواجه المواطنون موجةً من الغلاء الطاحن غير مسبوقة. وما لبثت الضائقة المعيشيّة الحادّة أن أدّت إلى تظاهرات في أحياء العاصمة السودانيّة الخرطوم، وعدد من المدن الإقليميّة امتدّت ما بين تمّوز / يوليو، وآب / أغسطس من عام 2012. وأثارت هذه التّظاهرات قلق حكومة الخرطوم ومخاوفها، فأصبحت رهينة البحث عن حلٍّ آنيّ.

أمّا جمهوريّة جنوب السّودان، فقد تسبّبت الأزمة فيها في ارتفاع سعر غالون وقود السيّارات إلى أرقامٍ خرافيّة. كما ارتفعت فيها أسعار السّلع نتيجة لارتفاع أسعار النّقل ونتيجة للندرة التي تسبّب فيها توقّف التجارة عبر الحدود مع جمهوريّة السودان. ويبدو أنّ جمهوريّة جنوب السودان أحسّت بفداحة الخطوة التي اتّخذتها حين تسرّعت وأقدمت على إيقاف ضخّ النفط عبر الشمال، فقامت في نيسان / أبريل 2012 بتحرّكٍ عسكريّ مباغتٍ، احتلّت به حقل هجليج النفطي، الواقع في جمهوريّة السودان، لتضع جمهوريّة السودان معها على ذات المركب. أدّى ذلك الاحتلال إلى حالةٍ من الغضب الشعبيّ العارم في جمهوريّة السودان، وفي الشارع العربيّ بشكلٍ عامّ. وفوجئت حكومة جنوب السودان بالإدانات الدوليّة والإقليميّة القويّة لتلك الخطوة، بما في ذلك إدانات قويّة وجّهها لها حلفاؤها الغربيّون أنفسهم.

الضّائقة الاقتصاديّة غيّبت الرّؤية الإستراتيجيّة:

يقول كثيرٌ من المراقبين إنّ البلدين إنّما جاءا إلى التفاوض في أديس أبابا مكرهين بفعل الأزمة الاقتصاديّة الخانقة التي نتجت عن القرارات المتسرّعة، من جهةٍ، وعن الضّغط من جانب الاتّحاد الأفريقيّ، ومجلس الأمن، من جهةٍ أخرى. فقد أصدر مجلس الأمن قراره رقم 2046، القاضي بضرورة الوصول إلى اتّفاقٍ في مدًى زمنيٍّ محدّد. وضعت حكومة جنوب السودان حلفاءها الغربيّين في وضعٍ غير مريح، حين اختارت، طوعًا، أن تبقى بلا موردٍ اقتصاديّ تقريبًا، وهي الدولة الوليدة ذات الاقتصاد البالغ الضّعف، والبنى التحتيّة المنعدمة تقريبًا. وممّا يؤكّد اهتمام القوى الغربيّة بالضائقة الاقتصاديّة في القطرين، خاصّةً في دولة جنوب السودان، ما جاء في البيان المشترك الذي أصدره كلٌّ من وزيرة الخارجيّة الأميركيّة هيلاري كلينتون، ووزير الخارجيّة النرويجي إسبن إيدي، ووزير خارجيّة المملكة المتّحدة وليم هيغ، ويمثّل ثلاثتهم ما يُسمّى بالثلاثيّة الضّامنة لاتّفاق نيفاشا. ورد في بيان هذه الثلاثيّة: "في الوقت الذي يستعدّ فيه رئيسا السودان وجنوب السودان لعقد مؤتمر القمّة الرئاسيّة في 23 أيلول / سبتمبر في أديس أبابا، تدعو الولايات المتّحدة، والمملكة المتّحدة، والنرويج كلًّا من الحكومتين إلى التوصّل العاجل إلى اتّفاق نهائيّ بشأن جميع المسائل العالقة، كما هو مطلوب بموجب خريطة الطريق التي وضعها مجلس السلام والأمن للاتّحاد الأفريقيّ (AUPSC)، وقرارَي مجلس الأمن الدوليّ رقم 2046 ورقم 2012". ويضيف بيان الثلاثيّة، فيقول: "إنّ من شأن التوصّل إلى حلٍّ نهائيّ للمسائل العالقة، ووضْع حدٍّ للنزاع في المنطقتين، أن يتيح للسودان وجنوب السودان تعزير السّلام الذي تحقّق بفضل اتفاقيّة السّلام الشامل الموقّعة عام 2005. كما أنه سيتيح للحكومتين تركيز الاهتمام على تلبية الاحتياجات الاقتصاديّة، والإنمائيّة، والاجتماعيّة، والأمنيّة لشعبيهما". على الرّغم من أنّ االبروتوكول لم يشمل الجوانب الأمنيّة الرئيسة المتمثّلة في قضيّة أبيي والحرب الدائرة في إقليمَي جنوب كردفان، وجنوب النّيل الأزرق، إلا أنّ الإعلام الحكوميّ في الخرطوم احتفى به، وعرض رسائل التّهنئة التي يقول إنّها وردت من المواطنين، في حملةٍ إعلاميّة مدروسة. ويمكن القول إنّ الضّائقة المعيشيّة الخانقة، وتردّي الأحوال العامّة نتيجة للضائقة الاقتصاديّة، قد جعلا الحكّام وغالبيّة المحكومين في جمهوريّة السودان، لا يفكّرون إلا في مخرجٍ من الضائقة الاقتصاديّة، حتّى لو كان مؤقّتًا.

اتّفاق اقتصاديّ منغلق الأفق:

فكّ هذا الاتّفاق حبل الأزمة الاقتصاديّة من حول عنق حكومة جنوب السودان، وهو حبل أحكمته حول رقبتها بنفسها. وبطبيعة الحال، فإنّ استئناف ضخّ النفط عبر جمهوريّة السودان، وتوافق الدولتين على رسوم عبور للنّفط - التي جاءت أقلّ بكثير ممّا طالبت به حكومة السودان ابتداءً - مضافًا إلى ذلك فتح الحدود للتّجارة البينيّة بين البلدين، سوف تمنح مجتمعةً حكومة السودان متنفّسًا اقتصاديًّا، ولكنّه يبقى متنفّسًا محدودًا، وربّما مؤقّتًا، خاصّةً وأنّ عمر هذا البروتوكول ثلاث سنوات ونصف فقط. فلو تمكّنت حكومة جنوب السودان في هذه المدّة من إنشاء خطٍّ آخرَ لنقل نفطها، فإنّ حكومة السودان سوف تقع في الضّائقة مرّةً أخرى. ولو استمرّ الصّراع في جنوب كردفان، والنّيل الأزرق، ودارفور، على ما هو عليه الآن، فإنّ أيّ انفراجٍ اقتصاديٍّ مؤقّت لن يكون له مردود، خاصّةً وأنّ ديون السودان البالغة 40 مليار دولار، لم يجر إعفاؤها منها بعد. ويعدّ الوصول إلى اتّفاقٍ مع تحالف الجبهة الثوريّة الذي يضمّ القوى الحاملة للسّلاح في جنوب كردفان، والنّيل الأزرق، ودارفور، صمّام الأمان الحقيقيّ من التداعيات المستقبليّة الخطيرة. وهو حلّ في يد حكومة الخرطوم، لكنّها ترفض الأخذ به. وممّا يدلّ، أبلغ الدلالة، على أنّ البروتوكول أهمل الجانب الأهمّ، ما جاء في تعليق ياسر عرمان، الأمين العامّ للحركة الشعبيّة قطاع الشمال الذي رحّب بالاتفاقيّة التي هدفت إلى تطبيع العلاقة بين البلدين الجارين، لكنّه قال إنّ ضمان استقرار المنطقة منزوعة السّلاح التي أقرّتها الاتفاقيّة، يحتاج إلى تعاون الحركة الشعبيّة قطاع الشمال، لأنّها تسيطر على 40% من الحدود بين البلدين، وهي ليست طرفًا في هذا الاتّفاق.

سيادة الآنيّ وغياب الإستراتيجيّ:

إنّ استبعاد حكومة المؤتمر الوطنيّ في جمهوريّة السودان للقوى السياسيّة الأخرى المنافسة لها في السّاحة السياسيّة السودانيّة، والقوى المستنيرة، وعزلها الممنهج لها، وإخراسها الصّوت الناقد لسياساتها بالتّضييق على الصّحافة والصحفيّين، واعتمادها نهج الاتفاقيّات الجزئيّة المنفردة؛ لم ينتج عنه، منذ اتفاقيّة نيفاشا التي قادت إلى انفصال الجنوب، سوى تعميق متزايد للأزمة السودانيّة. فما تبقّى من البلاد لا يزال عرضةً للتّفتيت. وبسبب تسلسل الأخطاء الفادحة، لم تعد حكومة الخرطوم قادرة على اتّباع أيّ رؤية إستراتيجيّة، إذ انحصرت خياراتها في المخارج المؤقّتة، وفي شراء الوقت، مهما قلَّ أمده.

أمّا جنوب السودان، فلا يقلّ عن الشمال اضطرابًا من الناحية السياسيّة، ولا يقلّ عنه انصرافًا عن اتّباع رؤيةٍ إستراتيجيّةٍ طويلة الأمد، تمثّل مصالح القطر الأمّ - الذي جرى الانفصال عنه - عنصرًا رئيسًا فيها. لقد أخطأت حكومة الجنوب الوليدة خطأً فادحًا حين ذهبت بمعظم ثروة الشمال الحديثة الولادة، من دون اكتراثٍ لما سيتعرّض له أهل الشّمال جرّاء ذلك. فحقائق الواقع، والتّداخلات بين دولة جنوب السّودان ودولة السودان تقول إنّ جنوب الجنوب لن يستقرّ من غير أن يستقرّ الشّمال. ولا شيء يمنع حكومة الجنوب من أن تقوم - عقب فترة السنوات الثلاث والنصف القادمة التي هي عمر الاتّفاق - بإنشاء خطٍّ آخرَ لنقل نفطها، ولكن ذلك لن يحقّق لها الاستقرار الذي تنشده. ويبدو أنّ الأجندة الوطنيّة التي يعتمد تحقيقها في البلدين على مراعاة الاعتماد المتبادل بينهما، لم تعد كليًّا في يد الحكومتين، بسبب أخطائهما الفادحة، وبسبب التدخّلات والضّغوط الدوليّة المتلاحقة التي ذهبت بصواب الحكومتين وباتّزانهما.