عن "النيو يورك تايمز":النّفاق يندف جرّاء التسريب/ريتشارد كوهين

عن "النيو يورك تايمز":النّفاق يندف جرّاء التسريب/ريتشارد كوهين

إنّ الحكومة التي فشلت في القبض على أسامة بن لادن أو صدّام حسين ستفشل على الأغلب في القبض على الشّخص الذي سرّب للصحافة أسم عميلة في الCIA. وإنّ هذا المسرّب من واشنطن، والّذي يلعب دور الجنّي مع هاتف، هو تارة طيّب وتارة شرّير، ولكن من المستحيل القبض عليه. فهو، أو هي، يختفي أو تختفي في سوق واشنطن – وهو سوق غريب حيث تتم التجارة بالمعلومات، ويتم اغتيال الشّخصيّة وحيث تفوح رائحة النّفاق.

وقد لعب هذا النّفاق دورًا في خطاب بوش يوم الثّلاثاء حين أعلن ساخطًا الحرب على عمليّة التّسريب، زاعمًا أنّ هناك "عمليّات تسريب أكثر مما يجب". وبهذا فقد أخطأ الرّئيس بكلامه، كعادته. فقد كان قصده إدانة التسريب الذي يضر بإدارة حكومته فحسب. بينما لم يقل شيئًا، حتّى الآن، عن عمليات التّسريب التي تدعم أهدافه.

إنّ عمليّة التّسريب الموجودة الآن قيد التّحقيق هي من نوع خبيث بشكل خاص. فلم يتم الكشف عن هويّة موظّفة الCIA بهدف إعلام الجمهور عن أمر من الضروري أن يعرفوه، بل كان الأمر بهدف إرسال إنذار لأي شخص كان من الإدارة الذي لا يزال يشك في أن العراق كانت تشكل خطرًا وشيكًا وعظيمًا. فقد قيل لنا مرّة أنّ صدام حسين لا يملك أسلحة كيماويّة وبيولوجيّة فحسب، بل إنّه كان يسارع أيضًا لبناء قنبلة ذرّيّة. "إنّنا لا نريد أن يكون المسّدس الذي يعلو الدّخان من فوّهته، مجرّد سحابة على شكل فقع"، قالت كوندوليسّا رايس.

وسبّبت مثل هذه الملاحظات إلى إشرئباب الكثير من الرّقاب داخل الداوائر المخابراتيّة. وكانت مستشارة الأمن القومي قد قالت هذا في نفس اليوم في أيلول 2002 الّذي نشرت فيه النيو يورك تايمز أن العراق "تسعى إلى شراء الآلاف من أنابيب الألومينيوم المصمّمة خصّيصًا" لأجل خطّتها النّوويّة، حيث اقتبست الجريدة أقوالاً "لموظّفين إداريّين"، و"موظّفين أمريكيين" واستنتاجات "لأخصّائيين إستخباراتيين أمريكان".

من الواضح أن مقال التايمز استند إلى الكثير من التقارير – ولكن بنفس القدر من الوضوح، يبدو أنّه كان تعاونًا من موظّفي الحكومة. فقد تعاونوا مع الجريدة لأن المقال تناسق مع أهداف إدارة حكومة بوش – أمّا تضليل التايمز فلم يكن ذات أهميّة بمكان. وإنّ الإعتقاد الآن هو أنّ هذه الأنابيب قد صمّمت لبرنامج أسلحة تقليديّة – ألا وهي الصواريخ.

لسبب ما، فإنّ إدارة بوش لم تدين مثل هذا النوع من التسريب. فبخلاف هذا، قام كل من رايس وتشايني وغيرهم باستعمال المقال عند ظهورهم في برامج الإستضافة على التلفاز في أيام الأحد. وقد كان هذا أمرًا نموذجيًّا. فقد قامت إدارة الحكومة بتسريب واستعمال الاستخبارات مرارًا وتكرارًا لترسيخ قضيّة ضرورة الحرب على العراق. ولكنّها لم تسمح لأي آراء معارضة بالطّفو والظّهور.

أحد هؤلاء المعارضين كان جوزيف س. ويلسون الرّابع، وهو دبلوماسي محنّك كانت الCIA قد أرسلته إلى النيجر ليفحص التّقارير عمّا إذا كانت العراق تحاول حقًّا شراء اليورانيوم من هناك. ولم يعثر ويلسون على أي محاولة من هذا النوع، ولكن لم يؤخذ بتقريره – مثلما قد جرت العادة – بعين الإعتبار إطلاقًا. فقد أشار بوش إلى وجود اليورانيوم في العراق في خطابه إلى الأمّة.

وبعدما كتب والتر بنكاس من الواشنطن بوست عن سفر ويلسون إلى أفريقيا، ظهر ويلسون بنفسه على الملأ في مقال في النيو يورك تايمز. وقد كان هذا في السادس من تمّوز. وفي الرابع عشر من تمّوز، عرّف روبرت نوفاك زوجة ويلسون باسمها على أنّها "عميلة" في الCIA. فقد لعبت دورًا أساسيًّا في إرسال ويلسون إلى أفريقيا، وفق ما كتبه نوفاك.

قد يكون الأمر كذلك. وإذا كان الأمر صحيحًا، فهو قد يثير الإهتمام بشكل معتدل. ولكن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن مسرّبًا آخرًا – يعتقد أنّه موظّف خبير – أخبر الواشنطن بوست بأنّه قد تمّ تسريب أسم فاليري بلايم "بغرض الثأر والانتقام فحسب". وقد نوّهت الواشنطن بوست بأنّه من "النادر لموظّق من إدارة بوش أن يتعرّض لآخر"، وهذا ما حدث فعلاً. فهذا المسرّب هو الذي يحتاج الآن إلى الحماية.

إنّ تسريب أسم بلايم للصحافة، بقدر ما هو "نيكسونيًا" في شرّه، من المفروض أن يكلّف نوفاك تذاكره لمباراة كرة السلّة في جامعة ماريلاند وكذلك مقال يجلد فيه نفسه كاتبًا حول ماذا كان سيكتب لو كان صحفيًا ليبراليًا قد كتب عن نفس الموضوع. ومن المفروض أن يكتب الصحفيون المحافظون، بالأخص هؤلاء الذين تتبعوا كل سهوات إدارة حكومة كلينتون بشغف، مقالات تأنيبيّة ذاتيّة مشابهة. أنا أتشوّق لمثل هذه القراءات اللذيذة – ومطالباتها بتعيين مدّعيًا عامًا مميزًا. (أقترح أن يكون هذا بيل كلينتون).

قد يكون امتعاض الرئيس بوش حيال عمليات التسريب حقيقيًا، ولكن كيف له أن يعرف؟ فكل ما يفعله هو بالكاد إلقاء نظرة على الصحف – خاصّة صفحة الرياضة، كما يبدو. أما بالنسبة لآخرين في الحكومة، فسيهدّد نفاقهم هذا روحهم الخالدة، ما إذا كانت لديهم أصلاً. إنّ ضباب النّفاق كثيف لدرجة أنّني أخشى أنّه سيتم القبض على المسرب في نهاية المطاف. ولا تقلقوا أبدًا، فإنه لن يكون ذلك الشخص الذي سرّب أسم ويلسون وزوجته للصحافة، بل الآخر الذي أفشى بذلك. فإنّ اللوم يقع على أمن البيت الأبيض.

فبطريقة ما، استطاع شخص ذو ضمير أن يتوغّل إلى هناك.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص