فوز ترامب: ضمور الرأسمالية وآلهة الليبرالية

فوز ترامب: ضمور الرأسمالية وآلهة الليبرالية
(أ ف ب)

قوبل انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، كما قوبل، من قبل، التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي،بتعليقات ليست سوى خليط من عدم الفهم الساذج والرفض 'الأخلاقي' الشديد للواقع، وفقًا للمحاضر في كلية القانون بكلية 'ساوس'  في جامعة لندن، باول أوكونيل، الذي أضاف أن 'الفراغ' في تلك الردود يعكس المشكلة المركزية لدى الليبراليين والوسطيين ولدى من يسمّون بـ'اليساريين' وآخرين في البلدان الرأسماليّة المتقدّمة.

وأضاف الكاتب أن التقدم والتنافس الرأسماليين، يرتبطان بشكل أساسي بالديمقراطية التمثيلية المحدودة وسياسة الإجماع، اللتين أثبتتا أنهما غير ملائمتين للمهام التاريخية قبل ذلك؛ بالإضافة إلى أن النظام الرأسمالي في أزمة عميقة تعود، على أقل تقدير، إلى سبعينيات القرن الماضي، نتيجة لانهيار النماذج التقليدية لما أسماها بـ 'السياسات المقبولة'.

وتابع الكاتب أن التراجع في الشيوعية وثّق بشكل جيد من قبل الكاتب بيتر ماير، في كتابه 'حكم الفراغ'، الذي بيّن فيه، عبر تحليلات إحصائية حذرة، أن الديمقراطية في الغرب يجري تجويفها عبر حركة مزدوجة، ألا وهي ابتعاد النخب السياسيّة عن الشعب، وابتعاد الشعب، بالمقابل، عن النخب السياسية.

وهذا، أي تجويف الديمقراطيّة، وفقًا للكاتب، في بعض جوانبه هو التطوّر الطبيعي أو الحتمي للديمقراطيّة تحت نظام الحكم الرأسمالي، 'إذ أنه لا يجب نسيان أن الرأسمالية تمت دمقرطتها بشكل متأخر، فمن 600 عام تقريبًا هي عمر الرأسماليّة، كانت هنالك حقبة وجيزة (30 عامًا تقريبًا) انتشرت فيها الديمقراطية على نطاق واسع، إلى جانب زيادة الرفاهيّة الماديّة للغالب الأعم من الشعب، وحتّى حينها، كان ’العصر الذهبي’ هذا حبيس الدول الرأسمالية المتقدمة، شمالي الكرة الأرضية'.

ووفقًا للكاتب، فإن الناخبين الأميركيين وجدوا أنفسهم أمام خيارين اثنين في الانتخابات الرئاسية: الأول، مشعوذ وشعبوي، يحشد للعنصريّة والخوف من كل ما هو أجنبيّ، أثناء حديثه للناس 'العاديين' مدّعيًا الوقوف معهم أمام 'النظام'. والثاني، أي السيّدة كلينتون، الوكيل الموثوق والمنتقى بعناية للوضع القائم (ستاتو كوو).

إذًا، حينما كان التيار السائد والمعلقون السياسيون وهلّم جرّا ممن اعتبروا كلينتون جزءًا منهم، يشيّدون بحملتها الانتخابيّة في كل خطوة من طريقها نحو الرئاسة، لأنهم، ببساطة، لم يتصوروا ترامب كذلك، لم يفهموا نداء ترامب، لأنهم، في طرق مختلفة، يسكنون، بشكل ملموس، في العالم السياسي، الاقتصادي والثقافي الذي ترأسه كلينتون، حيث عالم الأعمال، كما المعتاد، له معنى. هم لم يستطيعوا فهم عالم الناس التي هُمِّشت ونُفّرت وأُفقِرَت من قبل النظام، حتى أنها علّقت آمالها على شخص مشعوذ مثل ترامب، وفقًا لما دوّنه الكاتب.

ومثل انتصار أنصار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يظهر انتخاب ترامب السرعة التي تتبخر بها صلابة الوضع القائم.

ويستنتج الكاتب أن الأزمة المعاصرة البنيوية للرأسمالية عميقة وعويصة، وأن النماذج القائمة للسياسات الديمقراطية، والأطر المرجعية الليبرالية (التي تعتقد أن كل أزمة يمكن حلها من داخل النظام القائم نفسه)، هي، بوضوح، غير كافية للمهام التي تقضي بفهم اللحظة الراهنة أو تخطيّها.

المطلوب الآن، وفق الكاتب، هو إعادة مأسسة جديّة للأفكار الاجتماعية والممارسات السياسيّة، إذ أنه فقط الحركات السياسية المرتبطة بالأفكار المبتكرة، التي تقدّم بديلًا حقيقيًا للوضع الاجتماعي الراهن، ستقاوم ارتفاع المدّ العكسي الواضح حول العالم.

هذه الردود الجماهيريّة التي تركت المعلقين السياسيين 'يحكّون' رؤوسهم، ومن ثم بدلًا من التفكير النقدي الهادف، تسرّعوا بإلقاء اللوم على كل ما يحيطهم، قائلين إنها مشكلة المصوّتين أولًا، أو إنها خطيئة الإف.بي.آي وكومني، أو إنه الغضب والتصويت العرقي. يلومون كل شيء عدا النظام نفسه؛ وهنا بيت القصيد: النظام أصبح جزءًا من الشرخ الراهن، وبالطبع، يقدّم ترامب بديلًا خاطئًا بينما يتطلع اليسار إلى إصلاحه.  يتعامل هؤلاء بغضب مع نتائج الانتخابات ويصدمون من عدم امتنان الشعب لجهودهم للحفاظ على الأوضاع كما هي عليه.

الدرس الذي يمكن تعلمه من انتصار ترامب ومن صعود ردود فعل اليمين حول العالم، بحسب الكاتب، هو أن 'المعادلة' القديمة للحل (من داخل النظام) لم تعد مجدية.

وخلص الكاتب إلى القول 'إن كان انتخاب ترامب يثير استياءَك، وصعود اليمين في أوروبا وفي كل مكان آخر يرعبك، وبتَ تدرك الآن أنه لا خلاص مع الآلهة الليبراليّة الحاليّة، سواءً ألزمت نفسك بتحدي جذور وأفرع النظام الرأسمالي، أو اخترت رهن نفسك لترامب، اعلم أن البربريّة وما سواها قادمة لا محالة'.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018