حملة واسعة ضد كوربن بسبب انتقاداته لإسرائيل

حملة واسعة ضد كوربن بسبب انتقاداته لإسرائيل
كوربن بمخيم الزعتري للاجئين السوريين بالأردن، حزيران الفائت (أ.ب.)

تشن الصحف الإسرائيلية والصحف اليهودية في بريطانيا، في الأيام الأخيرة، حملة إعلامية واسعة النطاق ضد زعيم حزب العمال البريطاني، جيرمي كوربن، بسبب مواقفه السياسية المناهضة لإسرائيل وسياستها تجاه الفلسطينيين. وبسبب هذه المواقف يتهم الإسرائيليون وسياسيون يهود بريطانيون كوربن بـ"العداء للسامية" ويوظفون المحرقة بشكل خبيث. وتستهدف الحملة ضد كوربن حزبه أيضا، الذي يشكل المعارضة الرئيسية لحكومة حزب المحافظين، وهي حملة غير مسبوقة ضد زعيم سياسي بريطاني. وتأججت الحملات ضد كوربن في السنوات الأخيرة، خاصة عندما تظهر استطلاعات الرأي تزايد شعبيته وارتفاع احتمال تشكيله حكومة.

وفي إطار هذه الحملة، صدرت ثلاث صحف مركزية في المجتمع اليهودي البريطاني في نهاية الأسبوع الماضي بافتتاحية مشتركة، اعتبرت فيها أن "حكومة بقيادة جيرمي كوربن ستشكل خطرا وجوديا على حياة اليهود في هذه الدولة"، وأن كوربن متسامح تجاه المعادين للسامية. ولفتت وسائل إعلام إسرائيلية أمس، الثلاثاء، إلى أن هذه الخطوة من جانب الصحف اليهودية في بريطانيا جاءت مفاجئة للغاية، لأن هذه الصحف تعمل بصورة مسؤولة تجاه مجتمعها.

وبسبب مواقف كوربن وأعضاء قياديين في حزبه من سياسات وممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين، اتهم قياديون يهود من حزب العمال البريطاني وخارجه كوربن وقياديين في حزبه بأنهم معادون للسامية. ويذكر أنه خلال هذه السنوات أبعد كوربن نشطاء من حزبه لإطلاقهم تفوهات تندرج ضمن العداء للسامية، كما أن كوربن يعتبر أحد أبرز مناهضي العنصرية في بريطانيا.

وتدعي الصحف اليهودية في بريطانيا، وكذلك الصحف الإسرائيلية، أن الحملة الحالية ضد كوربن وحزب العمال، جاءت بسبب وضع حزب العمال تعريف للعداء للسامية لا ينسجم مع تعريف التحالف الدولي لذكرى المحرقة (IHRA)، الذي يتبناه أحزاب ومنظمات في بريطانيا وخارجها.

وبين أبرز أعضاء حزب العمال الذين طُردوا من الحزب بسبب اتهامات بمعاداة السامية هو رئيس بلدية لندن السابق، كين ليفينغستون، بعد تصريحه بأن قياديين في الحركة الصهيونية تعاونوا مع النازية من أجل نقل اليهود من ألمانيا إلى فلسطين، أثناء الحرب العالمية الثانية. وطرد قياديين من صفوف حزب العمال لم يوقف الحملة ضد كوربن، وإنما صعدها، ما يدل على أن المسألة لا تتعلق بمعاداة السامية وإنما بمناهضة سياسات وممارسات إسرائيل.

ويتبين أن كوربن لم يرفض التعريف الدولي للعداء للسامية، وإنما رفض البند الذي يصف مساواة إسرائيل، بسبب ممارساتها واحتلالها، وألمانيا النازية بأنه أحد أشكال العداء للسامية. كما يصف كوربن إسرائيل بأنها "مشروع عنصري"، وشدد على أن توجيه الانتقاد لإسرائيل ليس موجها ضد اليهود. كذلك رأى كوربن أن مقولة ولاء اليهود المؤيدين بشدة لإسرائيل، في بريطانيا مثلا، يفوق ولاءهم لبريطانيا ليس فيه تجنّ. ويشار في هذا السياق إلى أن الكثيرين من السياسيين الإسرائيليين، وفي مقدمتهم رئيس الدولة، رؤوفين ريفلين، حذروا مؤخرا من أن سن الكنيست لـ"قانون القومية" العنصري من شأنه أن يمس باليهود في دول العالم، وذلك لأن هؤلاء يدافعون عن إسرائيل وسياستها وممارساتها.

"استخدام غير أخلاقي للمحرقة"

دفع إصرار كوربن على عدم الرضوخ لإملاءات إسرائيل في تعريف العداء للسامية، قياديين يهود في حزب العمال البريطاني إلى مواجهته بالشتائم. ووصفت عضو البرلمان اليهودية عن حزب العمال، مرغريت هودج، كوربن بأنه "معاد للسامية" ووجعت له شتائم بذيئة، بسبب تعريف الحزب للعداء للسامية.

واعتبر عضو البرلمان أيان أوستين، وهو يهودي أيضا، أن على كوربن التنحي عن قيادة الحزب لأنه "ليس ملائما للمنصب"، وقال إنه "يخجل بحزب العمال الذي تحول إلى مياه آسنة". وجنّد أوستين المحرقة التي ارتكبها النازيون الألمان، قائلا إنه "تربيت على قصص والدي حول هروبه من المحرقة وقصص والدته وشقيقاته اللواتي قُتلن. وهذا ما دفعني للانضمام في صباي إلى حزب العمال، بسبب إصراري على محاربة الفاشية"، وأن كوربن يؤيد المتطرفين والمعادين للسامية ويدافع عنهم. وسيمثل أوستين وهودج أمام محكمة الطاعة التابعة لحزب العمل في خطوة قد تؤدي إلى طردهما منه.

من جانبه، اتهم الأديب اليهودي والناشط اليساري، ديفيد روزنبرغ، هودج بـ"استخدام غير أخلاقي" للمحرقة، بهدف "دفع مكانتها قدما". لكن صحيفة "يسرائيل هيوم" ادعت أن "روزنبرغ سعى من أجل إسكات النقاش حول العداء للسامية داخل حزب العمال". وكان روزنبرغ قد اتهم قادة الجالية اليهودية في بريطانيا بأنهم "كلاب مطيعة للمحافظين".

في غضون ذلك تعالت أصوات في وسائل إعلام بريطانية تدعو زعماء حزب العمال إلى الانشقاق عنه وتأسيس حزب جديد، ما يعني القضاء على خصم جدي لحزب المحافظين اليميني، وذلك من خلال استغلال عدة جهات، بينها المحافظون واللوبي الإسرائيلي، لمسألة تعريف "العداء للسامية".

وقال وزير الخارجية السابق في حكومة ماي، بوريس جونسون، إن توجيه الانتقادات لإسرائيل بسبب ممارساتها ضد الفلسطينيين هو أمر شرعي، لكنه اعتبر أن "كوربن بالغ في ذلكن فهو يعتقد أنه بالإمكان الادعاء أن وجود إسرائيل عنصري وأن الصهيونية تساوي العنصرية. لكن عندما يفعل ذلك، عن قصد أو بدون إدراك، فإنه يمنح شرعية لمهاجمة ملايين اليهود المؤيدين لإسرائيل. وهو مثل المقربين منه، يؤمن فعلا بأن الغرب مسؤولا عن كافة المشاكل في الشرق الأوسط".

وتأتي هذه الحملة في فترة سياسية حساسة في بريطانيا، حيث تواجه رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، استقالات وزراء وانتقادات على خلفية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والأزمة الاقتصادية التي قد تتسبب بها هذه الخطوة. وتتخوف حكومة المحافظين من أن هذه الأزمة قد تؤدي إلى خسارة الحكم لصالح خصمها، حزب العمال بزعامة كوربن. وهذا التخوف دفع إسرائيل، التي تتعرض لانتقادات شديدة من جانب كوربن وقياديين في حزب العمال، إلى الانضمام إلى الحملة ضده، مستغلة موضوع "العداء للسامية"، في الوقت الذي تتعالى فيه انتقادات في إسرائيل ضد نتنياهو وحكومته بسبب توثيق تحالفها مع حكومات دول يتفاقم فيها العداء للسامية، وبينها بولندا وهنغاريا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018