كيف أفضت حرب بن سلمان السيبرانية إلى تعاون استخباراتي سعودي إسرائيلي؟

كيف أفضت حرب بن سلمان السيبرانية إلى تعاون استخباراتي سعودي إسرائيلي؟
بن سلمان خلال زيارته للولايات المتحدة (أ ب)

كشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركيّة، اليوم السبت، سيرورة الحرب السيبرانيّة التي بدأها المستشار السابق في الديوان الملكي، سعود القحطاني، قبل 10 أعوام، وجذب إليها ولي العهد المندفع، محمد بن سلمان، وانتهت بتعاون استخباراتي سعودي مع إسرائيل وجريمة قتل الصحافي البارز جمال خاشقجي البشعة، قبل شهرين.

واتهمت الصحيفة المرموقة الولايات المتحدة والإمارات وإسرائيل ودولًا أخرى، "دعمت سياسات السعودية في محاربة التطرف" بشحذ الأدوات ثنائيّة الاستخدام التي استخدمها بن سلمان في اغتيال خاشقجي. "لقد وعد بن سلمان بالتغيير، لكن انتهى به المطاف في حالة عدم استقرار. ترسانته الرقمية التي جمعها أصبحت أداةً لتوطيد حكمه الاستبدادي. دخل بن سلمان فضاء المعلومات مسلحًا بمنشار عظم".

أمّا نقطة انطلاق الصراع (نحو الهيمنة الرقميّة) كان من مركز الدراسات والشؤون الإعلامية بالديوان الملكي السعودي في الرياض، الذي يشرف عليه القحطاني، الذي وصفته الصحيفة بأنه "مسؤول ذكي وطموح في البلاط الملكي" وشبّهته بلعب دور شخصيّة "إياجو" في مسرحيّة شكسبير الشهيرة "عطيل" (أي رجل المهمات القذرة) أمام رؤسائه، "حتى لو كان رئيسه يعاني من جنون العظمة".

في بداية عمله في مجال السيبر، تعاون القحطاني ومركزه مع شركة "هاكينغ تيم" الإيطاليّة، وبعد ذلك بدأوا بشراء منتجات من شركتين إسرائيليّتين، هما مجموعة NSO وشركتها التابعة لها Q Cyber Technologies، كما كشفت الصحيفة أن التعاون الإسرائيلي السعودي ارتبط بشركة إماراتيّة تدعى DarkMatter، بسحب ما نقلت عن مصدر موثوق طلب عدم الكشف عن اسمه بسبب حساسيّة القضايا الاستخباراتيّة.

وبعد ذلك، بدأ القحطاني ببناء ترسانة ضخمة خولته من مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي والتلاعب بها للدفع بأجندة بن سلمان ورؤيته ولقمع معارضيه وأعدائه.

متى بدأ العمل لبناء هذه الترسانة؟

أما متى تم البدء ببناء هذه الترسانة؟ فإن الصحيفة تقول إنه بدأ قبل أكثر من 10 سنوات، أثناء عمل القحطاني لصالح الملك عبد الله، إلا أن الهجوم السيبراني الإيراني على السعوديّة عام 2012 عطّل الحواسيب السعوديّة، واحتاج إصلاح العطل إلى أكثر من ستّة أشهر.

أما الاهتمام الفعلي ببناء ترسانة جديّة كان في العام 2011، مع اندلاع الثورات العربية في تونس ومصر واليمن والبحرين وسورية، إذ خشي النظام السعودي المنغلق جدًا، وفقًا للصحيفة، أن يكون الوجهة المقبلة ما أطلق عليها "احتجاجات الهاشتاغ" (في إشارة إلى الدور الكبير الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي أثناء ثورة الربيع العربي).

ومن أجل مراقبة هواتف السعوديّين، وسط خشية النظام السعودي من رياح الربيع العربي العاتية، اشترت الاستخبارات السعوديّة في عام 2013 تكنولوجيا من شركة "هاكينغ تيم" يمكن أن تخترق هواتف آيفون وآيباد، كما سعت في العام 2015 لشراء تكنولوجيا من الشركة ذاتها لاختراق هواتف آندرويد.

ومع وصول الملك سلمان للحكم عام 2015، ووصول ابنه، محمد، معه إلى الديوان الملكي، أراد القحطاني أن يثبت ولائه لبن سلمان، رئيسه الجديد. وبالفعل، نجح القحطاني في ذلك وجعل نفسه شخصيةً لا غنى عنها عند بن سلمان... والشخصية الأخطر في الدائرة المحيطة به، كذلك. ومع اختيار بن سلمان وليًا لوليّ العهد، في نيسان/أبريل 2015، أصرّ القحطاني على تعزيز العمليات السيبرانيّة، وطلب في حزيران/يونيو 2015 من رئيس شركة "هاكينغ تيم" "قائمة كاملة من الخدمات التي تقدّمها شركتكم الموقّرة" واقترح "شراكةً طويلة وإستراتيجيّة".

وفعلًا، تطورت "الشراكة الإستراتيجيّة" بين السعودية والشركة إلى الحدّ الذي أنقذت السعودية فيه الشركة من الإفلاس بعد فضائح موقع "ويكيليكس" عام 2015، إذ اشترت شركة قبرصية تدعى "تابليم" يملكها رجل أعمال سعودي من عائلة القحطاني 20% من أسهم الشركة في منتصف عام 2016.

المزيد من التقنيات

ورغم الحصول على التقنيات الإيطاليّة، إلا أن بن سلمان أراد الحصول على تقنيات متطورة أكثر، وفق ما نقلت الصحيفة عن مصادر سعوديّة وأميركيّة، مثل التطور السريع الذي قامت به الشركة الإماراتية DarkMatter، ورغم إمكانية أن تقوم الشركة الإماراتية بتزويد بن سلمان بما يريده، إلا أنه أراد أن تكون له أنظمة تكنولوجية حديثة أكثر خاصة به.

وانضمّت السعوديّة إلى حقل مكتظّ، إذ كان انتشار الأسلحة السيبرانية يتسارع في جميع أنحاء العالم، ويعود جزء كبير من ذلك إلى حماسة الولايات المتحدة لأي شيء يمكن وصفه بـ"مكافحة التطرف العنيف"، إذ يقول مسؤول أميركي سابق الذين تعاملوا مع الديوان الملكي سابقًا حول القضايا السيبرانيّة إن "السعوديون شعروا أنه طالما أنهم يقومون بقمع التطرف، فإن لديهم شيكًا لى بياض لملاحقة الناس في بلادهم أيضًا".

وقال المسؤول الأميركي السابق إنّ طبيعة السايبر تتوافق مع شخصيّة بن سلمان الذي يفضّل "الإستراتيجيّات عالية المخاطر، مع تقليله من خطورة الارتطام، ولا يفكّر أبدًا في أية عواقب وخيمة" وإن هذه التقنيات كان من الممكن أن تكون أقل خطرًا لو استخدمت من قبل مختصين في الاستخبارات السعوديّة، إلا أنها أصبحت، لاحقًا، أداةً سياسيّة لمحمد بن سلمان، ورجل حاشيته القوي، القحطاني.

وتسارع سعي المملكة لتحقيق الهيمنة الرقمية في العام 2017، لعدّة أسباب، إذ شعرت الدائرة المحيطة ببن سلمان بالتهديد من الأقطاب داخل الأسرة الحاكمة، خاصةً بعد تقارير أميركية غامضة عن تعرضه لمحاولتي اغتيال في العام 2017، فردّ بن سلمان على المحاولتين بانقلاب استباقي داخلي أطاح بمحمد بن نايف من ولاية العهد، ومن ثم احتجاز أكثر من 200 مسؤول سعودي في الـ"ريتز كارلتون" في تشرين ثانٍ/نوفمبر من العام نفسه.

في أحضان إسرائيل

ومع احتدام معارك بن سلمان الداخلية والخارجية، مع حصاره قطر وحربه في اليمن ومحاربته إيران، كان المركز الذي يديره القحطاني يخوض معاركة على أكثر من جبهة ضد أعداء حقيقيين ومتخيّلين، سعى ين سلمان إلى المزيد من التكنولوجيا المتطورة.

كان السعوديون يعرفون أن الشركات الإسرائيليّة تملك الأدوات الرقمية الأكثر تطورًا، ووفقًا لمصادر أميركية وأوروبية وسعودية، فإن السعوديين سعوا، بشكل متزايد، إلى شراء هذه التكنولوجيا من شركات الإنترنت الإسرائيلية.

وكانت النتيجة ذلك واحدًا من أكثر التحالفات الاستخباراتية إثارة في تاريخ الشرق الأوسط، حيث بدأت الشركات الإسرائيلية بمشاركة بعض السعوديين بأسرارها الإلكترونية. كانت صفقة شيطانية وعلى النحو الآتي: حصلت إسرائيل على حليف "سني عربي" (بتعبير "واشنطن بوست") ضد إيران، في مقابل حصول بن سلمان على أدوات جديدة لمحاربة أعدائه الداخليين.

ولفتت الصحيفة إلى أن التعاون الاستخباراتي السعودي الإسرائيليّ يحقق لإسرائيل فرصة لجمع المعلومات حول السعودية نفسها.

ويقول ثلاثة مسؤولين سابقين في الولايات المتحدة إن السعوديين سعوا إلى شراء نظام متطور للقرصنة الهاتفية يدعى بيغاسوس، على وجه التحديد، تم إنشاؤه من قبل شركة NSO الإسرائيليّة.

وعمل المسؤولون السعوديّون جزئيًا مع شركة تابعة لـNSO اسمها Q Cyber Technologies، ومقرّها في اللوكسمبيرغ، كشفت الصحيفة أنها تتعاون بشكل مباشر مع السعوديين، ومساعدتهم على حلّ المشاكل التي أعقبت نشغيل أنظمة المراقبة السيبرانيّة.

ووعدت شركة "كيو سايبر" السعوديّة بأنها تستطيع الوصول إلى أهداف في أكثر من خمس دول في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى عدد دول أكبر في أوروبا، ورغم أنّ الإسرائيليين شعروا بالخطر من مشاركة معلومات استخباراتيّة كهذه مع السعودية، إلا أن البيع تمت المصادقة عليه من قبل الحكومة الإسرائيليّة.

وقامت السعودية باستخدام تقنيّة "بيغاسوس"، بعد الحصول عليها، لاستدراج عدد من معارضي ومنافسي محمد بن سلمان، منهم الكاتب السعودي البارز، جمال خاشقجي، الذي انتهى تعقبّه إلى الطريقة الشنعة التي قتل بها في الثاني من تشرين أول/أكتوبر 2018.