خلفاء ماي... إنهم محكومون بالفشل

خلفاء ماي... إنهم محكومون بالفشل
ماي قبل كلمتها اليوم (أ ب)

بإعلانها عن استقالتها، الجمعة، في غضون أسبوعين، أصدرت رئيسة الوزراء البريطانيّة، تيريزا ماي، حكمًا ليس على هزيمة حزبها، المحافظين، الوشيكة في الانتخابات الأوروبيّة الأسبوع الجاري فقط، ولا على ولايتها القصيرة والصعبة فحسب، إنما على مستقبل الحزب نفسه، فأيًا كان خليفها، فمصيره ليس بعيدًا عن الفشل الذي منيت به ماي.

فحسب مجلّة "فورين بوليسي" الأميركيّة، فإن الحال الذي تركت به ماي حزبها، يترك يأسًا عن أعضاء بارزين فيه من قدرته على التعافي، خصوصًا مع سعي الحزب للحصول على دعم حزب "بريكست" المتشدّد، الذي يفضّل قطع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ومغادرته دون اتفاق على الإطلاق.

وشبّه أحد الوزراء السابقين عن حزب المحافظين بريكست بالسرطان الذي يسيطر على الحزب، "أعضاء الحزب في البرلمان مع الخروج من الاتحاد الأوربي. رئيس الحكومة المقبلة يجب أن يكون مؤيدًا صلبًا للخروج من الاتحاد الأوروبي، لكنه ليس واضحًا أبدًا إن كان سيحصل على اتفاق مختلف غير ذلك التي حصلت عليها ماي"، يأتي ذلك بينما يعِد المرشحون المحتملون لخلافة ماي في زعامة حزب المحافظين بـ"اتفاق جديدة" مع بروكسل "يبقي امتيازات العضوية دون تبعات الخروج"، غير أن الوزير السابق قال إن "هذا، ببساطة، غير قابل للتطبيق".

في حين قال رئيس تحرير موقع "بوليتيكس" البريطاني، المؤيّد للبقاء في الاتحاد الأوروبي، إيال دانت، إن "بريكست كسر رئيسة الوزراء، مثلما كسر رئيس الوزراء الذي سبقها، وهكذا سيكسر رئيس الوزراء المقبل" ويدّعي دانت أن هناك خيارين أمام زعيم حزب المحافظين المقبل، "إما إلغاء بريكست، وهو ما لن يفعلوه، أو أن يكونوا صادقين مع الشعب بشأن تبعات الخروج، وهذا ما لن يفعلوه، أيضًا"، وينتهي إلى القول "سيستمر ذلك بالحدوث إلى أن يأتي شخص شجاع بما فيه الكفاية ليقول ما هو واضح للغاية: إنّ الخروج خطأ فظيع".

وتأتي مغادرة ماي بعد أشهر من الاتهامات المتبادلة والاقتتال داخل حزبها بشأن اتفاق الانسحاب الذي تفاوضت عليه مع الاتحاد الأوروبي، وهو اتفاق فشل تمريره ثلاث مرّات في البرلمان، وهي أكبر هزيمة تاريخيّة لرئيس وزراء بريطاني، تحقّقت بفضل تمرد كبير من المحافظين المتطرفين المؤيدين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وساهمت انتخابات البرلمان الأوروبي، التي تشارك فيها بريطانيا، على عكس ما كان متوقعًا، في زيادة الضغوط على ماي، إذ كان من المفترض أن تترك المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي في 29 آذار/ مارس الماضي، لكن مع عدم تمكن مجلس العموم من الموافقة على الاتفاق، سمحت بروكسل بتمديد مدته ستة أشهر، ما استلزم مشاركة بريطانيا في انتخاب برلمان أوروبي جديد. وهو ما مهّد الطريق أمام احتجاجات كبيرة من قبل الناخبين الغاضبين من فشل ماي في الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حزب المحافظين سيتراجع إلى 14٪ من مجمل الأصوات، في حين سيحصل حزب العمال على 23٪ من الأصوات، أما المفاجأة الأكبر، فهي حصول حزب "بريكست"، حديث النشأة على 31٪.

ورغم أن استطلاعات الرأي تشير، كذلك، إلى رغبة غالبيّة البريطانيين في البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعدّ تحولًا كبيرًا في الرأي العام، لكنّ الأحزاب البريطانية المؤيدة للبقاء داخل الاتحاد الأوروبي ما زالت غير قادرة، حتى الآن، على تلقّف هذا التوجّه وترجمته على أرض الواقع.

جونسون الأوفر حظًا لخلافة ماي (أ ب)
جونسون الأوفر حظًا لخلافة ماي (أ ب)

وباستقالتها، تعترف ماي، فعليًا، أن اتفاقها مع بروكسل ليس أمامه أيّ فرصة لأن يُمرّر أمام البرلمان البريطاني.

وسيكون على حزب المحافظين، خلال الفترة المقبلة، اختيار زعيم جديد له، سيكون على الأرجح، وزير الخارجية السابق، بوريس جونسون، ينافسه في ذلك وزير بريكست الأسبق، جيرمي هانت، ووزير الماليّة مايكل جوف، وجميعهم من المؤيدين الشديدين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، رغم أنهم ليسوا جذريين في تأييدهم لذلك مثل جونسون.

ودعا جونسون أكثر من مرّة إلى قيادة أكثر حزمًا وإلى موقف تفاوضي أكثر صرامة مع بروكسل، وحدّد الحادي والثلاثين من تشرين أول/ أكتوبر المقبل، موعدًا للخروج من الاتحاد الأوروبي "مع اتفاق أو بدونه"، على الرغم من أن كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي، ميشيل بارنييه، قال مرارًا إن اتفاقية الانسحاب لن يتم إعادة التفاوض عليها.

ووفقًا لجونسون، فإن "الطريق للحصول على اتفاق جيّد، هو التحضير للخروج دون اتفاق"، على الرغم من التحذيرات من قطاعي البنوك والأعمال بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي مع دون اتفاقات تجارية سارية قد يسبب انتكاسة اقتصادية خطيرة. ففي تشرين ثانٍ/ نوفمبر 2018، حذّر حاكم بنك إنجلترا من أن الاقتصاد البريطاني سينكمش بنسبة تتراوح بين 4.75 في المائة و 7.75 في المائة على مدار ثلاث سنوات بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وعلى الأرجح، ستكون فترة رئاسة جونسون قصيرة. والمحافظون هم بالفعل أقلية في البرلمان ويعتمدون على اتفاق مع الحزب الاتحادي الديمقراطي الصغير في أيرلندا الشمالية، الذي يعارض خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، للحصول على أغلبية. وبدون دعم الحزب الاتحادي الديمقراطي، سيكون جونسون، أو غيره من رؤساء حزب المحافظين المقبلين، مجبرًا على الدعوة لإجراء انتخابات عامة مبكرة، وهو الأمر الذي يدفع باتجاهه حزب العمال منذ أشهر.

وبدون انتخابات عامّة، سيواجه زعيم المحافظين الجديد نفس المشكلات بالضبط، ونفس التعقيدات البرلمانية، التي واجهت ماي، تمامًا.

ويعارض عدد كبير جدًا من النواب من كلا الجانبين من مجلس العموم اتفاقية الانسحاب، لأن بعضها يبقي بريطانيا قريبة جدًا من الاتحاد الأوروبي، والبعض الآخر لأنهم يعتقدون أن البقاء فيها سيكون أفضل اتفاق على الإطلاق. وفي حالة عدم حدوث أي تقدم في بروكسل، سيجد خليفة ماي قريبًا نفسه في نفس الورطة.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية