الزراعة في زمن الوباء.. داءٌ لكل كساد

الزراعة في زمن الوباء.. داءٌ لكل كساد
فلاحون في غزّة (أ ب أ)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقالِ الكتابة راكيل جولدست، المحاضرة والباحثة في علوم البيئة بجامعة لا تروب في ملبورن أستراليا، نشرت المقالة في مجلة "ذي كونفيرسيشن".


عند الإعلان عن حالة الفوضى العالميّة سياسيًا واقتصاديًا، عادة ما يلجأ الناس إلى بستنة حدائقهم الصغيرة أمام البيت لتصبح عمليّة تفليحها واستصلاحها ملاذًا آمنًا من تلك الفوضى، ولهذا اللجوء سياقًا تاريخيًا.

منذ الكساد الاقتصادي الأول الذي ضرب أستراليا عام 1892، علت أصوات كثيرة تدعوا الناس للعودة إلى مزارعهم الصغيرة أو قطع الأرض المحاذية لمداخل البيوت، بهدف استصلاحها وزراعتها كرد فعل مادي على الضائقة الاقتصادية. وشهدت أستراليا ارتفاعًا كبيرًا في إنتاج الغذاء الحضري خلال المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر.

ويُذكر أن الإنتاج المحلي الصغير يُعتبر الطريقة الأكثر ملاءمة للتأكد من حصول المجتمعات المحلية على الطعام الطازج. ولكن مع بداية ظهور الركود الاقتصادي العميق، انطلقت الكثير من الدعوات التي تحاول جذب الناس إلى الأرض وتقريبهم منها. فشرع جيل جديد من العمال الحضريين إلى البحث عن الأمن والاستقلالية والفرص في الاكتفاء الذاتي الريفي.

توضيحيّة (Pixabay)

بستنة الحديقة

إن هذه الحركة التي تدعو إلى زراعة الأطعمة الحضرية في أيامنا هذه هي من دافع اقتصاديٍ مُلِح، ولكن من هذه النافذة قد نرى ممارسة إنسانيّة تعزّز علاقة الإنسان بالأرض، وتعيد الإنسان إلى أصوله حيث كان يأكل ويعمل وينام على الأرض ومن خلالها.

ونستذكر التعاونيّة الزراعيّة الصغيرة التي أطلقنها نساء من ملبورن الأستراليّة عام 1914، التي تأسست كحاجة ضرورية للإسهام في إنتاج المواد الزراعيّة وإنعاش الاقتصاد الفردي، خلال فترة الحرب العالميّة الأولى، من أجل توفير التحرر الاجتماعي والاقتصادي أيضًا.

إن الظرف الاقتصادي الصعب والذي يتطلب تعاونيّة مجتمعيّة، سمح للنساء بالخروج من دائرتي العمل المنزلي والصناعيّ، وحمل الإنتاج الزراعي رسائل اجتماعيّة تعيد تفسير الإنتاج وضروراته، ولا سيّما إعادة التعريف بدور المرأة اجتماعيًا وإمكانات خروجها عن مسلك الزواج القسري أو عملها في المصنع، لتعمل بتفليح قطعة الأرض وتستفيد من خدمات إنتاجها.

قارورة زراعية بيتيّة (Pixabay)

وأعاد الهيبيون في سبعينيات القرن الماضي، نداء الدعوات العالميّة للجوء للأشغال اليدويّة المنزليّة وإنتاج المواد الحضريّة من خلال زراعتها في الأراضي، كانت هذه أنشطة بسيطة في المنزل حققت أيضًا رغبتهم في وضع حدود بيئية وتحمل المسؤولية عن استخدام الموارد الشخصية.

ولم تكن زراعة الطعام حنينًا فحسب، بل عكست عدم الثقة في الإعلانات والمصالح التجارية ورفضًا عامًا للاستهلاكية والعمالة والمواد خارج المنزل.

(أ ب أ)

وبتنا نشعر في أيامنا هذه أن هناك تحركًا عفويًا للمجتمعات الريفيّة القرويّة، بالعودة إلى أراضيها وحدائقها من أجل تفليحها بعد أن أنهكتها الحالة الاستهلاكية. وتلجأ المجتمعات للزراعة والأرض لكي تعيد سيطرتها على رغباتها وحاجاتها من أجل الشعور بالأمان، نعم إن الزراعة عند مدخل البيت قد لا تلبي كل الرغبات والحاجات، لكنها بالتأكيد تجلب السيطرة والهدوء.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"