الشرق الأوسط في عهد بايدن: الابتعاد عن إرث ترامب.. وعن الأسئلة الملحّة

الشرق الأوسط في عهد بايدن: الابتعاد عن إرث ترامب.. وعن الأسئلة الملحّة
بايدن (أ ب)

تأثّرت المنطقة العربية كثيرًا بسياسات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. فلسطينيًا، اعترف ترامب بالقدس عاصمةً لإسرائيل ونقل السفارة الأميركيّة إليها واعترف بالمستوطنات وبضمّ الجولان، ولاحقًا أصدر "صفقة القرن"، وتبنّى فيها مقاربات الاحتلال كاملًا.

وفي السياق العربي الأوسع، اندلعت الأزمة الخليجيّة بعد أشهر من دخول ترامب إلى البيت الأبيض، وتبيّن لاحقًا أنها جرت بتنسيق كامل مع صهره وكبير مستشاريه، جاريد كوشنر، ما أدّى إلى استقالة وزير خارجيّته حينها، ريكس تيلرسون. وأطلق ترامب يدّ وليّ العهد السعودي، محمد بن سلمان، فانقلب على محمد بن نايف أولا وأطاحه من ولاية العهد، واعتقل أمراء بارزين وصادر جزءًا من ثرواتهم، وصولا إلى "التواطؤ" بين ترامب وبن سلمان في التستّر على تبعات اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، واستمرار حرب اليمن.

كما تربط ترامب علاقة وثيقة بالرئيس المصريّ، عبد الفتاح السيسي، وولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، وأخرى متذبذبة مع الرئيس التركي، رجب طيّب إردوغان، اشتكى صحافيّون أميركيّون من شدّتها، بينما شهدت علنًا فرض عقوبات أضرت بالليرة التركية كثيرًا.

أمّا إيران، فشهدت خلال سنوات ترامب عقوبات شديدة إضافيّة وخروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي واغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، بالإضافة إلى التوترات في الخليج العربي، وكادت أن تصل إلى عمل عسكري بعد إسقاط طائرة أميركية بدون طيار في الخليج العربي.

ترامب وبن سلمان (أ ب)
ترامب وبن سلمان (أ ب)

بالإضافة إلى ذلك، أنهى ترامب ولايته الأولى عبر سلسلة اتفاقيّات أبراهام بين إسرائيل وثلاث دول عربيّة، هي الإمارات والبحرين والسودان، الذي ابتزّه ترامب بالتطبيع مقابل رفع العقوبات.

وتجعل هذه التطوّرات من فوز أو خسارة ترامب قضيّة بالغة الأهمية في المنطقة العربية والشرق الأوسط عمومًا. وأجرى كبير مستشاري حملة المرشّح الديمقراطي جو بادين، توني بلينكين، حوارًا موسعًا هذا الأسبوع مع موقع "جيويش إنسايدر" الأميركي، تطرّق فيه إلى سياسة بايدن تجاه الشرق الأوسط في حال فوزه، دون أن يقدّم أيّة التزامات محدّدة.

وبحسب ما يتحدّث بلينكين، فإنّ إدارة بايدن ستعطي أولويّتين للسياسة الخارجيّة، هما العودة إلى المنظمات الدولية التي انسحبت منها إدارة ترامب، مثل منظمة الصحّة الدولية، واستبدال عقيدة "أميركا أولا".

وقال بلينكين إنّ الانسحاب من المنظمات الدوليّة له "أضرّ بشكل هائل بالولايات المتحدة ومكانتها في العالم، وهذا في المقابل ليس جيّدًا لإسرائيل"، وأكمل "سواءً رغبنا ذلك أو لا، العالم لا ينظّم نفسه. حتى هذه الإدارة الولايات المتحدة لعبت دورًا قياديًا، للقيام بالكثير من هذا التنظيم عبر المساعدة في كتابة القوانين وبلورة المعايير وتنشيط المؤسّسات التي تحكم طريقة تعامل البلدان مع كل دولة أخرى. والتحدّي الآن هو أن الرئيس ترامب تخلّى بشكل كبير عن هذا الدور وعن المسؤولية، (وتمثّل ذلك) في وضعنا، في أماكن كثيرة، في حالة انسحاب كامل من حلفائنا المقربين"، وشرح إشكاليّة ذلك بالقول "عندما لا تقود أنتَ، سيحدث واحد من أمرين اثنين: إما أن تأخذ دول معيّنة دورنا، ولكن ربّما ليس بالطريقة التي تعزّز مصالحنا وقيمنا؛ وإمّا أن تفعل ذلك دولة سيئة".

إيران: عودة إلى الاتفاق النووي.. وإلى العقوبات أيضًا

وانتقد بلينكين، كما كان متوقعًا، قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران الذي أبرم عام 2015، بعد جهود دبلوماسية أميركية وأوروبيّة كبيرة، قائلا إن الانسحاب "دون وجود أي شيء يحلّ محلّه" لم يؤدِّ فقط إلى "إعادة إيران إلى بعض أخطر جوانب البرنامج النووي، ولكن أيضًا إلى وضع إسرائيل، على الأرجح، في المرتبة الأولى في خطّ النار إذا طوّرت إيران سلاحًا في الواقع".

ولم يخفِ بايدن عزمه العودة إلى الاتفاق النووي، الذي كان نائبًا للرئيس السابق، باراك أوباما، عند أبرمه. ومع ذلك، ستواصل الولايات المتحدة فرض "العقوبات غير النووية" على إيران "كوسية احتياط قويّة ضدّ سوء السلوك الإيراني في مجالات أخرى"، شارحًا "الحقيقة الصعبة هي أن إيران كانت تفعل أشياء سيئة قبل الاتفاق النووي، أثناءه وبعده". وأوضح أن كثيرًا مما تفعله إيران "ليس مكلفًا" (لا تدفع ثمنًا مقابله)، واقترح "الطريقة الأقوى لفعل ذلك هي التأكد من أنك تعمل بالتنسيق مع الحلفاء والشركاء للتوقف والرد على سوء السلوك الإيراني، والمشكلة مع قيام إدارة (ترامب) بتمزيق الاتفاق النووي هي أنها أبعدتنا عن الحلفاء".

ومع ذلك، رفض بلينكين التطرّق إلى إمكانية تعديل الاتفاق النووي ليشمل برنامج الصواريخ الباليستيّة أو غيرها من المواضيع.

تردّد في عدد كبير من القضايا الملّحة

وابتعد بلينكين في مقابلته عن التطرّق إلى القضايا الملحّة في المنطقة العربية، مثل الأوضاع في سورية أو الموقف من الحكام العرب وقضايا الديمقراطية في المنطقة، واكتفى بعرض مواقف فضفاضة، مثل مراجعة العلاقات السعودية – الأميركية.

اتفاقيّات أبراهام "مبالغ فيها" وقلق من بيع إف 35 للإمارات

ورغم إشادة بلينكين بـ"اتفاقيّات أبراهام"، إلا أنه استدرك بأنّ "البحرين والإمارات العربية المتحدة لم تكونا في حالة حرب مع إسرائيل"، وقلّل أهميّة الاتفاقيّات وقال "مبالغ فيها قليلًا"، وأشار إلى أن علاقات إسرائيل وعدد من جيرانها العرب "موجودة منذ فترة طويلة، وإن كان ذلك سرًّا"، وأن العلاقات بين هذه الدول "كانت وثيقة جدًا" حتى أثناء إدارة أوباما، التي كان بلينكين جزءًا منها.

وأعرب بلينكين عن قلقه صفقة بيع مقاتلات إف 35 إلى الإمارات، وهو ما كان مصدر قلق بين الديمقراطيين في الكابيتول هيل، قائلا إنّه سيتعيّن على إدارة بايدن "إلقاء نظرة فاحصة عليها لفهم ما ينطوي عليه الأمر بالضبط"، وأشار إلى الالتزام الذي قطعته إدارة أوباما لإسرائيل في عام 2015، بأن تكون الدولة الشرق أوسطية الوحيدة المسموح لها بشراء هذه الطائرات، وقال "آمل بشدة ألا تمضي الإدارة قدما بسرعة أو ألا تحاول القيام بذلك بطريقة تلتف على الكونغرس".

وأمل بلينكين بـ"حلّ القضية الفلسطينية إلى الحد الذي يجعل الإسرائيليين يشعرون عمومًا بمزيد من الأمان. قد يكون ذلك مفيدًا في خلق ثقة أكبر للمضي قدمًا مع الفلسطينيين"، لكنه لم يبتعد كثيرًا عن موقف الإدارة الأميركية الحالية وإسرائيل، قائلا إن المزيد من اتفاقيّات التطبيع مع إسرائيل قد "يرسل رسالة إلى الفلسطينيين مفادها أنه يتعين عليهم الانخراط فعليًا والتفاوض بطريقة هادفة ".

"مبالغ فيها" (أ ب)
"مبالغ فيها" (أ ب)

وتعهد بلينكين بأن تحاول إدارة بايدن الاستمرار "في السعي والدعوة للتطبيع مع أي دولة عربية مستعدة للقيام بذلك"، بالإضافة إلى عملها على تحقيق واقع الدولتين بين إسرائيل والفلسطينيين. وقال إن "الدولتين تظلان السبيل الوحيد لضمان حقًا لإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية في حد ذاتها".

وأكد بلينكين أن "تجاهل البعد الإسرائيلي الفلسطيني لا يجعله يختفي"، لكنّه استدرك "بالطبع هذا ليس عام 2009، إنه ليس عام 2014، ليس عام 2017. الأطراف بعيدة عن الاستعداد لأي نوع من المفاوضات نحو الوضع النهائي. في الوقت الحالي، من الصعب معرفة الوضع الذي قد ترثه إدارة بايدن بالضبط. لكنني أعتقد، على أقل تقدير، أن بايدن يريد التأكد من عدم تراجع أي من الطرفين عن احتمالات الوصول إلى المفاوضات في نهاية المطاف".