الهند: 900 مليون مواطن يصوتون بانتخابات غريبة المعالم

الهند: 900 مليون مواطن يصوتون بانتخابات غريبة المعالم
(أ ب)

ستبدأ الانتخابات العامة الهندية، التي سوف يختار فيها الهنود برلمانهم الجديد، يوم الخميس المقبل، وستمتد لـ40 يوما،حيث سيتوجه فيها أكثر من 900 مليون ناخب إلى صناديق الاقتراع لاختيار حكومة جديدة.

وأعدت صحيفة "ذي غارديان" البريطانية، تقريرا مفصلا حولها، استعرضت فيه الجانب التنظيمي المثير لانتخابات في هذا الحجم، إضافة إلى المواضيع التي تحاول الأحزاب المختلفة الترويج لها من أجل التأثير على الناخب.

جرت العادة في الأنظمة الديمقراطية، أن تُجرى أي انتخابات في يوم واحد فقط، ليتم بعدها فرز الأصوات في الليلة ذاتها أو بعد الانتخابات بأيام، إلا أن ذلك لا يحصل في الهند، أكبر ديمقراطية في العالم، لماذا؟

قالت "ذي غارديان" إن الانتخابات العامة تتخذ 40 يوما، بسبب عدّة عوامل، وهي أن ثمن البشرية تقريبا، سوف تشترك في انتخابات واحدة، مع 22 لغة رسيمة مختلفة وآلاف اللهجات الأخرى، إضافة إلى أن عشرات الملايين من المواطنين أميين،  فيما تمتد رقعة التصويت من جبال الهملايا وإلى الساحل، مرورا بالكثير من المجتمعات القبلية التي تعيش بلا كهرباء، وأحياء العاصمة الراقية وحتى الأحياء الأكثر فقرا في مومباي.

وهذا يعني أن العملية سوف تكون في غاية التعقيد، خصوصا أن القانون الهندي ينص على توفير مركز اقتراع على بعد كيلومترين كحد أقصى عن كل ناخب، في سابع أكبر دولة في العالم من حيث المساحة. وفي مواجهة هذا التحدي اللوجستي، تجري الانتخابات في الهند على عدّة مراحل على مدار بضعة أسابيع، إلى أن تظهر النتائج في 23 أيار/ مايو المقبل.

ولفتت الصحيفة إلى أن هذا يتيح لـ11 مليون شخص يعمل بالانتخابات بين موظف عادي وضابط أمن، إدارة أكثر من 800 ألف مركز اقتراع، والأهم من ذلك، أن هذه المدة سوف تزيد نجاعة تأمين صناديق الاقتراع من قبل قوات الأمن الفيدرالية، والتي يُعتبر التأثير عليها بالتخويف أو بالرشاوي أكثر صعوبة من الشرطة المحلية.

ويتنقل ملايين العمال  مع صناديق الاقتراع، في جميع أنحاء البلاد بواسطة السيارات والمروحيات والجمال والفيلة والعربات والثيران والقوارب، في تكلفة تبلغ  أكثر من 5 مليارات جنيه إسترليني.

جمهور الناخبين

يحق لكل مواطن هندي يزيد عمره عن 18 عاما الإدلاء بصوته في صندوق الاقتراع، بشرط ألا يكون مسجونا أو مُعرف على أنه "مريض عقليا"، أو أُدين في السابق بارتكاب جرائم انتخابية مثل الرشوة، ومن بين 900 مليون ناخب هذا العام، سوف تكون هذه الانتخابات الأولى التي يُشارك بها أكثر من 84 مليون منهم، مما يضع قضية الشباب، في وسط المعترك الديمقراطي الهندي، كما ومُنح الهنود في المهجر حق التصويت أيضا في سفارات بلادهم.

آلية التصويت

تجري عملية الاقتراع عبر آلات إلكترونية يدلي فيها المواطنون بأصواتهم، وهي أداة مثيرة للجدل في الهند، حيث أنه في كل دورة انتخابية، تدعي الأطراف بشكل روتيني أنه تتم عمليات اختراق لهذه الأجهزة أو برمجتها لصالح الحزب الحاكم، أو يتم إبطائها عمدا في المناطق التي يكون فيها الحزب الحاكم ضعيفًا. لكنه لم يتم "إثبات" أي من هذه الادعاءات.

من الفائز؟

ينص نظام التصويت للبرلمان في الهند على أن كل من يحصل على العدد الأكبر من الأصوات للمقعد الواحد، هو الفائز، حتى لو كانت حصته أقل بكثير من 50 بالمئة. ويرى منتقدو هذه الطريقة أنها تؤدي إلى فجوات كبيرة بين نصيب حزب ما من الأصوات وعدد المقاعد التي يفوز بها في البرلمان.

 العنف والفساد

تمر الانتخابات العامة في معظم أنحاء الهند بـ"سلاسة"، وكثيرا ما يتم اتهام الأحزاب بخرق "معايير السلوك النموذجية" التي تحكم الطريقة التي يجب على المرشحين أن يجروا حملاتهم الانتخابية بحسبها، لكنها لا زالت عملية انتخابية تحظى بدرجة عالية من المصداقية عالميا.

ومع ذلك، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، تشهد الهند عنفا دائما في كل انتخابات، ورغم أنه لا يصل إلى درجة يُهدد فيها سير هذا الإجراء الديمقراطي، إلا أن أكثر المناطق عنفا، هي ما يُطلق عليها اسم "الحزام الأحمر"، والتي تشهد صراعا "دمويا" بين التنظيمات الشيوعية الماوية، والحكومة الهندية منذ أكثر من 50 عاما.

هل ستشكل "الأخبار الكاذبة" عائقا؟

يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت في الهند الآن 500 مليون شخص، وقامت الأحزاب السياسية الكبيرة ببناء شبكات تضم عشرات الآلاف من الناشطين عبر الإنترنت الذين يساعدون في نشر رسائلهم عبر "واتساب" و"فيسبوك" وتطبيقات أخرى، وتتضمن معظمها أخبارا كاذبة لأن السلطات لم تتمكن بعد من حل المشكلة، إلا أنها توصلت إلى اتفاق مع كبرى شركات وسائل الإعلام الاجتماعي، من أجل محاولة إزالة المعلومات الخاطئة في أسرع وقت ممكن. وتحاول التطبيقات بدورها، إقامة شراكات مع شركات إعلامية محلية للتحقق من المعلومات، كما وترسل تحذيرات لمستخدميها لألا يصدقوا كل ما يروه.

ماذا تحدد الانتخابات العامة؟

تقرر الانتخابات تشكيلة مجلس النواب الهندي. المجموعة التي يمكنها تشكيل ائتلاف حاكم تشكل الحكومة وقائدها يصبح رئيسا للوزراء.

ما الذي ينتظره الهنود في هذه الدورة؟

يقول رئيس الوزراء الحالي، ناريندرا مودي، وأنصاره إن الهند تتجه لتصبح قوة عظمى، حيث أنه استخدم سلطته لإجراء بعض الإصلاحات الهامة مثل ضريبة السلع والخدمات، وهي أكبر خطة طبية مجانية للفقراء إضافة إلى قانون "إعلان إفلاس وطني".

ويدعي مؤيدو مودي أيضا، أن أركان "الهند الجديدة" لا زالت قيد التطوير، لذا، فهو بحاجة إلى فترة أخرى لتنفيذ إصلاح الأراضي، وإرساء نظام ضمان اجتماعي وطني ومواصلة نشر أكبر قاعدة بيانات للهوية "البيومترية" في العالم والتي يُفترض أن تشمل جميع المواطنين. كما ويريد داعموه من الهندوس، أن يعيد تشكيل الدولة على أسس هندوسية بخلاف الرؤية العلمانية متعددة الثقافات التي أدخلها رئيس وزراء الهند الأول، جواهرلال نهرو، إلى مؤسسات البلاد وهويتها.

فيما يرى خصومه، بمن فيهم رئيس حزب "المؤتمر"، راهول غاندي، أن مودي قوض المؤسسات الحرة في البلاد على مدار الأعوام الخمسة الأخيرة التي أمضاها في السلطة، حيث زاد تدخله في المحكمة العليا، وتخويف وسائل الإعلام وتقويض البنك الاحتياطي وتشجيع الشرطة على التغاضي عن هجمات الهندوس ضد المسلمين والأقليات الأخرى. كما يدعون أنه فشل في خلق فرص عمل جديدة، إضافة إلى أنه "يدمر" سمعة الهند كدولة متسامحة، وانحاز طوال فترته إلى الشركات الثرية، على حساب الفقراء.

لقد أثار الأسلوب التسلطي الذي اتخذه مودي ردود أفعال شرسة،  حيث وضع قادة المعارضة ذوي الأجندات المتباعدة، خلافتهم جانبا من أجل تشكيل تحالفات مناهضة لمودي.

إلى ماذا تشير البيانات؟

إن المشهد السياسي في الهند معقد للغاية، حيث يتصارع آلاف المرشحين ومئات الأحزاب لتشكيل تحالفات تتخطى الانقسامات الطبقية والدينية واللغوية. والتي يكافح مستطلعو الرأي من أجل فهمها، لكنهم أمام مهمة صعبة.

ورغم التعقيدات، إلا أنه يبدو أن الدعم الشعبي لمودي ارتفع منذ التوترات المتصاعدة مؤخرا بين الهند وباكستان والتي لم تصل إلى هذا الحد منذ عقود، حيث أظهرت استطلاعات للرأي أنه سوف يفوز بأغلبية ضئيلة.

ما هي القضايا الكبرى في الهند؟

تختلف القضايا التي يكترث إليها سكان كل مقاطعة في الهند بشكل كبير، خصوصا أن تعداد السكان الإجمالي يبلغ 1.3 مليار مواطن، إلا أنه هناك عدّة قضايا رئيسية التي يتشاركها الناس في البلاد، وهي الزراعة وفرص العمل والصراع الهندي الباكستاني والتوترات الطائفية.

ويُعاني الفلاحون الهنود من الجفاف وخراب محاصيلهم الذي يهدد مصدر رزقهم الأساسي، كما وأنهم يواجهون مشكلة مع قرار الحكومة بخفض أسعار المواد الغذائية من أجل تغذية عشرات الملايين الذين يسكنون المناطق الحضرية، ولا يبدو أن المكافآت النقدية (القليلة) التي منحها مودي للمزارعين، سوف تحثهم على التصويت له.

تعهد مودي قبل وصوله للسلطة عام 2014، بخلق ملايين الوظائف الجديدة، ودعمه الكثير من الشباب الهنود بسبب مللهم من الفساد المتفشي في البلاد، لكنه بات من الواضح أن الاقتصاد الذي يقوده لا يخلق فرص عمل جديدة بل على العكس تماما، أغلق فرص عمل كانت موجودة، حيث أظهر تقرير لصحيفة "بيسنس ستاندارد" أن نسبة البطالة ارتفعت إلى 6.1 بالمئة وهو أعلى معدل منذ 45 عاما.

ووضعت التوترات المتصاعدة مؤخرا بين الهند وجارتها باكستان، الأمن القومي على رأس الأجندات الانتخابية، ووسم مودي نفسه بلقب "حارس الأمن" في البلاد.

وأثبت مودي أنه أقوى "قائد" هندوسي يصل إلى منصب رئيس الوزراء في تاريخ الهند الحديث، فقد مكّن فوزه حركة "هيندوتفا" واسعة النفوذ، التي تزعم أن الزعماء الأوائل للبلاد أساؤوا معاملة الهند باعتبارها جمهورية علمانية تتألف من مجتمعات متنوعة. وسيكون فوز مودي في عام 2019، بمثابة ضوء أخضر لنشطاء "هيندوتفا" لمواصلة إعادة كتابة الكتب المدرسية، وإصلاح القانون لحماية الأبقار المقدسة، والتحريض على المسلمين.

 

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية