اليوم الثاني للتهدئة، الهدوء يخيم على قطاع غزة والإسرائيليون يبررون أنفسهم

اليوم الثاني للتهدئة، الهدوء يخيم على قطاع  غزة والإسرائيليون يبررون أنفسهم


دخلت التهدئة في قطاع غزة يومها الثاني، ورغم تشكك عدد من السياسيين الفلسطينيين في نجاحها، يرى مراقبون أنها ستستمر لعدة شهور على الأقل. وخيم الهدوء على قطاع غزة منذ دخول الاتفاق إلى حيز التنفيذ باستثناء خروقات إسرائيلية في الساعات الأولى.

ويشير محللون إلى أن التصريحات الإسرائيلية بأن الاتفاق «هش» ولن يدوم طويلا، هي تبريرات ذاتية وللاستهلاك الداخلي للتخفيف من النقد الموجه لها وطمأنة دعاة التصعيد بأنها لن تصمد طويلا، وأن الحكومة تمنحها فرصة قبل اتخاذ قرار بشن عملية عسكرية واسعة. ويرون أن تراجع إسرائيل عن رفضها للتهدئة مع فصائل المقاومة نابع من عدة أسباب: فشل التصعيد العسكري والحصار في تحقيق الهدف السياسي الإسرائيلي الرئيسي وهو إنهاء سلطة حماس في قطاع غزة( بل على العكس ساهم ذلك في تعزيز تلك السلطة بالرغم من الأوضاع القاسية التي يمر بها سكان القطاع وافتقارهم لأبسط مقومات الحياة الكريمة). فشل العمليات العسكرية في وقف إطلاق الصواريخ على النقب الغربي. نية إسرائيل انتهاز التهدئة، التي رأت أن الفلسطينيين يسعون إليها من أجل رفع الحصار عن سكان القطاع، لدفع صفقة تبادل الأسير الإسرائيلي بأسرى فلسطينيين. عقدة فشل حرب لبنان التي تتملك رئيس الوزراء أولمرت، تحول دون اتخاذه قرارا غير مأمون العواقب باجتياح قطاع غزة. وأخيرا تراكم كل ذلك وتزامنه مع عدم الاستقرار الذي يعصف بالساحة السياسية الإسرائيلية على خلفية قضية الفساد التي تلاحق رئيس الوزراء وما تبعها من تطورات.

وكانت الحكومة الإسرائيلية بدأت بعد قبولها للتهدئة بإطلاق التهديدات بشنّ حملة عسكرية في قطاع غزة. واعتبر أولمرت أنّ التهدئة هي «الفرصة الأخيرة قبل شنّ حملة عسكرية»، ووصفها بأنها «هشة لن تدوم أيامًا»، وحمل "حماس" «أية مسؤولية عن خرق التهدئة»، إلى جانب تلويح أكثر من مسؤول إسرائيلي بعملية عسكرية بالتزامن مع قبول التهدئة.
ويقول محللون إنّ التصعيد يهدف إلى تحقيق هدفيْن: الأول، التغطية على ذلك الشعور لدى المسؤولين الإسرائيليين بأنهم اضطروا للتراجع عن مواقفهم وقبول التهدئة، الأمر الذي يعتبر دليلا على فشل أهداف الحصار المفروض على قطاع غزة، وفشل العمليات العسكرية في وقف إطلاق الصواريخ، وبالتالي عدم تحقيق الهدف الإسرائيلي الرئيسي وهو إنهاء سلطة "حماس" في قطاع غزة. والهدف الثاني، طمأنة معارضي التهدئة ودعاة التصعيد والتخفيف من انتقاداتهم، من خلال التصريح بأنّ التهدئة ستكون قصيرة ولن تصمد وسيتبعها عمل عسكري، أي أنّ اقتراحاتهم لم تسقط من جدول الأعمال. وينطلق المحللون من أنّ أولمرت الذي تتملكه عقدة فشل حرب لبنان الثانية ليس من السهل أن يقدم على اتخاذ قرار باجتياح قطاع غزة، وخاصة في الظروف التي تهدد بالإطاحة به.

ويتركز القلق الإسرائيلي من اتفاق التهدئة بأن تنتهزها فصائل المقاومة لتعزيز قوتها العسكرية، والتزوّد بأسلحة متطورة، بحيث تصبح مواجهتها في المستقبل مهمة أصعب مما هي عليه اليوم. لذلك شددت إسرائيل على أن يكون التعهد المصري بمكافحة إدخال السلاح إلى قطاع غزة جزءًا من الاتفاق وأحد الشروط الرئيسة لموافقتها على التهدئة. وأخذ صناع القرار الإسرائيليون مبادرة رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، للمصالحة مع "حماس" بعين الاعتبار إذ أنها إذا خرجت إلى حيّز التنفيذ ستكون ضربة للجهود الإسرائيلية لعزل "حماس" ومقاطعتها وتكريس الشرذمة الفلسطينية واللعب على وتر المحاور.

ساحة لتراشق الاتهامات

وكانت التهدئة ساحة لتراشق الاتهامات بين وزير "الأمن"، إيهود براك، وأولمرت، على خلفية الأزمة الداخلية الإسرائيلية، ومطالبة براك لأولمرت بالاستقالة من منصبه وفسح المجال لاختيار بديل له من "كاديما" لرئاسة الحكومة، وذلك على خلفية قضية الفساد التي تلاحقه. وحاول المقربون من أولمرت أن يصوّروا براك بأنه هو من يدفع باتجاه اتفاق التهدئة وأن أولمرت يحجم عنها، بهدف تحميل باراك كافة تداعياتها والتنصل من الانتقادات الموجهة لها. وكانوا بذلك يردّون على الانتقادات التي وجّهها براك لأولمرت بأنّ الاعتبارات الانتخابية الداخلية أخرت اتخاذ قرار بشأن التهدئة. وفي نفس الوقت يرى مراقبون أن أولمرت الذي يوصف بأنه ينتهج سياسة المماطلة والمراوغة، من الصعب عليه أن يُقدم على خيار عسكري بعد تجربة حرب لبنان والفشل الذي اعتراها، لذلك قبل بالتهدئة وأحال الانتقادات والفشل على براك.

في الجانب الفلسطيني، يرى مسؤولون فلسطينيون، أن التهدئة من شأنها أن تتيح رفع الحصار عن قطاع غزة وتخفف المعاناة عن الشعب الفلسطيني. كما ستكون أرضات خصبة لإطلاق الحوار الوطني الفلسطيني ورأب الصدع في البيت الفلسطيني. ورغم أن معظم الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة قد أعلنت تحفظها على بعض البنود وخاصة ذلك المتعلق بإرجاء سريان مفعول التهدئة في الضفة الغربية، والضبابية التي تحيط بإجراءات فتح معبر رفح، إلا أنها أعربت عن نيّتها احترام الاتفاق.

وميدانيا قالت مصادر إسرائيلية أن الأيام القريبة ستشهد بدء خفض عدد قوات الجيش في محيط غزة، والبدء بشكل تدريجي بتشغيل المعابر التجارية، والبدء بإجراء إصلاحات وترميم للمعابر التي تضررت بفعل القصف أو التي أغلقت طيلة العام المنصرم.

وصرح مسؤولون عسكريون، بأن تعليمات جديدة لإطلاق النار ستدخل حيز التنفيذ في الأيام المقبلة، كما ستنطلق مفاوضات لاستبدال الأسير الإسرائيلي بأسرى فلسطينيين. وبالرغم من الاختلاف بين الإسرائيليين والفلسطينيين في وجود أو عدم وجود قضية التبادل في إطار اتفاقية التهدئة، وبالرغم من إصرار إسرائيل على إرجاء فتح معبر رفح، ليكون وسيلة ضغط في صفقة التبادل، إلا أنه سيتطلب من الحكومة الإسرائيلية في كل الحالات الموافقة على إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين الذي وردوا في القائمة التي تسلمتها الحكومة الإسرائيلية قبل مدة طويلة عن طريق الوسيط المصري، ربما بتعديلات طفيفة هنا وهناك.

والد الأسير الإسرائيلي لدى المقاومة الفلسطينية نوعم شاليت طالب رئيس الحكومة في رسالة وجهها إليه بالامتناع عن رفع الحصار عن قطاع غزة طالما لم يتم إحراز تقدم في مفاوضات تبادل الأسرى. كما أطلق عدة تصريحات ينتقد فيها قرارات الحكومة مما استدعى مكتب أولمرت للاتصال به وطمأنته بأن إطلاق سراح ابنه مركب أساسي في اتفاقية التهدئة.

وأشار مصدر إسرائيلي إلى أنه في إطار التهدئة تم الاتفاق على آلية مراقبة مصرية إسرائيلية لضبط الحدود ومنع إدخال السلاح إلى قطاع غزة، ولفحص الخروقات في التهدئة. وتشمل تلك الآليات اتصالات جارية بين مسؤولين إسرائيليين ومصريين ولقاءات إذا ما تطلب الأمر.

من جانبه قال نائب وزير الأمن، متان فلنائي، المسؤول عن تطبيق التهدئة، إن المرحلة الأولى ستبدأ يوم بعد غد، الأحد، وسيتم زيادة كميات البضائع التي تدخل لقطاع غزة، وفي مرحلة لاحقة سيسمح بإدخال المعادن ومواد البناء.

وقالت مصادر إسرائيلية إن فلنائي أصدر تعليمات ببدء الإجراءات لفتح معبر كرم أبو سالم بشكل جزئي. إلا أن إعادة تشغيل المعبر تتطلب ثلاثة شهور،حسبما قالت مصادر إسرائيلية، بعد أن كان قد أغلق منذ استهدافه في إبريل/ نيسان الماضي. وأضافت المصادر أنه سيتم قريبا البدء بتشغيل معبر صوفا ومعبر كارني(المنطار)(يحتاج عدة أيام لإعادة فتحه بعد أن أغلق منذ عام تقريبا).

ستشهد المرحلة المقبلة استئناف المفاوضات للتوصل إلى اتفاق لتبادل الأسرى بوساطة مصرية، الذي يرى الفلسطينيون أنه منفصل عن التهدئة بينما يعتبره الإسرائيليون جزءًا منها. ومن المتوقع أن يزور رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، مصر، الأسبوع المقبل، برفقة رئيس الهيئة السياسية الأمنية في وزارة الأمن، عاموس غلعاد، ورمسؤول ملف الأسرى والمفقودين، عوفر ديكيل، لإجراء مباحثات مع المسؤولين المصريين من ضمنها صفقة تبادل الأسرى والتهدئة. وبغض النظر عن الخلاف والاختلاف في وضعية صفقة التبادل في الاتفاق فإنه سيتطلب من الحكومة الإسرائيلية الموافقة على قائمة الأسرى التي قدمتها "حماس"، ولكنها ستحاول الضغط من أجل دفع ثمن أقل.