«الإشتباك على الحدود اللبنانيّة غابَ عن رادار الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية»

«الإشتباك على الحدود اللبنانيّة غابَ عن رادار الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية»

في مقالته الصّادرة الجمعة في صحيفة "هآرتس"، قام الصّحافيّ أمير أورن باستعراض تحليليّ للوضع الاستخباراتيّ العسكري عمومًا، في ظلّ الفشل الذي منيت به في حالات عديدة في السّنوات الأخيرة، خصوصاً عدم توقعها رد الجيش اللبناني على حاولة الجيش الاسرائيلي تشذيب شجرة داخل المنطقة المعروفة بالخط الأزرق.

يبدأ أورن مقالته باستحضار "حادثة البلطة" من عام 1976، في 18 اب (أغسطس)، والتي وَقَعَت على المساحة منزوعة السّلاح الفاصلة بين الكوريتين الشمالية والجنوبية. الاستخبارات الأمريكيّة التي تركّزت في الرّدع من الغزو الشّماليّ للجنوب، "لم تتوّقع تلك الحادثة". وقد جَرَت الحادثة في الوقت الذي راقب ضبّاط أمريكيّون وجنوب كوريّين عمّالاً قاموا بتنسيق مسبّق مع الشّمال، قاموا بقصّ وتشذيب الأشجار. شاهد جنود شمال كوريين المشهد، وكانوا مسلّحين ببلطات، في احتجاج هادئ، لكن سرعان ما طالب ضابطهم من الأمريكيّين بالتّوقّف عن عملهم، في ادّعائه أنّ قائدهم، كيم إيل-سونج، هو من زَرَعَ الشّجرة وربّاها. وحين تجَاهَلَ الضّابط الأمريكيّ الطَّلَبَ قام الشّمال كوريين بالهجوم على العمال والمراقبين، ممّا أدى إلى مقتل ضابط الوحدة، وأُصِيبَ بجراح خطيرة ضابط آخر، توفيّ لاحقًا من مضاعفات الإصابة. يكمل أورن الحادثة "لم يتنازل الأمريكيّون. وخلال نفس الأُسبوع نظّموا قوّات كبيرة استكملت مهمّتها".

وفي عودةٍ لتاريخ الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، يرجع أورن إلى عام 1953، للقائد العسكريّ يهوشواع هركبي، والذي كان آنذاك نائب رئيس قسم الاستخبارات في الجيش، الذي "يعترض على اقتراح تغيير تعريف الصّلاحيّات للخدمات المختلفة" لقسم الاستخبارات. وهنا يقتبس أمير أورن أقوال هركبي المعترض على التّغيير في المبنى الاستخباراتيّ: "حينما تعمل سلطتان على طول الجبهة، فمن شأن ذلك أن يحوّلهما لخصمين... يعلم العرب بوجود مؤسّستين. يقدّمان التّقارير للجهتين، يقبضون المال من كلتا الجهتين، ويكذبون على الطّرفين".

يكمل أُورن أنّ وظيفة رئيس قسم الاستخبارات في الجيش منذ هركبي وحتّى يدلين، هي وظيفة صعبة للغاية، ويذكر أنّ قسم الاستخبارات مَرَّ بتطوّرات نوعيّة، منذ أن كان تجميع المعلومات الاستخباراتيّة يتمّ على يد وكلاء-مخبرين، وحتى وَصَل مرحلة تجميع المعلومات الإلكترونيّ، لكن يستدرك أورن أقواله: "إلا أنّ المخاطر لم تتغيَّر، والفشل والحُجَج بقيت على ما كانت عليه". يقول أورن إنّ ما قام به جيش لبنان من إطلاق النّار والتّصدّي للطرف الإسرائيليّ قد "غابَ عن رادار جهاز الاستخبارات الإسرائيليّ"، وفي السّياق ذاته يضيف أورن أن ما دار من سمعات حول محاولة اغتيال أحمدي نجاد، إن كان صحيحًا فهو أيضًا ينضمّ لذات قائمة الوقائع التي منيت بالفشل – غابت عن أعين الاستخبارات الإسرائيليّة، ويضيف لذات القائمة حَدَثًا من عام 1981 حينما فَحَصَت الاستخبارات الإسرائيليّة القدرات العسكريّة المصريّة، في سياق تخوّفها من تجدّد اندلاع حرب معها، إلاّ أنّ ذات الاستخبارات لم تَرَ العمل السّريّ للمتطرّفين الذي أدّى لمقتل أنور السّادات على يد خالد إسلامبولي.

خلال الأشهر الأخيرة، يقول أورن، حَصَدَ قسم الاستخبارات العسكرية فَشَلَيْن ذريعين، الأوّل يتلخّص في التّعامل مع أسطول الحريّة التّركيّ الذي قَدِم لغزّة "حيث أن تركيا ومنظّمة IHH لا يمكن اعتبارهما كتهديد يستحقّ استثمارًا يستلب الموارد من التّعقّب وراء إيران، سوريا، حزب الله، حماس، ومخاطر مستديمة وفوريّة أكثر على إسرائيل". الفشل الثّاني للاستخبارات الإسرائيليّة وفقَ أورن هو جيش لبنان، الذي اُعْتُبِرَ لاعبًا ثانويًّا غير مهمّ على السّاحة في المنطقة، مثل اليونيفيل، فيخلص للقول: "النتيجة، في كلتا الحالتين، كانت أنْ أدّى عنصرٌ يبدو هامشيًّا، وفي حَدَثٍ شبه-تكتيكيّ، أدّى إلى تطوّر يحمل معان إستراتيجيّة".

وبشأن المهامَّ الملقاة على كاهل رئيس الاستخبارات العسكرية يقول أورن إن هذه الوظيفة مليئة بالمهمّات إذ عليه أن يمنح المعلومات الاستخباراتيّة لقادة الجيش وللمقاتلين، وهو وفق تعبير أورن: "خادمٌ لثلاثة أسياد: قائد هيئة الأركان العامّة، وزير الأمن، ورئيس الوزراء"، ناهيك عن عبء آخر ملقى على كاهله، وهو "التملّص من نهاية كتلك الخاصّة بهركبي وجبلي ورؤساء استخبارات آخرين، ممّن كانت نهاياتهم أمرّ من بداياتهم"، ناهيك عن حرصه على مستقبله وكيفيّة تخليد اسمه في تاريخ الاستخبارات الإسرائيليّة.

يواصل أورن تقييمه للوضع الاستخباراتيّ المتمثّل بعموس يدلين، رئيس قسم الاستخبارات العسكرية، ويقول إنّ الحظّ قد حالفَ يدلين حينما خَدَمَ في سلاح الجوّ، إذ كان يائسًا من إمكانيّة تقدّمه، إلاّ أنّ خللاً أدّيا له كلّ من القائدين العسكريّين: عميرام إليأساف وعوزي روزين، كان السّبب في خلق فرصة جديدة أمام يدلين. وبعدها، فقد قام دان حلوتس بتعيينه رئيسًا لقسم الاستخبارات العسكرية.

يذكر أورن أنّ الاستخبارات العسكرية قامت في العقد الأخير بتغيير مبناها وتمّت إعادة هيكلته مجدّدًا، إذ انّ يدلين غَيَّر مبناه، وهو القادم من سلاح الجوّ، فصارت البنية الجديدة "تحاكي بنية سلاح الجوّ". إضافةً لذلك قام يدلين باستحداث وظيفة رئيس وحدة التّشغيل، التي تهدف "لإدخال النّجاعة على عمل العناصر المختلفة في الاستخبارات العسكريّة، وهدف خاصّ – معاونة الطّيّار يدلين بقيادة حملات سريّة". إلاّ أنّ مدى نجاح هذه الوحدة المستحدثة أمر مثير للجدل، وخصوصاً بعد أحداث مجزرة أسطول الحريّة التّركيّ، وقد خضعت هذه الوحدة الجديدة لتحقيقات هذا الأُسبوع على ضوء أحداث أسطول الحريّة. معلومة مهمّة في هذا السّياق، يدلي بها أورن، ففي حالة تعيين أفيف كوخافي لرئيس وحدة الاستخبارات القادم، فإنّه (كوخافي) سيقلّل من مكانة رئيس وحدة التّشغيل، وذلك "على ضوء تجربته الغنيّة في تخطيط الحملات الخاصّة وبقيادتها".

وفي تحليل أورن لأحداث ما بعد تبادل إطلاق النّار على الحدود اللبنانيّة: "من تلك اللحظة ولاحقًا كان ليدلين وظيفة إدخال الاعتدال والتهدئة"، وفي تحليله لشخصيّة يدلين وأشكنازي يصرّح أورن: "يملك كلّ من أشكنازي ويدلين مميّزات شخصيّة شبيهة. كلاهما مديران استقطابيّان، ينفران من فقدان السّيطرة... كلاهما حذران ومشكِّكَان، على قدر عال من العلم وحبّ الاستطلاع، واسعا الأفق وبمقدرتها أن يَرَيَا الأحداث السّوداء القادمة، لذلك فهما يسعيان، ولا ينجحان بالأمر على الدّوام (هذا الأُسبوع على سبيل المثال)، يسعيان بالاستعداد لكلّ ضائقة خفيّة".

وفي نهاية مقالته التّحليليّة لقسم الاستخبارات العسكرية عامّة، ولقياداتها خاصّة، يخلص أورن إلى ضرورة وجود شخصيّات منضبطة وواعية، على حدّ تعبيره، كقائد هيئة الأركان العامّة ورئيس قسم الاستخبارات، وذلك في ظلّ وضع يشغل فيه كثير من القادة المثيرين للجدل مناصب مرموقة، وبذلك يؤكّد أنّ هذا الثّنائيّ يوازن المعادلة العامّة على صعيد القيادات العليا في إسرائيل.