عزمي بشارة: في الدولة التي يحتفلون فيها بـ" التصفيات" لا يمكن الاحتفال بالسلام

عزمي بشارة: في الدولة التي يحتفلون فيها بـ" التصفيات" لا يمكن الاحتفال بالسلام


سيدي رئيس الجلسة،
أعضاء الكنيست،

من المغري أن أدخل في نقاش مع شمعون بيرس حول هل عرض باوندونج حلاً سياسياً وهل إقترح عبد الناصر إقتراحات سياسية. ألم ترفض جولدا مئير كل اقتراحات عبد الناصر؟ ومن المغري أن أدخل في نقاش هل كان السادات سيأتي ويخطب من هنا لولا أنه وعد بالانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران. ولو كانت اسرائيل مستعدة للإنسحاب إلى حدود الرابع من حزيران على كافة الجبهات العربية لما كانت هنالك حاجة لترك إطار مؤتمر جنيف في حينه. جربوا، اقترحوا حدود الرابع من حزيران على البقية، وسوف نرى ان كانوا مستعدين.

تعقد هذه الجلسة في ذكرى مرور 25 عاماً على توقيع اتفاقيات السلام مع مصر. هذا صحيح، لكن هذه ليست جلسة احتفالية، وجيد أنكم سميتوها جلسة خاصة. ولا اذكر متى كانت المرة الاخيرة التي جرى فيها الاحتفال باتفاق السلام؛ هل جرى الاحتفال به منذ العام 1982؟

بالامكان الاكثار من الكلام، وقد اكثروا فعلاً، ليس بالكلام فحسب وانما ايضاً في إصدار الكتب حول العملية التي افضت الى هذا الاتفاق. وقد استخدموا دائماً الكلمات "كان هناك مد وجزر"، "شهدنا نجاحات وخيبات امل". وتحدثوا ايضاً عن اسهام ديان، بيغن، السادات، جيمي كارتر وغيرهم. وما زالت هناك حقيقة واحدة قائمة وصلبة. ما زال نموذج السلام الاسرائيلي المصري ناقصاً. وسيتم استكماله فقط عندما يتم تطبيق وتنفيذ هذا النموذج في الاراضي التي احتلت في العام 1967. هذه هي حقيقة الاتفاق، لكن في الوقت ذاته هذا ما ينقص الاتفاق.

لقد تم تحقيق السلام الاسرائيلي المصري مقابل انسحاب اسرائيل من كافة الاراضي المصرية التي احتلت في حزيران 1967. ولم يكن هذا "ثمن السلام"، كما يحبون في اسرائيل تسمية الارض التي عادت الى اصحابها، وانما هذه هي القاعدة المشتركة للسلام، هكذا فقط يكون "السلام مقابل السلام". السلام مقابل السلام الذي يستند على عدم السيطرة على اراضي احتلت بالقوة. "سلام مقابل سلام" هو سلام بين متساوين بدون احتلال. واذا قلت اعادة اراضي فهذا يعني، عملياً، اخلاء مستوطنات. لان المستوطنات هي السمة الابرز للرغبة في تكريس احتلال الارض. وثمة فرق بين رغبة اليهود بالسكن في مناطق دولة اخرى ذات سيادة وبين المستوطنات. ولذلك فان الاعتراف بالسيادة المصرية في سيناء كان مناقضاً لوجود المستوطنات، التي لا يمكن اعتبارها مجرد رغبة اسرائيلية بالسكن في مصر وإنما نقيضاً للسيادة المصرية. ليس هذا هو المهم.

لقد قال شارون في مقابلة مع "هآرتس" بتاريخ 13.4.01: " طالما لا يوجد سلام، ها نحن نسكن هناك. واذا ساد السلام بعد مدة، ان شاء الله، فلا مانع بأن يسكنوا هناك. الا تسكن مئات العائلات العربية في نتسيرت عيليت، بئر السبع، اللد والرملة. لماذا يزعج اذا المستوطنون في مستوطنات الضفة الغربية؟". وعندما سألت الصحيفة " الن تكرر ما حدث في يميت؟"، أجاب شارون "لا. بالتأكيد لا."

لم يحب العالم العربي مبادرة السادات، لانها كانت مبادرة انفرادية. وقد وصفت بأنها "المبادرة الانفرادية"، "السلام الانفرادي"... "الذي اخرج مصر من ساحة المواجهة". وقد اعتقدت ذلك انا ايضاً كطالب جامعي. وعارضت هذه المبادرة المصرية لهذه الأسباب. وفعلاً عرضت هذه الأسباب ذاتها في داخل إسرائيل كإنجاز.
بالرغم من ان السادات، في خطابه من على منصة الكنيست، عرض حلاً صحيحاً للقضية الفلسطينية. لكن تم توقيع الاتفاق في نهاية المطاف من دون هذا الحل. ولذلك ايضاً، وكم الامر رمزي، لا يمكن في هذا اليوم عدم الاخذ بعين الاعتبار التأثير المباشر لعدم حل قضية الاحتلال وانعكاساته المباشرة على الحياة اليومية للفلسطينيين والاسرائيليين، وبضمن ذلك تحويل اتفاق سلام الى صلح.

وسيبدو كل اتفاق سلام كإتفاق لا-حرب الى ان يحل السلام العادل، وسلام دائم هو سلام عادل. ينطبق هذا على مصر وعلى الاردن، وينطبق ايضاً على اتفاقات مستقبلية مع الفلسطينيين، السوريين واللبنانيين.
قال شارون في مقابلة مع "يديعوت احرونوت" بتاريخ 13.4.01: " برأيي ان السلام الحقيقي، سلام لأمد طويل، لا ينتج انتحاريين ولا منظمات ارهابية ويحتم تقديم تنازلات. من الجائز ان نضطر الى اخلاء مستوطنات. لقد ايدت السلام مع مصر. واعتقد انه كان هاماً جداً. والسلام مع الاردن هام جداً ايضاً. لم يكن بالامكان التوصل الى سلام مع مصر من دون الانسحاب الى الحدود الدولية. حاولت ان اعرض امام المصريين بدائل اخرى. اقترحنا مبادلة اراضي بدلاً من اخلاء مستوطنات. لكن هذا لم ينجح. في احدى محادثاتي مع هنري كيسنجر قلت له ان لم يكن مناصاً من اخلاء المستوطنات في سيناء. وهو كان يعتقد ان على اسرائيل البقاء عند خط معين الى الغرب من الحدود الدولية. قلت، لو اننا لم نتنازل عن كل شيء لما توصلنا الى اتفاق سلام، وانما الى وقف القتال وحسب. وسأل كيسنجر ماذا لديكم الان، واجاب هو : حالة وقف قتال. ليس انني اتهرب من المسؤولية، لكن اخلاء المستوطنات تم بقرار اتخذته الحكومة". وعلى سؤال ما هي استخلاصاتك، هل انت نادم على اخلاء مستوطنات ام انك غير آسف؟، أجاب "اعترف انني لم ادرك في حينه ان اخلاء مستوطنات سيصبح ختماً، ومنح شرعية وسابقة. اخلاء مستوطنات بنظري ليس راية ترفع. اذا كنت قد اخليت مستوطنات في سيناء، رغم الفوارق الميدانية، فهذا لا يعني ان عليك الاخلاء في مكان اخر. وإذا كان الاخلاء قد أعطى شرعية مسبقة للاخلاء القادم، فانني آسف عليه".

لم افهم موقف رئيس الحكومة بخصوص الاخلاء، لكن هذا امر عادي، اننا لا نفهم التناقض في مواقفه في مقابلتين تمتا في نفس اليوم ذاته. هذا غير مهم، المهم هو عدم وجود وضوح اذا ما كان رئيس حكومة اسرائيل راضِ بأثر رجعي عن "ثمن" السلام الذي تحتفي به الكنيست اليوم.

لا اعرف اذا كانت القضية الفلسطينية هي لب الصراع الاسرائيلي العربي ام ان الصراع الاسرائيلي العربي هو لب القضية الفلسطينية. لكن ما لا شك فيه هو الرابط التاريخي والجوهري بين الامرين. سلام عادل ودائم يمكن ان يستند فقط الى حل القضية الفلسطينية، حلا عادلا ومنصفاً.

محاولة فرض شروط اسرائيلية بدلاً من اتفاق، حسبما يحلو لاسرائيل، على نمط: "التخلص من المشكلة الدمغرافية"، "فك الارتباط"، "اجراء اعادة انتشار"، "انسحاب جزئي"، "اخلاء المدن المأهولة"، أو حسب التعبير الإسرائيلي "منحهم حكما ذاتياً يديرون من خلاله شؤون حياتهم"، كل هذه هي تعبير لرغبة اسرائيل بالسيطرة على الارض الفلسطينية من دون فلسطينيين، والتخلص من القضية الفلسطينية من دون حلها. من الناحية التاريخية، كل محاولة كهذه تحولت الى مقدمة للتصعيد، وحتى ليس الهدوء الذي يسبق العاصفة وانما للثرثرة التي تسبق العاصفة، الوهم الذي سبق الحروب والانتفاضة.

لقد استبدل نموذج الحكم الذاتي الذي اقترح في كامب ديفيد الخيار الاردني بالخيار الفلسطيني، كما انه استبدل تسوية اقليمية بتسوية "وظيفية" حسب تعبير موشي ديان في حينه... وبالامكان الحديث مطولاً في تحليل معنى ذلك. لكن الخلل الاساسي بقي في محاولة ايجاد تسوية بين اسرائيل واسرائيل، وليس بين اسرائيل والفلسطينيين. لقد كانت هذه تسوية بين عدم قدرة اسرائيل (وبضمن ذلك اليمين الاسرائيلي في الحكم) على ضم الاراضي الفلسطينية التي احتلت في 67 وعدم الرغبة بالانسحاب منها. الحل الوسط بين عدم القدرة وعدم الرغبة هو الأوتونوميا. وبقي الحكم الذاتي، مثل المحاولات الاخرى الهادفة لايجاد مخرج وليس حلاً، مخرجاً خطابياً من قضية غير خطابية. لا يوجد حكم ذاتي من دون مواطنة، وفي كل مكان تنفذ فيه يتم منح الحكم الذاتي لمجموعة مواطنين ولا توجد مواطنة من دون دولة. المواطنة هي الوجه الآخر للسيادة.

ولا تغير المحاولة لتسمية هذا النمط من التفكير بالعملية السلمية، او عملية سياسية او مجرد "عملية" في اللغة الأمريكية، لا يغير هذا كله من سياق تغييب القضية الفلسطينية، او اقصائها باستخدام ميزان القوى، اي بالقوة. واستخدام القوة يبدأ بالحاجز مرورا بـ"جرف المباني" وهدم البيوت وصولاً الى الاغتيالات، التي يسمونها بلهجة احتفالية اسرائيلية بالتصفيات. في الدولة التي يحتفلون فيها بـ"التصفيات" لا يمكن الاحتفال بالسلام، ومن يحتفل بـ"التصفيات" ليس قادراً أو مؤهلاً على الاحتفال بالسلام بعد. لا يمكنه الاحتفال بالسلام الداخلي مع ذاته، ولا مع الاخر، لا يمكنه الاحتفال بالسلام البسيط والساذج اليومي.

من يحتفل بالتصفيات لا يمكنه الاحتفاء بإمتياز الروتين العفوي وهدية الحالة العادية.