اكثر من مليون جائع في اسرائيل..

  اكثر من مليون جائع في اسرائيل..

أكد خبراء الاقتصاد الاسرائيليون ان اعلان وزير المالية الاسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن خفض الضرائب لمن يتقاضى أجرا شهريا حتى عشرة الاف شيكل، ليس سوى أداة تجميل يغطي فيها على فشله في السياسة الاقتصادية-الاجتماعية التي طرحها خلال العام الماضي من خلال خطتين اقتصاديتين. فقد ادت هاتان الخطتان الى اتساع دائرة الفقر في اسرائيل كونهما مستا بشكل كبير بالشرائح الاجتماعية الضعيفة في اسرائيل بتعرضهما الى مخصصات الرفاه التي تمنحها الحكومة للمواطنين. وجاءت هاتان الخطتان، ايضا، الى جانب هجوم يكاد يكون كاسحا على حقوق العاملين وكسر شوكة نقابة العمال العامة الاسرائيلية (الهستدروت)، التي اضطرت خلال فترة طرح الخطتين الى التنازل عن الكثير من مطالبها وصلت حد الموافقة على فصل عاملين من عملهم. ويصب كل هذا باتجاه رأسملة الاقتصاد الاسرائيلي، الذي خطى بسرعة كبيرة في فترة رئاسة نتنياهو للحكومة الاسرائيلية في السنوات 1996-1999. ففي هذه الفترة اصبح النهج الاقتصادي لارباب العمل، من اجل تحقيق ارباحهم، يقضي بفصل العاملين بادعاء النجاعة، ما زاد من اتساع دائرة البطالة بشكل قياسي. وتصاعد هذا النهج، مع تولي نتنياهو وزارة المالية في حكومة اريئيل شارون الثانية، الى جانب التقليصات في ميزانية مختلف الوزارات لصالح تضخيم ميزانية الامن وبناء جدار الفصل العنصري، والركود الاقتصادي مع اندلاع انتفاضة الاقصى والاعلان عن اسرائيل، عالميا، انها ليست المكان الآمن للاستثمار او للسياح مثلا..

وعادة ما تكون الاعياد مناسبة لقيام العائلات بالمشتريات. ومع حلول عيد الفصح العبري هذا العام، تكشف مستوى الفقر في اسرائيل. ولعل المؤشر الاوضح لاتساع ظاهرة الفقر، بل الجوع والعوز للطعام، برزت هذا العام في معطيات افادت بها المؤسسات والجمعيات الخيرية التي توزع وجبات الطعام على المحتاجين. بل ان مصرفا كبيرا، هو بنك ديسكونت، اعلن عن استعداده لتلقي تبرعات، على شكل وجبات طعام، من المواطنين في فروعه ليقوم بدوره بتوزيعها على المحتاجين. واصبحت ظاهرة توزيع هذه الوجبات منتشرة جدا واصبحت هذه الجمعيات الخيرية لا تخلو منها مدينة او بلدة في اسرائيل.

وكشفت مجموعة من الجمعيات الخيرية عن ان مواطنين يتلقون وجبات طعام من اكثر من جمعية، لكنها اكتشفت ايضا ان مواطنين محتاجين لا يتلقون مثل هذه الوجبات من اي جمعية خيرية. وتبين ان السبب هو الخجل الذي يشعرون به من استجداء الطعام. وقال احد المسؤولين في جمعية في القدس الغربية ان هناك مواطنين يرفضون فتح باب بيتهم لمندوبي الجمعية الذين يوصلون الطعام الى بيوت الاسر المحتاجة. ويضطر مندوبو الجمعية الى ترك صندوق الطعام امام باب البيت ويقومون بقرع الباب، من دون انتظار الرد، وانما فقط لاعلام سكان البيت بان الطعام قد وصل. وتأتي هذه المشاهد بعيدة للغاية عما يشاع عن انتعاش في الحركة الشرائية واقبال الاسرائيليين على شراء الاجهزة الكهربائية على انواعها.

واعتمادا على تقديرات وزارة الرفاه الاجتماعي، فان اكثر من مليون اسرائيلي تلقوا هذه السنة تبرعا على شكل وجبات طعام عشية عيد الفصح، ما يشكل زيادة المحتاجين الى الطعام بنسبة 50% مقارنة مع العام الماضي.

وتستند تقديرات وزارة الرفاه الى تقارير وصلتها من 119 جمعية خيرية اعلنت انها ستقدم صناديق مليئة بوجبات الطعام الى 266 الف عائلة، مقابل 169 الف عائلة تلقت مثل هذه الصناديق عشية الفصح في العام الماضي.
تفرق الجمعيات الخيرية بين نوعين من المحتاجين: اولئك الذين ولدوا مباشرة الى الحياة في ضائقة واولئك الذي يُعرّفون على انهم "الفقراء الجدد". و"الفقراء الجدد" هم الذين اصبحوا فقراء في السنتين الاخيرتين. وعادة ما يكون تدهور هؤلاء الى الفقر بسبب دفعات لتسديد قروض الاسكان العالية وفصل احد الزوجين من العمل. وقال احد مدراء الجمعيات ان "اشخاصا كثيرين هم الجيل الثاني او الثالث الذين يعيشون في ضائقة في العائلة وهم يعلمون ماذا تعني مخصصات الرفاه والعاملة الاجتماعية. انهم لا يخجلون من وضعيتهم هذه، اذا لا خيار امامهم ببساطة. ولكن اكثر من يعاني هم اولئك (الفقراء الجدد) الذين فقدوا املاكهم. وانا اراهم يتجولون عدة ايام خارج مقر الجمعية قبل ان يجرأو على الدخول وطلب المساعدة". ويصف "الفقراء الجدد"، من جانبهم، الدخول الى مقر احدى الجمعيات والمكوث فيه لتناول وجبة طعام بانه "اكثر اللحظات صعوبة على الاطلاق".

وقال مدير جمعية خيرية في مدينة حيفا لمراسلة "هآرتس": "الانسان الذي لا يجد طعاما في بيته، لديه سببا للخجل. انها حرب من اجل البقاء. اريد ان يعلم الجميع ان هناك اشخاصا جائعين، وليدركوا حجم الضائقة".

يشار الى ان السلطات المحلية هي التي توجه المحتاجين الى الجمعيات الخيرية للحصول على وجبات الطعام، وذلك لان الجمعيات الخيرية تطلب من المتوجهين اليها احضار وثائق من قسم الخدمات الاجتماعية في السلطة المحلية تثبت حاجتهم للحصول على وجبات طعام.
ويواصل عدد كبير من مستخدمي السلطات المحلية في اسرائيل العمل في وظائهم، غير انهم لا يتلقون رواتبهم بسبب الازمة المالية الحاصلة في هذه السلطات. وقالت تقارير صحفية ان هؤلاء العاملين يواجهون حالات اليأس ولم ينجح تحويل وزارة المالية راتب شهر واحد، عشية الفصح، من اخراج هؤلاء العاملين من حالة اليأس التي تنتابهم ومن ضائقتهم.

في مدينة اللد، على سبيل المثال، لم تدفع البلدية الرواتب منذ خمسة شهور. وقال احد الموظفين في البلدية انه لم يشهد وضعا ماليا سيئا الى الحد الذي يواجهه هذه السنة، منذ 18 عاما عندما بدأ بالعمل في البلدية. واضاف ان البلدية لم تدفع الرواتب منذ عيد رأس السنة العبرية في ايلول الماضي. ومنذ ذلك الحين مرت اعياد عديدة لكن البلدية لم تسدد ولو راتبا واحدا خلالها.

واضاف: "طوال السنوات الماضية سمعت عن اشخاص يتوجهون الى مقرات الجمعيات الخيرية للحصول على وجبات الطعام. وها انا في العام 2004 اتوجه الى احدى هذه الجمعيات لاحصل على الطعام. ليس اننا اعتدنا ذلك، لكننا اصبحنا نشعر بالضياع والانهيار. ولا نعرف ما يخبئه المستقبل". وروى الموظف ان احدى بناته، وهي جندية، قالت له: "اعلم ان وضعك المالي سيء. دعني ابقى خلال العيد في القاعدة العسكرية"، فيما توجه ابنه البالغ 14.5 سنة، دون علم الاب، الى لجنة البيت وعرض عليهم ان يدهن حيطان البناية ليحصل على بعض المال.

لكن الوضع بين العرب في الداخل، وخصوصا موظفي بعض السلطات المحلية العربية، اصعب بكثير. فقد قالت مديرة قسم خدمات الرفاه في احد المجالس المحلية، انها لم تتقاضى راتبها منذ 23 شهرا!! وقالت ان وزارتي الداخلية والرفاه لا تفعل شيئا لوقف تدهور الاوضاع المالية للسلطات المحلية. كذلك الهستدروت لا تفعل شيئا ولا حتى نقابة العاملين الاجتماعيين.
على ضوء هذا الوضع، بعث مستخدمو السلطات المحلية رسالة الى رئيس الحكومة الاسرائيلي، اريئيل شارون، تحت عنوان "لائحة اتهام علنية". وبعثوا نسخا منها الى نتنياهو والى وزير الداخلية ابراهام بوراز.

ويذكر ان وزارة المالية كانت وعدت بتحويل مبلغا من المال الى السلطات المحلية لتسديد راتب شهر واحد عشية الفصح العبري. وتبين ان وزارة المالية حولت مبلغ 385 مليون شيكل لجميع السلطات المحلية. لكن المستخدمين في كثير من السلطات المحلية التي تواجه ازمة مالية، وبالتالي لم يتلقوا رواتبهم منذ شهور طويلة، تلقوا نصف راتبهم.

واتهم مستخدمو السلطات المحلية شارون في "لائحة التهام" بانه "فك الارتباط مع الشعب (الاسرائيلي). وانه قاد الدولة الى هوة سحيقة اخلاقيا واجتماعيا". وكتبوا في الرسالة ايضا: "لقد وعدت قبل اسبوع ان يتم دفع رواتبنا. قلت كلمتك، التي كانت ذات قيمة كبيرة في الماضي. بفمك قلت ان علينا ان نكون انسانيين. لكن الكلام في وادٍ والافعال في وادٍ أخر".

وتابعت الرسالة الى شارون: "انت، الذي حظيت بلقب البلدوزار لم توقفك البيروقراطية، لكنك استسلمت وتركت جنودك ينزفون في الميدان. لن نغفر لك ابدا على معاملتك لنا بهذا الشكل السيء مقابل المعروف الذي صنعناه لك. ونعدك ان لا تتركك وشأنك خيبة املنا منك، وخصوصا غدا، في صلاتنا عشية العيد عندما ستصابون، انت وابناء عائلتك، بالتخمة فيما نحن جياع".

واتهم المستخدمون في رسالتهم نتنياهو: "انك تمارس ضدنا ارهابا اجتماعيا وتستخدمنا كرهائن في معاركك السياسية مقابل وزارة الداخلية. جعلتنا جياعا في محاولة لتحتل الحكم. انك تمارس ضدنا اقسى انواع الابتزاز. ربما انك تفهم شيئا بالاقتصاد، لكنك لا تفهم شيئا بالانسانية. ربما تكون شخصا عقلانيا، لكننا نبحث عن قائد يكون انسانا ويمتلك المشاعر قبل كل شيء، والا لكنا انتخبنا حاسوبا ليقودنا بشكل عقلاني. اذ انه بموجب تفكيرك العقلاني لا حق بالوجود لمن لا يملك المال وانت بنفسك قلت ان من ليس لديه المال لا حق له بانجاب الاولاد".

وقال المستخدمون في رسالتهم الى وزير الداخلية، بوراز: "اقوالك، بان من لم يتلق راتبه شهرا لن يصاب بسوء التغذية، تفضح تفكيرك. انت بالتأكيد لا تعيش معنا، نحن الذين كنا الطبقة المتوسطة حتى الانتخابات الاخيرة، هذه الطبقة التي ادعيت انك تمثلها".

وانتهت الرسالة بالقول: "عندما يكبر اولادنا ويتوجهون للدراسة سوف نهتم بان نذكرهم من المذنب في تكريس الفجوات (الطبقية) ومن الذي جعل اباءهم يفقدون كرامتهم. وسوف تظهر اسماء كل واحد منكم في هذه القائمة البائسة". ووقع المستخدمون كالتالي: "نتمنى لكم عيدا مليئا بالطعام! مستخدمو السلطات المحلية والمجالس الدينية الجائعون، بذنبكم"..